قال الألباني في كتابه المسمى «تحذير الساجد» ما نصه([1]): «قوله (تبلغني) هذا الحديث وغيره مما تقدم صريح في أنه عليه الصلاة والسلام لا يسمع صلاة المصلين عليه، فمن زعم أن النبي يسمعها فقد كذب عليه، فكيف حال من يزعم أنه يسمع غيرها؟!».اهـ.
الرد:
لا مانع شرعا ولا عقلا من أن يسمع النبي كلام من يصلي عليه وهو في القبر، فالنبي حي ح الله بعد موته، كما ثبت من حديث أنس عن رسول الله أنه قال: «الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون» صححه البيهقي في جزء حياة الأنبياء([2])، وأورده الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»([3]) على أنه ثابت، وذلك لما التزمه أن ما يذكره من الأحاديث شرحا أو تتمة لحديث في متن البخاري فهو صحيح أو حسن، ذكر ذلك في مقدمة الفتح([4])، ولأنه ثبت حديث: «ما من رجل مسلم يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه، إلا عرفه ورد عليه السلام» صححه الحافظ عبد الحق الإشبيلي([5]).
وأما الدليل على صحة سماع الغائب الحي خطاب من يناديه من بعيد فقصة عمر رضي الله عنه في ندائه جيشه الذي بأرض العجم بقوله: يا سارية الجبل الجبل فسمعه سارية بن زنيم، وكان سارية قائد الجيش، فانحاز بجيشه إلى الجبل فانتصروا، صححها الحافظ الدمياطي في جزء ألفه لهذه القصة، ووافقه الحافظ السيوطي على ذلك، وحسنها الحافظ ابن حجر في «الإصابة»([6]) وأوردها الحافظ الزبيدي في «شرح القاموس»([7])، وقد أفرد القطب الحلبي لطرقه جزءا، ووثق رجال هذه الطرق([8]).
ومن الدليل على صحة سماع الغائب نداء البعيد ما رواه الفاكهي أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قام إبراهيم على الحجر فقال: يا أيها الناس كتب عليكم الحج فأسمع من في أصلاب الآباء وأرحام النساء، فأجابه من ءامن ومن كان سبق في علم الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك»، صححه الحافظ ابن حجر([9]).
وهذا الذي ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما مما لا يقال بالرأي بل يقال بالتوقيف، وهو مما عرف وانتشر عند المفسرين لمعنى قول الله تعالى: {وأذن في الناس بالحج} [سورة الحج: 27]، فما ابعد عن الحق من يقول من هؤلاء نفاة التوسل عن الأنبياء والأولياء بعد موتهم إنهم كالجماد، وقد بلغ بعضهم في الإفراط والتفريط إلى أن قال: النبي لا ينفع بعد موته، ومنهم من يقول لقاصد زيارة الرسول : ما تفعل بالعظم الرميم، حمانا الله تعالى من صنيع هؤلاء الذين ضل سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، يزعمون أنهم بهذا يكونون أقوى من غيرهم في توحيد الله، وكفاهم خزيا اعتقادهم في الرسول أنه عظم رميم لم يبق له إحساس ولا شعور.
وفي الألفاظ الواردة في السلام على أهل القبور، والتي علمها الرسول لأصحابه، دلالة على سماع اله القبور لسلام الزائرين، وذلك في نحو قول الزائر: «السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر»([10]) أخرجه الترمذي، وما ورد في «صحيح مسلم» بلفظ: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين»([11]) إلى ءاخره، فلولا صحة سماع الميت لم يكن لهذا الخطاب معنى.
ولا حجة في استدلال نفاة التوسل بقول الله تعالى: {وما أنت بمسمع من في القبور} [سورة فاطر: 22] فإنه مؤول لا يحمل على الظاهر توفيقا بينه وبين ما ورد من الأحاديث التي ذكرناها، والمراد به تشبيه الكفار بمن في القبور في عدم انتفاعهم بكلامه وهم أحياء([12]).
ومما يؤيد صحة سماع الموتى ما رواه البخاري([13]) أن رسول الله قام على القليب([14]) – قليب بدر – وفيه قتلى المشركين، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء ءابائهم: «يا فلان ابن فلان ويا فلان ابن فلان»، قال: «فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا([15])». قال فقال عمر: يا رسول الله، ما تكلم من أجساد لا أرواح بها، فقال رسول الله : «والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم». وروى البخاري أيضا عن أنس رضي الله عنه عن النبي([16]) : «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم». فيقال للنفاة: النبي أفهم منكم ومن سائر الخلق بمعاني كتاب الله، فبعد هذا لا يلتفت لكلام الألباني.
وقال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»([17]): «وإذا ثبت أنهم – يعني الأنبياء عليهم السلام – أحياء من حيث النقل، فإنه يقويه من حيث النظر، كون الشهداء أحياء بنص القرءان، والأنبياء أفضل من الشهداء، ومن شواهد الحديث ما أخرجه أبو داود([18]) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه رفعه وقال فيه: «وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» سنده صحيح، وأخرجه أبو الشيخ في كتاب الثواب بسند جيد: «من صلى علي عند قبري سمعته ومن صلى علي نائيا بلغته»».اهـ.
فقوله : «سمعته» صريح في أنه يسمع من يصلي عليه ويدحض مزاعم الألباني ومن وافقه، ثم قوله : «تبلغني» ليس فيه نفي سماع النبي لمن صلى عليه، ولا يعارض قوله عليه الصلاة والسلام: «من صلى علي عند قبري سمعته».
وكذلك يؤيد صحة سماع الموتى للأحياء حديث الطبراني([19]) عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله أن نصنع بموتانا، أمرنا رسول الله فقال: «إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة، فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يستوي قاعدا ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله، ولكن لا تشعرون»، قال الحافظ ابن حجر في «التلخيص الحبير»([20]): «وإسناده صالح، وقد قواه الضياء في أحكامه».اهـ.
وعلى هذا المعتقد كان الصحابة y، يعتقدون أن النبي حي في قبره يسمع، ولذا لـما جاء الصحابي بلال بن الحارث المزني رضي الله عنه إلى قبر رسول الله خاطبه متوسلا ومستغيثا به بقوله: «يا رسول الله، استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا»، ولم ينكر عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولا غيره، فلولا أنه كان يعتقد سماع نداء من يناديه ما كان خاطبه بهذا الخطاب، ولا كان خليفة رسول الله سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أقره على ذلك، وهذا الأثر إسناده صحيح كما قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»([21])، وابن كثير في «البداية والنهاية»([22]).
[1]() الألباني، الكتاب المسمى تحذير الساجد (ص97).
[2]() البيهقي، حياة الأنبياء بعد وفاتهم (رقم15).
[3]() ابن حجر العسقلاني، فتح الباري (6/487).
[4]() ابن حجر العسقلاني، هدي الساري مقدمة فتح الباري (ص4).
[5]() محمد مرتضى الزبيدي، إتحاف السادة المتقين (10/365)، والمناوي، فيض القدير (5/487)، وعبد الحق الإشبيلي، العاقبة (ص118).
[6]() ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة (2/2)، ابن الأثير، أسد الغابة (2/244).
[7]() محمد مرتضى الزبيدي، تاج العروس، فصل السين من باب الواو والياء.
[8]() القطب الحلبي، كشف الخفا (2/515).
[9]() ابن حجر العسقلاني، فتح الباري (3/406).
[10]() أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الجنائز، باب: ما يقول الرجل إذا دخل المقابر (3/369).
[11]() أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنائز، باب: ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها (3/63).
[12]() تفسير البغوي (4/523).
[13]() أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي: باب: قتل أبي جهل (4/1461).
[14]() القليب: البئر التي لم تعلو (ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر 4/98).
[15]() هم لم يجيبوه، وإنما سألهم ليزدادوا خزيا.
[16]() أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب: ما جاء في عذاب القبر (4/1461).
[17]() ابن حجر العسقلاني، فتح الباري (6/488).
[18]() أخرجه أبو داود في سننه، كتاب المناسك، باب: زيارة القبور (2/169).
[19]() الطبراني، المعجم الكبير (8/249).
[20]() ابن حجر العسقلاني، التلخيص الحبير (2/135).
[21]() ابن حجر العسقلاني، فتح الباري (2/495).
[22]() ابن كثير، البداية والنهاية (7/74).