التبرك لغة طلب البركة والبركة هي النماء والزيادة، قال الراغب الأصفهاني (البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء).
قال ابن منظور (البركة النماء والزيادة، والتبريك الدعاء للانسان او غيره بالبركة، يقال بركت عليه تبريكا، اي قلت له بارك الله عليك وبارك الله الشيء، وبارك فيه، وعليه، وضع فيه البركة، وطعام بريك، كأنه مبارك) لسان العرب 10 – 395.
والمسلم يعتقد ان الله سبحانه وتعالى هو خالق البركة، فالبركة من الله لمن شاء ان يباركه، والله سبحانه بحكمته يختار من الازمان ما يباركها، قال تعالى (انا انزلناه في ليلة مباركة انا كنا منذرين) الدخان 3.
ويختار الله سبحانه من الاماكن ما يباركها، قال الله سبحانه (وارثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الارض ومغاربها التي باركنا فيها) الاعراف 137.
قال الله تعالى (سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا انه هو السميع البصير) الاسراء 1.
وقال الله سبحانه (ونجينا لوطا الى الارض التي باركنا فيها للعالمين) الانبياء 71، وقد بارك البيت الحرام، فقال تعالى (ان اول بيت وضع للناس الذي بمكة مباركا وهدى للعالمين) آل عمران 96.
ويختار الله سبحانه من الاشخاص من يباركهم، فبارك الانبياء وأهل بيتهم، قال الله تعالى (قالوا اتعجبين من امر الله رحمة الله وبركاته عليكم اهل البيت انه حميد مجيد) هود 73.
وبارك اتباع الانبياء ومن تبعهم، قال الله تعالى (قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى امم ممن معك وامم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب اليم) هود 48.
واثبت الله سبحانه ان انبيائه عليهم السلام يصطحبون بركتهم اينما ذهبوا، فقال سبحانه (وجعلني مباركا اين ما كنت ووصاني بالصلاة والزكاة ما دمتم حيا) مريم 31.
ويبارك الله المؤمنين المتبعين لمنهج الله، فقال سبحانه (ولو ان اهل القرى امنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض لكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) الاعراف 96.
ويستحب للمؤمن ان يلتبس بركة هذه الجهات التي ثبتت بركتها من عند الله سبحانه وتعالى، فيستحب للمؤمن التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم وآثاره، وقد ثبت ذلك التبرك من صحابة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بذاته وآثاره، ولم ينكر عليهم بل ورد عنه صلى الله عليه وسلم اجابته بالتبريك لهم وعليهم.
اخرج البخاري بسنده عن عروة عن المسور وغيره يصدق كل واحد منهما صاحبه (واذا توضأ النبي صلى الله عليه وسلم كادوا يقتتلون على وضوءه) (1).
وفي حديث صلح الحديبية في البخاري من حديث المسور بن مخرمة، بعد رجوع عروة بن مسعود الى قريش (فرجع عروة الى اصحابه، فقال اي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر، وكسرى، والنجاشي، والله ان رأيت ملكا قط يعظمه اصحابه ما يعظم اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم محمدا، والله ان تنخم نخامة الا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، واذا امرهم ابتدروا امره، واذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوءه واذا تكلم خفضوا اصواتهم عنده وما يحدون اليه النظر تعظيما له وان قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها) (2).
وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم انه كان يؤتى بالصبيان فيبارك عليهم ويحنيكهم (3).
وعن أسماء انها حملت بعبد الله بن الزبير بمكة، قالت فخرجت وأنا متم، فأتيت المدينة، فنزلت بقباء، فولدته بقباء، ثم اتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضعه في حجره، ثم دعا بتمرة فمضغها، ثم تفل فيه، فكان اول شيء دخل جوفه ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حنكه بالتمرة، ثم دعا له وبارك عليه، وكان اول مولود ولد في الاسلام (3).
وكانت أسماء بنت ابي بكر تقول للحجاج ان النبي صلى الله عليه وسلم احتجم فدفع دمه الى ابني (تقصد عبد الله بن الزبير) فشربه فأتاه جبريل عليه السلام فأخبره فقال ما صنعت؟ قال كرهت ان اصب دمك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تمسك النار، ومسح على رأسه (5).
عن عميرة بنت مسعود رضي الله عنها انها دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم هي واخواتها يبايعنه وهن خمس فوجدنه وهو ياكل قديدا فمضغ لهن قديدة ثم ناولني القديدة فمضغتها كل واحدة منهن قطعة فلقين الله وما وجدن لافواهن خلوف (6).
هذا ما يخص التبرك باثار النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، وأما التبرك باثار الصالحين، فأصل ادلة هذا الباب هي نفس احاديث التبرك باثار النبي صلى الله عليه وسلم، ذلك لان الاصل عدم اختصاص تلك البركة بالنبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت مقامها من النبي صلى الله عليه وسلم اعلى، وهذا ما فهمه كبار شراح السنة النبوية المطهرة كالنووي، وابن بطال والباجي والقاضي عياض والمازري وابن حجر، وغيرهم.
الشيخ السيد الشريف علوي بن عباس المالكي المكي (المتوفى سنة 1391 هـ) كان رحمه الله من اجل علماء المسجد الحرام اضافة الى تعليمه في مدرسة الفلاح في مكة، عرف بقدرته على استحضار الاجوبة المسكتة لاهل البدع من نفاة التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد حدث في مكة المكرمة ان كان الناس في صلاتهم وطوافهم، وكانت السماء محملة بالسحاب، فنزل المطر وانصب الماء من ميزاب الكعبة، فصار الحجازيون على عادتهم يهرعون الى الماء المنصب من الميزاب يتناولونه ويصبونه على ثيابهم واجسادهم يتبركون به فجاء رجل من نفاة التوسل يعترض على هذا التبرك ويصفه بالشرك وقال لفضيلته اسمع يا سيد يقولون بركة فقال السيد بل بركتان، الله تعالى يقول في كتابه عن المطر (ونزلنا من السماء ماء مباركا) ويقول عن الكعبة (ان اول بيت وضع للناس الذي بمكة مباركا) فبركة على بركة (بركة ماء السماء، وبركة هذا البيت العتيق) فهالرجل المعترض مطأطئا رأسه، قانعا بما سمعه من الشيخ السيد علوي بن عباس المالكي رحمه الله تعالى (اورد هذه الحادثة تلميذ الشيخ علوي المالكي، الشيخ عبد الفتاح حسين راوه في كتابه المصاعد الراوية).
قال الحافظ ابو الحسن ابن بطال المالكي (ت 449هـ) في شرح صحيح البخاري (ولما جاز اتخاذ شعر النبي صلى الله عليه وسلم والتبرك به علم انه طاهر). اهـ
ومما يشفي النفس ما اورده القاضي عياض المالكي رحمه الله في كتابه الطيب الشفا بتعريف حقوق المصطفى حيث ذكر التبرك باثار النبي واعظامه واكباره فقال (ومن اعظامه واكباره اعظام جميع اسبابه، واكرام مشاهده وامكانه في مكة والمدينة ومعاهده وما لمسه صلى الله عليه وسلم او عرف به) الشفا ج 2 ص 47.
وقال الفقيه المالكي المعروف بتشدده في انكار البدع ابو عبد الله العبدري الفاسي المعروف بابن الحاج المتوفى سنة 737 هـ في كتابه المدخل، في الجزء الاول من طبعة دار الفكر ص 254 وبعدها ما نصه:
(فان كان الميت المزار ممن ترجى بركته فيتوسل الى الله تعالى به، وكذلك يتوسل الزائر بمن يراه الميت ممن ترجى بركته الى النبي صلى الله عليه وسلم، بل يبدأ بالتوسل الى الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم، اذ هو العمدة في التوسل والاصل في هذا كله والمشرع له فيتوسل به صلى الله عليه وسلم وبمن تبعه باحسان الى يوم الدين، وقد روى البخاري عن انس رضي الله عنه ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان اذا قحطوا استسقى بالعباس فقال اللهم انا كنا نتوسل اليك بنبيك صلى الله عليه وسلم فتسقينا ونحن نتوسل اليك بعم نبيك فاسقنا فيسقون. ثم يتوسل (الشخص) باهل تلك المقابر، اعني بالصالحين منهم في قضاء حوائجه ومغفرة ذنوبه، ثم يدعو لنفسه ولوالديه ولمشايخه ولأقاربه ولاهل تلك المقابر ولاموات المسلمين ولاحيائهم وذريتهم الى يوم الدين ولمن غاب عنه من اخوانه ويجار الى الله تعالى بالدعاء عندهم ويكثر التوسل بهم الى الله تعالى لانه سبحانه وتعالى اجتباهم وشرفهم وكرمهم فكما نفع بهم في الدنيا ففي الاخرة اكثر.
فمن اراد حاجة فليذهب اليهم ويتوسل بهم فانهم الوساطة (اي هم سبب لحصول الخير باذن الله) بين الله تعالى وخلقه، وقد تقرر في الشرع وعلم ما لله تعالى بهم من الاعتناء، وذلك كثير مشهور، وما زال الناس من العلماء والاكابر كابرا عن كابر مشرقة ومغربا يتبركون بزيارة قبورهم ويجدون بركة ذلك حسا ومعنى، وقد ذكر الشيخ الامام ابو عبد الله بن النعمان رحمه الله في كتابه المسمى بسفينة النجاء لاهل الالتجاء في كرامات الشيخ ابي النجاء في اثناء كلامه على ذلك ما هذا لفظه: تحقق لذوي البصائر والاعتبار ان زيارة قبور الصالحين محبوبة لاجل التبرك مع الاعتبار (بالموت)، فان بركة الصالحين جارية بعد مماتهم كما كانت في حياتهم، والدعاء عند قبور الصالحين، والتشفع بهم معمول به عند علمائنا المحققين من ائمة الدين). اهـ
قال الامام النووي عقب حديث الاستشفاء بجبّة رسول الله صلى الله عليه وسلم (وفي هذا الحديث دليل على استحباب التبرك باثار الصالحين وثيابهم) (8).
وقال (قوله فخرج بلال بوضوء فمن نائل بعد ذلك وناضح تبركا باثاره صلى الله عليه وسلم، وقد جاء مبينا في الحديث الاخر فرأيت الناس يأخذون من فضل وضوءه، ففيه التبرك باثار الصالحين واستعمال فضل طهورهم وطعامهم وشرابهم ولباسهم) (9).
وقال كذلك الامام النووي وفي هذا الحديث فوائد (منها تحنيك المولود عند ولادته وهو سنة بالاجماع كما سبق ومنها ان يحنكه صالح من رجل او امرأة. ومنها التبرك باثار الصالحين وريقهم وكل شيء منهم) (10).
وقال (اما احكام الباب ففيه استحباب تحنيك المولود، وفيه التبرك باهل الصلاح والفضل، وفيه استحباب حمل الاطفال الى اهل الفضل للتبرك بهم، وسواء في هذا الاستحباب المولود في حال ولادته وبعدها) (11).
وقال في باب قربه صلى الله عليه وسلم من الناس وتبركهم به وتواضعه لهم (وفيه التبرك باثار الصالحين وبيان ما كانت الصحابة عليه من التبرك باثاره صلى الله عليه وسلم وتبركهم بادخال يده الكريمة في الانية وتبركهم بشعره الكريم واكرامهم ايه ان يقع شيء منه الا في يد رجل سبق اليه) (12).
قال ابن حجر عقب حديث صلاته صلى الله عليه وسلم لعتبان ابن مالك في بيته ليتخذ هذا الموضع مصلى له (وفيه التبرك بالمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم او وطئها، ويستفاد منه ان من دعي من الصالحين ليتبرك به انه يجيب اذا امن الفتنة) (13).
قال الحافظ عقب حديث الرجل الذي طلب البردة من النبي صلى الله عليه وسلم ولامه اصحابه على ذلك (وفيه جواز استحسانا لانسان ما يراه على غيره من الملابس وغيرها اما ليعرفه قدرها واما ليعرض له بطلبه منه حيث يسوغ له ذلك، وفيه مشروعية الانكار عند مخالفة الادب ظاهرا وان لم يبلغ المنكر درجة التحريم، وفيه التبرك باثار الصالحين) (14).
وقال (قيل الحكمة في تأخير الازار معه الى ان يفرغ من الغسل ولم يناولهن ايه اولا ليكون قريب العهد من جسده الكريم، حتى لا يكون بين انتقاله من جسده الى جسدها فاصل، وهو اصل في التبرك باثار الصالحين وفيه جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل، وسياتي الكلام عليه في باب مفرد) (15).
وقال الحافظ في حديث اللديغ (وفي الحديث التبرك بالرجل الصالح وسائر اعضائه وخصوصا اليد اليمنى) (16).
وقال في حديث اخر (وفيه استعمال آثار الصالحين ولباس ملابسهم على جهة التبرك والتيمن بها (17).
وقد بوب الحافظ ابن حبان في صحيحه بابا بعنوان (باب ذكر ما يستحب للمرء التبرك بالصالحين واشباههم) واورد تحته حديث اخبرنا احمد بن علي بن المثنى، قال حدثنا ابو كريب، قال حدثنا ابو اسامة، عن بريد بن عبد الله، عن ابي بردة عن ابي موسى قال كنت عند رسول الله، نازلا بالجعرانة، بين مكة والمدينة، ومعه بلال، فاتى رسول الله، رجل اعربي، فقال الا تنجز لي يا محمد ما وعدتني؟ فقال له رسول الله (ابشر).
فقال له الاعرابي لقد اكثرت علي من البشري، قال: فأقبل رسول الله، على ابي موسى وبلال كهية الغضبان،
فقال (ان هذا قد رد البشري، فاقبلا انتما).
فقالا قبلنا يا رسول الله.
قال فدعا رسول الله، بقدح فيه ماء ثم قال لهما (اشربا منه، وافرغا على وجوهكما او نحوركما) فأخذا القدح ففعلوا ما امرهما به رسول الله، فنادتنا ام سلمة من وراء الستر، ان افضلا لامكما في انايكما، فافضلا لها منه طائفة) (18).
مما يشير الى انهم كانوا يستدلون باحاديث التبرك باثار النبي صلى الله عليه وسلم على جواز التبرك بالصالحين، وقد ورد عن الامام احمد بن حنبل انه تبرك بجبة يحيى بن يحيى نقل ذلك ابن مفلح، حيث قال قال المروذي في كتاب الورع (سمعت ابي عبد الله يقول قد كان يحيى بن يحيى اوصى لي بجبته فجاءني بها ابنه فقال لي فقلت رجل صالح قد اطاع الله فيها اتبرك بها) (19).
اما عن مسألة التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم وآثاره بعد وفاته، فلم يفرق المسلمون بين التبرك به صلى الله عليه وسلم وباثاره الشريف قبل وفاته وبعدها، فثبت عن كثير من الصحابة والسلف التبرك باثاره بعد وفاته.
حينما حضرت عمر بن العزيز الوفاة، دعا بشعر من شعر النبي صلى الله عليه وسلم واظفار من اظفاره وقال (اذا مت فخذوا الشعر والاظفار ثم اجعلوه في كفني) (20).
عن سهل في حديث المرأة التي للنبي صلى الله عليه وسلم اعوذ بالله منك وهي لا تعرفه وفيه (فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ حتى جلس في سقيفة بني ساعدة هو واصحابه، ثم قال اسقنا لسهل قال فأخرجت لهم هذا القدح، فاسقيتهم فيه، قال ابو حازم فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا فيه، قال ثم استوهبه بعد ذلك عمر بن عبد العزيز فوهبه له) (21).
قال النووي عقب هذا الحديث (هذا فيه التبرك باثار النبي صلى الله عليه وسلم وما مسه او لبسه او كان منه فيه سبب، وهذا نحو ما اجمعوا عليه واطبق السلف والخلف عليه من التبرك بالصلاة في مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الروضة الكريمة، ودخول الغار الذي دخله صلى الله عليه وسلم وغير ذلك، من هذا اعطاؤه صلى الله عليه وسلم ابي طلحة شعره ليقسمه بين الناس، واعطاؤه صلى الله عليه وسلم حقوة لتكفن فيه بنته رضي الله عنها، وجعله الجريدتين على القبرين، وجمعت بنت ملحان عرقه صلى الله عليه وسلم، وتمسحوا بوضوءه صلى الله عليه وسلم، ودلكوا وجوههم بنخامته صلى الله عليه وسلم، واشباه هذه كثيرة مشهورة في الصحيح، وكل ذلك واضح لا شك فيه) (22).
عن أسماء بنت ابي بكر رضي الله عنهما (انها اخرجت الى جبة طيالسة كسروانية لها لبنة ديباج وفرجيها مكفوفين بالديباج فقالت هذه كانت عند عائشة حتى قبضت فلما قبضت قبضتها وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها) (23).
عن سهل بن سعد قال (جات امرأة الى النبي صلى الله عليه وسلم ببردة، فقال سهل للقوم اتدرون ما البردة؟ فقال القوم هي شملة، فقال سهل هي شملة منسوجة فيها حاشيتها، فقالت يا رسول الله اكسر هذه فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجا اليها، فلبسها، فرآها عليه رجل من الصحابة، فقال يا رسول الله، ما احسن هذه، فاكسنيها، فقال نعم، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم لامه أصحابه، قالوا ما أحسنت حين رأيت النبي صلى الله عليه وسلم أخذها محتاجا إليها ثم سألته إياها، وقد عرفت أنه لا يسأل شيئا فيمنعه، فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي صلى الله عليه وسلم لعلي أكفن فيها) (24).
وهو لا يعلم إذا كان موته قبل انتقال النبي صلى الله عليه وسلم أو بعده، ولم ينكر عليه الصحابة الكرام.
قال الذهبي (وقد كان ثابت البناني إذا رأى أنس بن مالك أخذ يده فقبلها ويقول يد مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقول نحن إذ فاتنا ذلك حجر معظم بمنـزلة يمين الله في الأرض مسته شفتا رآه صلى الله عليه وسلم لاثما له، فإذا فاتك الحج، وتلقيت الوفد، فالتزم الحاج، وقبل فمه، وقل فم مس بالتقبيل حجرا قبله خليلي صلى الله عليه وسلم) (25).
وقال الذهبي أيضا (وقد سئل أحمد بن حنبل عن مس القبر النبوي وتقبيله فلم ير بذلك بأسًا، رواه عنه ولده عبد الله بن أحمد).
فإن قيل فهلا فعل ذلك الصحابة ؟ قيل لأنهم عاينوه حيا، وتملوا به، وقبلوا يده، وكادوا يقتتلون على وضوءه، واقتسموا شعره المطهر يوم الحج الأكبر، وكان إذا تختم لا تكاد نخامته تقع إلا في يد رجل فيدلك بها وجهه، ونحن فلما لم يصح لنا مثل هذا النصيب الأوفر ترامينا على قبره بالالتزام والتبجيل والاستلام والتقبيل (26).
علم مما ذكر من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والنقل عن الأئمة الأعلام من أئمة أهل السنة والجماعة، يتأكد لنا جواز التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته، ولا فرق في ذلك بين حياته ووفاته، وكذلك جواز التبرك بآثار الصالحين لا فرق في ذلك بين حياتهم ومماتهم، والله تعالى أعلى وأعلم.
([1]) رواه البخاري في صحيحه 1/81
([2]) أخرجه البخاري في صحيحه 1/147 واللفظ له، ومسلم في صحيحه 1/360
([3]) رواه مسلم في صحيحه 1/237 طـ الحلبي
([4]) أخرجه البخاري في صحيحه 3/1422، ومسلم في صحيحه 3/1691 واللفظ له
([5]) أخرجه الحاكم في المستدرك 3/638، والدارقطني في سننه 1/228 واللفظ له، وذكره السيوطي في الخصائص الكبرى الخصائص الكبرى 1/171، وأبونعيم في حلية الأولياء 1/330
([6]) رواه الطبراني في الكبير 24/341، وأبو نعيم في حلية الأولياء 2/70=
([8]) شرح النووي على صحيح مسلم 14/44 .
([9]) شرح النووي على صحيح مسلم 14/44 .
([10]) شرح النووي على صحيح مسلم 14/124 .
([11]) شرح النووي على صحيح مسلم 14/194 .
([12]) شرح النووي على صحيح مسلم 15/82 .
([13]) شرح النووي على صحيح مسلم 4/219.
([14]) فتح الباري 3/144 .
([15]) فتح الباري 3/129 .
([16]) فتح الباري 10/198 .
([17]) فتح الباري 10/198 .
([18]) صحيح ابن حبان 2/317 .
([19]) الآداب الشرعية لابن مفلح 2/235.
([20]) الطبقات: 5/406، ترجمة عمر بن عبدالعزيز.
([21]) رواه الترمذي في سننه 4/306، وابن ماجه في سننه 2/1132.
([22]) شرح النووي على صحيح مسلم 13/178 -179 ط دار إحياء التراث العربي.
([23]) رواه مسلم في صحيحه 3/1641.
([24]) أخرجه البخاري في صحيحه 5/2245.
([25]) سير أعلام النبلاء 4/43.
([26]) معجم الشيوخ، للذهبي 1/73 ، 74.