الأربعاء يناير 28, 2026
  • الألباني يحرم قراءة القرءان على أموات المسلمين:

قال الألباني في كتابه «أحكام الجنائز» ما نصه([1]): «قول الناس اليوم في بعض البلاد: «الفاتحة على روح فلان» مخالف للسنة المذكورة، فهو بدعة بلا شك، لا سيما والقراءة لا تصل إلى الموتى على القول الصحيح».اهـ. وقال أيضا([2]): «قال ابن تيمية في «الاختيارات العلمية»([3]): والقراءة على الميت بعد موته بدعة».اهـ. وقال أيضا([4]) تحت عنوان «بدع الجنائز»: «حمل المصحف إلى المقبرة والقراءة منه على الميت».اهـ.

الرد:

استدل العلماء على جواز قراءة القرءان للميت المسلم بحديث الطبراني في معجمه الكبير([5]) من طريق مبشر بن إسماعيل حدثني عبد الرحمـٰن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه قال: «قال لي أبي: يا بني إذا أنا مت فألحدني، فإذا وضعتني في لحدي فقل: بسم الله وعلى ملة رسول الله، ثم سن علي الثرى سنا، ثم اقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها، فإني سمعت رسول الله يقول ذلك».اهـ.

وقال البيهقي في سننه([6]): «أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا العباس بن محمد قال: سألت يحيـى بن معين عن القراءة عند القبر؟ فقال: حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي عن عبد الرحمـٰن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه أنه قال لبنيه: «إذا أدخلتموني في قبري فضعوني في اللحد وقولوا: بسم الله وعلى سنة رسول الله ، وسنوا علي التراب سنا واقرؤوا عند رأسي أول البقرة وخاتمتها، فإني رأيت ابن عمر يستحب ذلك».اهـ. حسنه النووي في كتابه «الأذكار» فقال([7]): «وروينا في سنن البيهقي بإسناد حسن أن ابن عمر استحب أن يقرأ على القبر بعد الدفن أول سورة البقرة وخاتمتها».اهـ. وكذلك حسنه الحافظ ابن حجر العسقلاني في «تخريج الأذكار» فقال: «هذا موقوف حسن أخرجه أبو بكر الخلال»، ذكره المحدث ابن علان الصديقي في «شرح الأذكار»([8]).

وقال المحدث عبد الله الغماري في كتابه «الرد المحكم المتين»([9]): «العلاء بن اللجلاج تابعي وأبوه اللجلاج صحابي وليس بين هذه الرواية – يقصد رواية البيهقي – ورواية اللجلاج – يقصد رواية الطبراني – تناقض كما قد يتوهم، لأن اللجلاج روى ما سمعه من النبي كما رواه ابن عمر، والعلاء روى ما سمع ابن عمر يوصي به، وإنما نبهت على هذا مع وضوحه لئلا يدعي جاهل متناطع ضعف الحديث واضطرابه».اهـ.

هذا وقد عقد أبو بكر الخلال في كتابه «الأمر بالمعروف»([10]) بابا خاصا في جواز قراءة القرءان على قبور المسلمين كما هو مذهب الإمام أحمد، وهو حجة على الوهابية الذين يحرمون ذلك، وهم يزعمون أنهم على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وأحمد منهم بريء، قال أبو بكر أحمد بن محمد الخلال ما نصه: «باب القراءة عند القبور:… أنا العباس بن محمد الدوري قال: حدثنا يحيى بن مغيرة قال: حدثنا مبشر الحلبي قال: حدثني عبد الرحمـٰن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه قال: قال أبي: إذا أنا مت فضعني في اللحد وقل: بسم الله وعلى سنة رسول الله ، وسن علي التراب سنا، واقرأ عند رأسي بفاتحة الكتاب وأول البقرة وخاتمتها، فإني سمعت عبد الله بن عمر يقول هذا…

وأخبرني العباس بن محمد بن أحمد بن عبد الكريم قال: حدثني أبو شعيب عبد الله بن الحسين بن أحمد بن شعيب الحراني من كتابه قال: حدثني يحيى بن عبد الله الضحاك البابلتي، حدثنا أبو أيوب بن نهيك الحلبي الزهري، مولى ءال سعيد بن أبي وقاص قال: سمعت عطاء بن أبي رباح المكي قال: سمعت ابن عمر قال: سمعت النبي يقول: «إذا مات أحدكم فلا تجلسوا واسرعوا به إلى قبره، وليقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وعند رجليه بخاتمتها في قبره»([11]).

وأخبرني الحسن بن أحمد الوراق قال: حدثني علي بن موسى الحداد، وكان صدوقا، وكان ابن حماد المقرئ يرشد إليه، فأخبرني قال: كنت مع أحمد بن حنبل ومحمد بن قدامة الجوهري في جنازة، فلما دفن الميت جلس رجل ضرير يقرأ عند القبر، فقال له أحمد: يا هذا، إن القراءة عند القبر بدعة، فلما خرجنا من المقابر قال محمد بن قدامة لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله ما تقول في مبشر الحلبي؟ قال: ثقة، قال: كتبت عنه شيئا؟ قلت: نعم، قال: فأخبرني مبشر عن عبد الرحمـٰن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه أنه أوصى إذا دفن أن يقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها وقال: سمعت ابن عمر يوصي بذلك، فقال أحمد: ارجع فقل للرجل يقرأ.

وأخبرنا أبو بكر بن صدقة قال: سمعت عثمان بن أحمد بن إبراهيم الموصلي قال: كان أبو عبد الله أحمد بن حنبل في جنازة ومعه محمد بن قدامة الجوهري، قال: فلما قبر الميت جعل إنسان يقرأ عنده، فقال أبو عبد الله لرجل: تمر إلى ذلك الرجل الذي يقرأ فقل له: لا تفعل، فلما مضى قال له محمد بن قدامة: مبشر الحلبي كيف هو؟ فذكر القصة بعينها.

أخبرني العباس بن محمد بن أحمد بن عبد العزيز قال: حدثنا جعفر بن محمد بن الحسن النيسابوري عن سلمة بن شبيب قال: أتيت أحمد بن حنبل يصلي خلف ضرير يقرأ على القبور.

أخبرني روح بن الفرج قال: سمعت الحسن بن الصباح الزعفراني يقول: سألت الشافعي عن القراءة عند القبور فقال: لا بأس به.

أخبرني أبو يحيى الناقد قال: حدثنا سفيان بن وكيع([12]) قال: حدثنا حفص عن مجالد عن الشعبي قال: كانت الأنصار إذا مات لهم ميت اختلفوا إلى قبره يقرؤون عنده القرءان. أخبرني إبراهيم بن هاشم البغوي قال: حدثنا عبد الله بن سنان المروزي أبو محمد قال: حدثنا الفضل بن موسى الشيباني عن شريك عن منصور، عن المري، أن إبراهيم قال: لا بأس بقراءة القرءان في المقابر.

أخبرني أبو يحيى الناقد قال: سمعت الحسن الجروي يقول: مررت على قبر أخت لي فقرأت عندها «تبارك»، لما يذكر فيها، فجاءني رجل فقال: إني رأيت أختك في المنام تقول: جزى الله أخي عني خيرا فقد انتفعت بما قرأ.

أخبرني الحسن بن الهيثم قال: كان خطاب يجيئني ويده معقودة ويقول: إذا وردت المقابر فاقرأ «قل هو الله أحد»، واجعل ثوابها لأهل المقابر.

أخبرني الحسن بن الهيثم قال: سمعت أبا بكر الأطروشي ابن بنت أبي نصر التمار يقول: كان رجل صالح يجيء إلى قبر أمه يوم الجمعة فيقرأ سورة «يـٰس»، فجاء في بعض أيامه فقرأ سورة «يـٰس» ثم قال: اللهم إن كنت قسمت لهذه السورة ثوابا فاجعله في أهل هذه المقابر، فلما كان يوم الجمعة التي تليها جاءت امرأة فقالت: إن ابنة لي ماتت فرأيتها في النوم جالسة على شفير قبرها، فقلت لها: ما أجلسك ههنا؟ قالت: إن فلانا ابن فلان جاء إلى قبر أمه فقرأ سورة «يـٰس» وجعل ثوابها لأهل المقابر، فأصابنا من روح [رحمة] ذلك أو غفر لنا أو نحو ذلك».اهـ. كلام أبي بكر الخلال.

وفي كتاب «المقصد الأرشد» ما نصه([13]): «قال محمد بن أحمد الـمرورذي: «سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا دخلتم المقابر فاقرأوا ءاية الكرسي و{قل هو الله أحد} ثلاث مرات، ثم قولوا: اللهم اجعل فضله لأهل المقابر». روى أبو بكر في الشافي قال محمد بن أحمد الـمرورذي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا دخلتم المقابر فاقرأوا فاتحة الكتاب والمعوذتين و{قل هو الله أحد} واجعلوا ثواب ذلك لأهل المقابر، فإنه يصل إليهم».اهـ.

وقال ابن قدامة الحنبلي في كتابه «المغني»([14]): «قال الخلال: حدثني أبو علي الحسن بن الهيثم البزار شيخنا الثقة المأمون قال: رأيت أحمد بن حنبل يصلي خلف ضرير يقرأ على القبور».اهـ.

واستدل أيضا على جواز قراءة القرءان على الميت المسلم بحديث معقل بن يسار أن رسول الله قال: «اقرؤوا يـٰس على موتاكم» رواه الحاكم([15])، وأبو داود([16])، والنسائي([17])، وابن ماجه([18])، وأحمد([19]) وابن حبان([20]). وهذا الحديث مع كونه مختلفا في صحته لا يمنع من العمل به، لا سيما وأن الآثار عن الصحابة والتابعين تعضده، وعلى هذا المذاهب الأربعة.

واستدل العلماء أيضا بحديث البخاري([21]) [واللفظ له] ومسلم([22]) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مر النبي بحائط([23]) من حيطان المدينة أو مكة فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال النبي : «يعذبان، وما يعذبان في كبير» ثم قال: «بلى كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة»، ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين فوضع على كل قبر منهما كسرة، فقيل له: يا رسول الله، لـم فعلت هذا؟ قال: «لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا» أو: «على أن ييبسا».

قال النووي في «شرح صحيح مسلم»([24]): «استحب العلماء قراءة القرءان عند القبر لهذا الحديث، لأنه إذا كان يرجى التخفيف بتسبيح الجريد فتلاوة القرءان أولى».اهـ.

ونص علماء المذاهب الأربعة على جواز القراءة على القبر، قال النووي الشافعي في «المجموع»([25]): «ويستحب أن يقرأ من القرءان ما تيسر ويدعو لهم عقبها، نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب».اهـ. وذكر الشيخ زكريا الأنصاري الشافعي في «شرح روض الطالب»([26]) أن الميت ينتفع بقراءة القرءان على القبر ثم قال: «سواء أعقب القراءة بالدعاء أو جعل أجر قراءته له أم لان فتعود منفعة القراءة إلى الميت في ذلك، ولأن الدعاء يلحقه وهو بعدها أقرب إجابة وأكثر بركة، ولأنه إذا جعل أجره الحاصل بقراءته للميت فهو دعاء بحصول الأجر له فينتفع به، فقول الشافعي إن القراءة لا تصل إليه محمول على غير ذلك».اهـ.

وقال الـمـــرغيناني الحنفي في كتابه «الهداية»([27]): «باب الحج عن الغير: الأصل في هذا الباب أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صوما أو صدقة أو غيرها عند أهل السنة والجماعة».اهـ. ونقله ابن عابدين([28]) ثم قال: «قال الشارح: كتلاوة القرءان والأذكار، عند أهل السنة والجماعة يعني به أصحابنا على الإطلاق».اهـ.

وأما الحنابلة فممن صرح به البهوتي في كتابه «شرح منتهى الإرادات»([29]) حيث قال ممزوجا بالمتن: «(وسن) لزائر ميت فعل (ما يخفف عنه ولو بجعل جريدة رطبة في القبر… (و) لو (بذكر وقراءة عنده)، أي: القبر لخبر الجريدة لأنه إذا رجي التخفيف بتسبيحها فالقراءة أولى… ويؤيده عموم «اقرؤوا يـٰس على موتاكم» (وكل قربة فعلها مسلم وجعل) المسلم (ثوابها لمسلم حي أو ميت حصل) ثوابها (له)».اهـ. وقال ابن قدامة الحنبلي في «المغني»([30]): «فصل، ولا بأس بالقراءة عند القبر».اهـ. وقال أيضا: «فصل: وأي قربة فعلها وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك إن شاء الله، أما الدعاء والاستغفار والصدقة وأداء الواجبات فلا أعلم فيه خلافا إذا كانت الواجبات مما يدخله النيابة».اهـ. ثم قال: «ولنا ما ذكرناه وأنه إجماع المسلمين فإنهم في كل عصر ومصر يجتمعون ويقرؤون القرءان ويهدون ثوابه إلى موتاهم من غير نكير».اهـ.

ومن المالكية قول الشيخ الدسوقي في «حاشيته على الشرح الكبير»([31]): «قال ابن هلال في «نوازله»: الذي أفتى به ابن رشد وذهب إليه غير واحد من أئمتنا الأندلسيين أن الميت ينتفع بقراءة القرءان الكريم، ويصل إليه نفعه، ويحصل له أجره إذا وهب القارئ ثوابه له، وبه جرى عمل المسلمين شرقا وغربا ووقفوا على ذلك أوقافا واستمر عليه الأمر منذ أزمنة سالفة».اهـ.

فالحاصل: أنه لا مانع شرعا من قراءة القرءان على الميت المسلم كما نص على ذلك العلماء، وأن الميت يصله ثواب ذلك إن شاء الله تعالى.

[1])) الألباني، الكتاب المسمى أحكام الجنائز (ص33).

[2])) الألباني، الكتاب المسمى أحكام الجنائز (ص192).

[3])) ابن تيمية، الكتاب المسمى الاختيارات العلمية (1/81).

[4])) الألباني، الكتاب المسمى أحكام الجنائز (ص262).

[5])) الطبراني، المعجم الكبير (19/220)، قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (3/44): «رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون».اهـ.

[6])) البيهقي، السنن الكبرى (4/56).

[7])) النووي، الأذكار (ص173).

[8])) ابن علان، الفتوحات الربانية (2/194).

[9])) عبد الله الغماري، الرد المحكم المتين (ص262، 263).

[10])) أبو بكر الخلال، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ص171 – 176).

[11])) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (12/340) وفيه (فلا تحبسوه) بدل: «فلا تجلسوا» و(ليقرأ عند رأسه بفاتحة الكتاب وعند رجليه بخاتمة البقرة في قبره). وحسن إسناده ابن حجر في فتح الباري (3/184) بعد عزوه للطبراني. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (3/44): «رواه الطبراني في الكبير، وفيه يحيـى بن عبد الله البابلتي، وهو ضعيف».اهـ.

[12])) هو: سفيان بن وكيع بن الجراح ضعيف، قال الحافظ ابن حجر في التقريب (ص291): «كان صدوقا إلا أنه ابتلي بورافة فأدخل عليه ما ليس من حديثه فنصح فلم يقبل فسقط حديثه».

[13])) ابن مفلح، المقصد الأرشد (2/338 – 339).

[14])) ابن قدامة، المغني (2/424).

[15])) الحاكم، المستدرك (1/565) وسكت عليه، وكذا الذهبي بتعليقه في تلخيصه.

[16])) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الجنائز، باب: القراءة عند الميت (3/160).

[17])) النسائي، عمل اليوم والليلة (ص581).

[18])) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الجنائز، باب: ما جاء فيما يقال عند المريض إذا حضر (1/466).

[19])) مسند أحمد (5/26).

[20])) صحيح ابن حبان، كتاب الجنائز، فصل في المحتضر (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان لابن بلبان، 5/3).

[21])) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب: من الكبائر أن لا يستتر من بوله (1/88).

[22])) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب: الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه (1/166).

[23])) أي: بستان.

[24])) النووي، شرح صحيح مسلم (3/202).

[25])) النووي، المجموع شرح المهذب (5/311)، النووي، الأذكار، باب: ما يقوله بعد الدفن (ص173).

[26])) زكريا الأنصاري، أسنى المطالب شرح روض الطالب (2/412).

[27])) المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدى (1/183)ز

[28])) ابن عابدين، شفاء العليل ضمن مجموعة رسائل (1/165)، ابن عابدين، رد المحتار (2/243).

[29])) البهوتي، شرح منتهى الإرادات (1/361 – 362).

[30])) ابن قدامة، المغني (2/424).

[31])) الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (1/423)، محمد عليش، منح الجليل (1/509)، وغيرها من كتب المالكية.