الأحد مارس 1, 2026

 الانتحار، ما حكمُهُ؟ 

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين والصلاةُ والسلامُ على سيِّدِنا محمّدٍ أشرفِ النَّبيِّينَ والمُرسلين وعلى جميعِ إخوانِهِ منَ النَّبيِّينَ والمُرسلين، وسلامُ اللهِ عليهم أجمعين وعلى جميعِ عبادِ اللهِ الصالحين.

أمّا بعد، فإنَّ اللهَ سبحانَهُ وتعالى تفضَّلَ علينا بِنِعَمٍ كثيرة لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى كما قالَ سبحانَهُ وتعالى في القرآنِ الكريم: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}، وقالَ جلَّ جلالُهُ: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} وقالَ تباركَ وتعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}. ومِنْ هذه النِّعَم العظيمة نِعمة الحياة.

اللهُ تعالى هو الذي يخلُقُ الحياةَ ويخلُقُ الموت. فهو الذي أوْجَدَنا بعدَ أنْ كنّا مَعْدومينَ بقُدْرَتِهِ سبْحانَهُ، وهو الذي أوْجَدَنا وتفضّلَ علينا بنِعْمةِ الوجود.

والحياةُ والموتُ لا تصَرُّفَ لنا فيهِما لأنَّ اللهَ تعالى هو المُتَصَرِّفُ في ذلك وهو الذي يفعلُ ما يريدُ.

ومِنْ نِعَمِ اللهِ تعالى على العبدِ أنْ رزَقَهُ اللهُ تعالى الصحة والعافية كما قالَ صلى الله عليه وسلم: “نِعْمَتانِ مَغْبونٌ فيهما كثيرٌ منَ الناسِ الصحةُ والفراغ”.

وهنا لنا نصيحة نُوَجِّهُها لِمَنْ آمَنَ باللهِ ورسولِه صلى الله عليه وسلم، لِمَنِ اعتقَدَ وعرَفَ وآمَنَ وصدَّقَ بوجودِ اللهِ تعالى وبوجودِ النَّبيِّ المصطفى صلى الله عليه وسلم وبالقرآنِ العظيم. وهذه النّصيحة هيَ أنْ يعرِفَ هذا المؤمن أنَّ المُحَرَّمات منها كبائِر ومنها صغائِر. فأكبرُ المُحَرَّماتِ على الإطلاقِ الكفر بأنواعِهِ كمسَبّةِ اللهِ ومسَبّةِ نبيٍّ منْ أنبياءِ اللهِ أو ملَكًا منَ الملائكةِ أو القرآن أو الصلاة أو الصيام أو الجنّة أو الكعبةِ أو تشبيهُ اللهِ بخَلْقِهِ أو اعتقاد أنَّ اللهَ جسمٌ وجسدٌ أو شكلٌ أوْ صورةٌ أوْ يسكُنُ السماء، أو أنَّ اللهَ يتَغيَّر أو أنَّ اللهَ عاجزٌ أو مشيئَتُهُ تتغيّر. كذلك الإشراك بالله، الكفرُ باللهِ هذا أكبرُ الكبائرِ على الإطلاق. بعدَ ذلك يأتي قتلُ النّفسِ التي حرَّمَ اللهُ إلَّا بالحقِّ.

فأكبرُ الكبائرِ بعدَ الكفرِ قتلُ النّفسِ التي حرَّمَ اللهُ إلَّا بالحق. وهذه الكبيرة مَنْ فعَلَها منَ المؤمنين وماتَ كانَ مُسْتَحِقًّا لعذابِ اللهِ في جهنّم، عرَّضَ نفسَهُ لغَضبِ الله لسَخَطِ اللهِ تعالى.

هذا الإنسان الذي يُقْدِمُ على ارتِكابِ هذه الجريمة، هذه الفاحشة، هذا المُنكر هذا الظلم هذا العُدوان، لِيَعرِفْ أنّهُ بذلكَ يُعَرّض نفسَهُ لغضبِ اللهِ وهو ضعيفٌ لا قِبَلَ لهُ بعذابِ الله، ولا طاقةَ لهُ بعذابِ الله لا في القبرِ ولا في مواقفِ القيامةِ ولا في جهنّم. اللهُ تكرَّمَ عليكَ خلَقَكَ أوْجَدَكَ أعطاكَ الحياة أعطاكَ الصحةَ أعطاكَ العافية، أعطاكَ نِعْمَةَ السَّمعِ والبصرِ والكلام، أعطاكَ الأولاد أعطاكَ المال، فلماذا تُقْدِم على هذه الجريمة وتقع في هذا الذنبِ العظيم فتَكُنْ والعِياذُ باللهِ منَ الهالِكين!! إذًا هذه أكبرُ الكبائرِ بعدَ الكفرِ والعياذُ باللهِ تعالى.

ولكنْ مَن انْتَحرَ مَنْ قتلَ نفسَهُ بأنْ أطلَقَ الرصاصَ على نفسِهِ بإطلاق النار أوْ بشُربِ السُّمِّ أو بالترَدّي أو بالغرقِ، أوْ بِما شابَهَ إنْ كانَ يعتقدُ تحريمَ هذا الفعلِ ولمْ يَسْتَحْسِنهُ فهذا لا يكونُ كافرًا. يعني لا يُخَلّدُ في جهنم، بلْ هو تحتَ مشيئةِ اللهِ قدْ يعفو عنه ويغفر لهُ، يرحَمُهُ ويُدْخِلُهُ الجنةَ بلا عذاب لأنّهُ ماتَ على الإسلام. قدْ يعفو عنهُ ولا يُعَذِّبُهُ بالمرّة وقدْ يُعَذِّبُهُ، وإنْ عُذّبَ فعذابُهُ عظيمٌ. يعني قدْ يدخلُ النار. إذًا لأنّهُ ماتَ على الإسلامِ ولمْ يَسْتَحِل هذا الانتحار لا يكونُ خارجًا منَ الإسلام، مصيرُهُ ومآلُهُ في النهاية إلى الجنة، لماذا؟ لأنّهُ لمْ يُشْرِكْ بربِّهِ، لمْ يكفر (لم يقع في الكفر) ولا كذّبَ القرآن ولا كذّبَ الشريعةَ ولا كذّبَ الإسلام، لمْ يسْتَحِل هذا الانتحار إنّما كانَ يعْتَقِدُهُ حرامًا وفعلَهُ.

ومنَ الدليلِ على ذلك هذه الآية: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ}. هذا الإنسان لمْ يَرْتَكِبْ إشراكًا إذًا هو تحتَ المشيئة، {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ} ومنَ الدليلِ على ذلك أيضًا (أي أنّهُ لا يكونُ كافرًا) الحديث الصحيح الذي رواهُ مسلم النبيُّ صلى الله عليه وسلم قال في دعائِهِ لصَحابيٍّ انتحر قطعَ عروقَهُ فنزَفَ دمُهُ إلى أنْ ماتَ قال عليه الصلاة والسلام: “اللهمَّ وليَدَيْهِ فاغْفِر”، وفي بعضِ الروايات أنّهُ ثلّثَ لهُ الدعاء يعني أكّدَ في المرةِ الأولى والثانية والثالثة وهو يقولُ “اللهُمَّ وليَدَيْهِ فاغْفِر اللهُمَّ وليَدَيْهِ فاغْفِرْ اللهُمَّ وليَدَيْهِ فاغْفِرْ”، وهذا تأكيدٌ منهُ صلى الله عليه وسلم على أنَّ هذا المُنْتَحر مسلمٌ مؤمنٌ لا يكونُ كافرًا بذلك الفِعلِ. والرسولُ صلى الله عليه وسلم لا يدعو بالمغفرةِ لِمَنْ ماتَ على الكفرِ. إذًا هذا المُنتحِر لا يكونُ كافرًا إنّما هو مسلمٌ مُرتَكِبٌ لأكبرِ الكبائرِ بعدَ الكفر. والإجماعُ قائمٌ على ذلك. هذا الإمامُ الطحاويُّ رحمَهُ اللهُ والذي انْعَقَدَ الإجماعَ على ما في رسالتهِ العقيدةِ الطحاوية يقولُ فيها “ولا نُكَفِّرُ مسلمًا بذَنبٍ ما لمْ يَسْتَحِلَّهُ” فهذا الإنسان لمْ يَسْتَحِلّ الانتحار. إنّما متى يكونُ هذا المُنتحِرُ كافرًا؟ في بعضِ الحالاتِ، يعني إنِ اسْتحَلَّ الانتحار أوْ اسْتَحْسَنَهُ أو انتحرَ اعتراضًا على الله. كيفَ يعني؟ يكونُ هذا الإنسان ابْتُلِيَ بمرضٍ أوْ بفقرٍ أو بجوعٍ أو بفضيحة أو ببَليّة فلمْ يصبِرْ، يعني تسَخّطَ على ربِّهِ لأنّهُ ابْتَلاهُ اعترضَ على اللهِ فقتلَ نفسَهُ اعتراضًا على اللهِ، هذا يكونُ خارجًا منَ الإسلامِ لأنَّ الاعتراضَ على اللهِ تعالى طريق إبليس والكافرين كما قال ربُّنا في القرآنِ في سورةِ البقرة: {إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}.

فالذي يُصابُ بالفقرِ أو بالمجاعةِ أو بالأمراضِ أوْ بشدّةٍ أو بحربٍ أو ببَلاءٍ فلَمْ يصْبِرْ تسخَّطَ على ربِّهِ كيفَ ابْتَلاهُ هذا البلاء فانتَحَرَ اعْتِراضًا على اللهِ، هذا يكونُ على طريقةِ إبليس، يعني خارجًا من الإِسْلَام وعنِ الإسلام، فيكونُ ليسَ منَ المسلمين صارَ منَ الكافرين. في هذه الحالة يكونُ المُنتحِر منَ الكافرين. يعني إذا قتلَ نفسَهُ، انتحرَ مُسْتَحِلًّا أوْ مُسْتَحْسِنًا أو مُعْتَرِضًا على الله.

وأمّا ما وردَ في بعضِ الأحاديثِ مِنْ أنّهُ صلى الله عليه وسلم لمْ يُصَلِّ على المُنتحر وإنّما قال للصحابةِ أنتم صلّوا عليه، لماذا؟ قال العلماء لأنَّ الإمامَ لا يُصلّي على المُنتحِرِ تَنْفِيرًا للناسِ مِنْ مِثلِ فعلِهِ، ليسَ لأنّهُ ماتَ على الكفر لأنّهُ لوْ ماتَ على الكفرِ الرسولُ لا يأذنُ للصحابةِ في الصلاةِ عليهِ ولا يأمُرُهُمْ أنْ يُصَلّوا عليه وإنّما لمْ يُصلِّ عليه هو تَنْفيرًا للناسِ عنْ مِثلِ هذا الفعلِ ورَدْعًا وزَجْرًا عن ارتِكابِ هذه الجريمة التي هي الانتحار.

كذلك ما وردَ في بعضِ الأحاديثِ أنَّ مَنْ قتلَ نفسَهُ بحَديدةٍ أو شرِبَ السُّمّ أو ترَدّى منْ مكانٍ مُرتفِعٍ وماتَ بذلك يفعلُ ذلك بنفسِهِ إلى أبدِ الآبِدينَ في جهنّم، هذا معناهُ إنْ فعلَ ذلك مُسْتَحِلًّا أو مُعْترِضًا على الله فيكونُ منَ الكافرين فيُخَلَّد في جهنم.

وقالَ بعض العلماء هذا الخُلود الوارد في هذا الحديثِ إنّما هو خلودٌ نسْبيٌّ، يعني إلى وقتٍ وليسَ إلى أبدِ الآبِدين، لماذا؟ لأنهُ لمْ يَسْتَحلّ ولمْ يسْتَحْسِنْ ولمْ يعترِضْ على الله، فيكون خلودُهُ في جهنّم خلودًا نسْبيًّا كما يقالُ للملِكِ “خلَّدَ اللهُ ملْكَكَ” ما معنى خلّدَ اللهُ مُلْكَكَ؟ أيْ إلى زمَنٍ إلى مدةٍ، هذا معناهُ وليسَ معناهُ أنّهُ يكونُ من الكافرين المُخَلّدينَ في جهنم، لا، إنّما في الحالات التي ذكَرْناها وهي اسْتِحسان الانتحار أوْ إباحة الانتحار أو الانتحار إعتراضًا على الله في هذه الحالات يكون خارجًا منَ الإسلامِ يُخَلَّد في جهنّم إلى أبدِ الآبِدينَ لا يخرُجُ منها ولا يرْحَمُهُ اللهُ في الآخرة ولا يشْفَعُ لهُ شافع.

هذه النصيحة لِمَنْ آمَنَ باللهِ وآمَنَ برسولِ اللهِ وآمنَ بالقيامةِ وصدّقَ بالرسُلِ وصدّقَ بالقرآنِ، وأمّا للذي لمْ يؤمنْ باللهِ فنقولُ لهُ أنتَ بهذا الانتحار تدلُّ على أنّكَ جبانٌ وعلى أنّكَ لا تقدِر أنْ تتحمّلَ الصِّعاب، وتدلُّ أيضًا بهذا الفعلِ على أنّكَ لستَ منْ أهلِ العَزيمةِ لخِدمةِ أهلِكَ ولِخِدمةِ المُجتمع.

فإذًا الانتحار والإقدام على الانتحار ليسَ حلًّا للمشاكل، الانتحار والإقدام على الانتحار ليس فيه شفاء من الأمراضِ ليسَ فيه الغِنى منَ الفَقرِ ليسَ فيه دَفعًا للحروبِ ليس فيه تفريجًا للكروب. إذًا لماذا يُقْدِمُ الإنسان على الانتحار؟ لأنهُ ضعيفٌ لأنّهُ جبانٌ يريدُ لأهلِهِ أنْ يضيعوا، يريدُ أنْ يُحرِقَ قلوبَ الأحبّة والأهل والأولاد والأم والأب والإخوة والأخَوات والأصحاب. إذًا هذا الفعل ليسَ هو الحلّ.

 

ثمَّ الذين يُقْدِمونَ على الانتحار ماذا يفعلون؟ يُهْلِكونَ أنفُسَهُمْ يصيرونَ مُسْتَحِقّينَ لعذابِ الله. إنْ كانَ مسلمًا صارَ مُسْتَحِقًّا لعذابِ الله، وإنْ كانَ منْ غيرِ المسلمين معَ عذابِهِ على كفرِهِ صارَ مسْتَحِقًّا للعذابِ على الانتحار أيضًا، يعني يُضاعَفْ لهُ العذاب والعياذُ باللهِ تعالى.

إذًا ما هو الحلّ؟ الصبر، ما هو الحلّ؟ قوة العزيمةِ والإرادة والثّبات والتّحَمّل والإقدام في البحثِ عنِ العمل في طلبِ الرزق في التخفيفِ عن الأهل. وأسبابُ الرزقِ كثيرة وواسعة.

لذلك فلْيُنْتَبَهْ ولْيُحْذَرْ منْ هذه الجريمة التي تنتشر والتي يُرَوِّج لها السُّفهاء، والتي يُرَوّج لها بِمَنْ يُسَمّوْنَ عُبَّاد الشيطان.

فانتبِهوا واحذَروا منْ هذه الجريمة فهي مُفَرِّقةٌ للأحبّةِ مُمَزِّقةٌ للأُسَرِ والعائلات مُدَمِّرةٌ للمُجْتَمَعات ليست هي الحلّ، بلْ الحلّ باتِّباعِ الإسلام، الحلّ بالتّوكلِ على الله، الحلّ بثِقةِ القلبِ باللهِ، الحلّ بالصبر. فالصبرُ يوصِلُ إلى النّجاةِ إلى الأمنِ والأمان.

هذا والحمدُ للهِ ربِّ العالمين