الخميس يناير 29, 2026
          • الألباني يبدع بالسيئة استعمال السبحة للذكر:

          من جملة بدع هذا الرجل المحرمة ادعاؤه أن استعمال السبحة بدعة فيها سيئة بزعمه كونها كادت تقضي على سنة العد بالأصابع للذكر([1]).

          الرد:

          خالف الألباني السلف والخلف، فقد كان العباد الصالحون من السلف الذين يقتدى بهم يستعملون السبحة، كالجنيد بن محمد البغدادي من أهل القرن الثالث، والذي قال فيه ابن تيمية المعروف بشدة عدائه لأهل السنة: «إنه إمام هدى».اهـ. ذكر ذلك في أكثر من كتاب من كتبه([2]).

          ومن الدليل على جواز استعمال السبحة الحديث الذي أخرجه الترمذي([3]) وحسنه وابن حبان وصححه([4]) وحسنه الحافظ ابن حجر في أماليه([5]) أن الرسول دخل مع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه على امرأة في يدها نوى أو حصا تسبح [بها] فقال: «ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا وأفضل: سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا إلـٰه إلا الله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك».

          هذا سياق لفظ الحديث عند ابن حبان، وأما سياق لفظ الحديث الذي رواه الحافظ ابن حجر فهو هكذا: «سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا إلـٰه إلا الله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك».

          فإن قال قائل: إن هذا الحديث ضعيف، لأن أحد رواته مختلف فيه، قيل له: كلامك لا عبرة به بعد تصحيح ابن حبان وتحسين الحافظ ابن حجر له في «الأمالي»، وأنت لست من أهل التصحيح والتضعيف، بينك وبين هذه المرتبة بون([6]) بعيد، فاعرف نفسك أين أنت، فإن الحافظ من الحفاظ قد يصحح أو يحسن حديثا في بعض رواته من هو متكلم فيه لشاهد أو اعتبار، أو لأن ذلك الراوي المختلف فيه ثقة عندهم، لأن كثيرا من الرواة المختلف فيهم يعتبره بعض أهل الجرح والتعديل ثقة، وبعض يعتبره ضعيفا.

          ولحديث سعد شاهد أخرجه الترمذي في سننه([7]) من طريق كنانة مولى صفية رضي الله عنها قال: «سمعت صفية تقول: دخل علي رسول الله وبين يدي أربعة ءالاف نواة أسبح بها، قال: «لقد سبحت بهذه؟» فقال: «ألا أعلمك بأكثر مما سبحت»؟ فقلت: بلى، علمني، فقال: «قولي: سبحان الله عدد خلقه»، حسنه الحافظ ابن حجر في «تخريج الأذكار([8]).

          ونقل ابن علان في «شرح الأذكار»([9]) عن ابن حجر الهيتمي في «شرح المشكاة» عند شرح حديث سعد رضي الله عنه السابق ما نصه: «وهذا أصل صحيح بتجويز السبحة بتقريره – الحصا – فإنه في معناها إذ لا فرق بين المنظومة والمنثورة فيما يعد به، ولا يعد من عدها بدعة».اهـ. ثم علماء الحديث كانوا لا يرون بأسا في استعمال السبحة، لذلك كانوا يستعملونها في ضبط العد في التسبيح، ومن هؤلاء الحفاظ يحيـى بن سعيد القطان، قال الذهبي في «تذكرة الحفاظ»([10]): «قال ابن معين وكان له – أي: يحيـى بن سعيد – سبحة يسبح بها».اهـ. وقال أيضا في كتابه «سير أعلام النبلاء»([11]): «قال ابن معين: وكان يحيـى يجيء معه بمسباح فيدخل يده في ثيابه فيسبح».اهـ. ويحيـى القطان يقول فيه ابن حبان([12]): «كان من سادات أهل زمانه حفظا وورعا وعقلا وفهما وفضلا ودينا وعلما، وهو الذي مهد لأهل العراق رسم الحديث، وأمعن في البحث عن الثقات وترك الضعفاء، ومنه تعلم علم الحديث أحمد بن حنبل ويحيـى بن معين وعلي ابن المديني وسائر شيوخنا».اهـ.

          وكذلك الحافظ ابن حجر كان له سبحة يسبح بها، قال تلميذه الحافظ السخاوي في كتابه «الجواهر والدرر»([13]): «وكان – أي: شيخه الحافظ ابن حجر – إذا جلس مع الجماعة بعد العشاء وغيرها للمذاكرة تكون السبحة داخل كمه بحيث لا يراها أحد، ويستمر يديرها وهو يسبح أو يذكر غالب جلوسه، وربما تسقط من كمه فيتأثر لذلك رغبة في إخفائها».اهـ.

          وقال الحافظ النووي في كتابه «تهذيب الأسماء واللغات»([14]): «والسبحة – بضم السين وإسكان الباء – خرز منظومة يسبح بها معروفة تعتادها أهل الخير مأخوذة من التسبيح».اهـ.

          وللحافظ السيوطي رسالة في جوازها سماها «المنحة في السبحة» جاء فيها([15]): «ولم ينقل عن أحد من السلف ولا من الخلف المنع من جواز عد الذكر بالسبحة؛ بل كان أكثرهم يعدونه بها ولا يرون ذلك مكروها».اهـ.

          فظهر أن الألباني ليس من أهل الحديث ولا يدانيهم في العلم والعمل، إنما هو مجرد صحفي اتخذ لنفسه مذهبا جديدا لا يعرفه أهل الحديث؛ بل أساء فهم عباراتهم فشذ عنهم وحرف كلامهم وأتى بأفكار غريبة عجيبة دخيلة على هذا العلم، فخلط بين مراتب الرواة، والتبس عليه تعريف الحديث الموضوع، وحكم على الحديث الضعيف بالوضع لمجرد مخالفته للسنة الصحيحة، وهذا خروج عن عمل المحدثين واختلط عليه الشديد الضعف من غيره، وتناقضت عباراته، وغير ذلك من أخطائه الفاحشة، تجدها مبينة في كتاب «التعقب الحثيث»، و«نصرة التعقب الحثيث»، كلاهما للشيخ العلامة المحدث الفقيه الشيخ عبد الله الهرري رحمه الله تعالى.

          ثم من المعلوم عند المحدثين أن الضعيف يعمل به في الأذكار والدعوات والمناقب وفضائل الأعمال والتفسير، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني([16])، والسبحة المستعملة اليوم وقبل اليوم في معنى الخيط الذي كان سيدنا أبو هريرة يسبح به وكان فيه ألفا عقدة، ثبت عنه بالإسناد الصحيح، كما قال الحافظ ابن حجر([17]) إنه كان يسبح اثني عشر ألف تسبيحة كل يوم، وكان يقول: أسبح الله بقدر ذنبي. وهذا من تواضع سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه، فلا فرق بين التسبيح بذلك الخيط وبين النوى والحصا، وهذا الألباني شوش على المسلمين بتحريم ما لم يحرم الله.

          [1]() الألباني، الكتاب المسمى سلسلة الأحاديث الضعيفة (1/115).

          [2]() ابن تيمية، شرح حديث النزول (ص123).

          [3]() أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الدعوات، باب: في دعاء النبي r وتعوذه دبر كل صلاة (5/562)، قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب من حديث سعد».اهـ.

          [4]() ابن بلبان، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (2/101).

          [5]() ابن حجر العسقلاني، نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار (1/77).

          [6]() البون: مسافة ما بين الشيئين (الفيروزآبادي، القاموس المحيط (ص1525).

          [7]() أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الدعوات، باب (104) حديث (5/555). قال الترمذي: «هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث صفية إلا من هذا الوجه من حديث هاشم بن سعيد الكوفي، وليس إسناده بمعروف».اهـ.

          [8]() ابن حجر العسقلاني، نتائج الأفكار (1/79).

          [9]() ابن علان، الفتوحات الربانية (1/252).

          [10]() الذهبي، تذكرة الحفاظ (1/299).

          [11]() الذهبي، سير أعلام النبلاء (9/180).

          [12]() ابن حبان، الثقات (7/611).

          [13]() السخاوي، الجواهر والدرر (1/111).

          [14]() النووي، تهذيب الأسماء واللغات (3/143 – 144).

          [15]() السيوطي، المنحة في السبحة (ضمن الحاوي للفتاوى للسيوطي 2/42).

          [16]() ابن حجر العسقلاني، التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير (ص10).

          [17]() ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة (4/209).