الخميس فبراير 12, 2026

الإرادة

اعلم أن الإرادة وهي المشيئة واجبة لله تعالى، وهي صفة أزلية أبدية يُخصِّص الله بها الجائز العقلي بالوجود بدل العدم وبصفة دون صفة وبوقت دون وقت.

وبرهان وجوب الإرادة لله أنه لو لم يكن مريدًا لم يوجد شىء من هذا العالم لأنَّ العالم ممكن الوجود فوجوده ليس واجبًا لذاته عقلًا، والعالم موجود، فعلمنا أنه ما وُجد إلا بتخصيص لوجوده وترجيح له على عدمه، فثبت أن الله تعالى مريد شاءٍ. ولا يجوز عقلًا عدم شمول إرادة الله لبعض الممكنات. ثم الإرادة تابعة للعلم فما عَلِمَ الله وقوعه فقد أراد وقوعه، وكل ما عَلِمَ الله عدم وقوعه لم يرد وقوعه أي لم يشأ [(393)].
ثم الإرادة بمعنى المشيئة عند أهل الحق شاملة لأعمال العباد جميعها الخير منها والشر. فكل ما دخل في الوجود من أعمال الشر من كفر أو معاص فبمشيئة الله وقع وحصل، وهذا كمالٌ في حق الله تعالى لأن شمول القدرة والمشيئة لائق بجلال الله فلو كان يقع في ملكه ما لا يشاء لكان ذلك منافيًا للألوهية لأنه لو كان يقع في مُلكه ما لا يشاء لكان ذلك دليلَ العجز والعجزُ مستحيل على الله وليست المشيئة تابعة للأمر بدليل أن الله تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده إسماعيل ولكنه لم يشأ ذبحه. فإن قيل كيف يأمر بما لم يشأ وقوعه، قلنا قد يأمر بما لم يشأ كما أنه عَلم بوقوع شىء من العبد ونهاه عن فعله. والدليل على عموم مشيئته تعالى لكل ممكن أنه لو كانت مشيئته قاصرة لكان ذلك نقصًا والنقص على الله محال فثبت المطلوب وهو عموم مشيئته تعالى لكل الجائزات العقلية كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علَّم بعض بناته أن تقول: «ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن» [(394)].
وخالف في ذلك المعتزلة ومتأخرو الرافضة قالوا ما أمر به فقد شاءه وإن لم يقع، وما لم يأمر به لم يشأ وقوعه وإن وقع. فقولهم هذا يؤدي إلى نسبة العجز إلى الله حيث إنهم حكموا أنه يجري في ملكه ما لا يشاء، فقد جعلوا الله متحسرًا متندمًا.
ـ[393] رواه الترمذي في سننه: كتاب الدعوات: باب إن لله تسعة وتسعين اسمًا.

ـ[394] إشارات المرام (ص/136).