(الآيات المحكمات والمتشابهات)
(لفهم هذا الموضوع كما ينبغى يجب معرفة أن القرءان توجد فيه ءايات محكمات) يتضح معناها بمجرد قراءتها (وءايات متشابهات) يرجع لفهمها على وجهها إلى الآيات المحكمات كما (قال تعالى) فى سورة ءال عمران (﴿هو﴾) أى الله (﴿الذى أنزل عليك﴾) أى يا محمد (﴿الكتاب﴾) أى القرءان (﴿منه ءايات محكمات هن أم الكتاب﴾) أى أصل الكتاب وأساسه (﴿وأخر متشابهات﴾) يحتاج إلى ردها إلى الآيات المحكمات لتتضح دلالتها (﴿فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة﴾) أى إيقاعها (﴿وابتغاء تأويله﴾) أى معرفة وقت حصوله على قراءة الوقف على لفظ الجلالة عند قوله إلا الله أو معرفة معناه على قراءة الوقف على لفظ العلم (﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون فى العلم يقولون ءامنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾) فعلى القراءة الأولى يكون المعنى إن القرءان فيه ءايات متشابهات تتعلق بأمور لم يطلع الله الخلق على وقت حصول ما ذكر فيها تعيينا كوجبة القيامة وخروج الدجال فيعمد الذين فى قلوبهم زيغ وضلال إلى محاولة تعيين وقت حصولها كما فعل اليهود إذ استعملوا حساب الجمل فى الحروف المقطعة فى أوائل السور لتعيين وقت قيام الساعة ولا يعلم ذلك فى الحقيقة إلا الله وأما الراسخون فى العلم فيقولون ءامنا بالقرءان كله محكمه ومتشابهه إذ كل من المحكم والمتشابه وحى من عند الله وأما على القراءة الثانية فيكون المعنى إن أهل الزيغ والضلال يتتبعون الآيات المتشابهة ليحملوها على ما يخالف المحكم ولا يوافق الشريعة ولا يعلم تأويل هذه الآيات الصحيح إلا ربنا تبارك وتعالى ومن أطلعه الله على ذلك من الراسخين فى العلم فإنهم أى الراسخين يقولون ءامنا بالكتاب كله المحكم منه والمتشابه إذ كلاهما من عند الله تعالى فإذا نظرنا إلى القراءتين معا اتضح أن المتشابه نوعان نوع يجوز أن يعلمه الخلق ونوع لا سبيل للخلق إلى معرفته فالنوع الأول أطلع الله تعالى الراسخين فى العلم عليه فعلموه كما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه كان يقول أنا من الراسخين فى العلم اﻫ [نقله الحافظ الزبيدى عن أبى نصر القشيرى فى الإتحاف] يريد أن الله أطلعه على معناه والنوع الثانى من المتشابه لم يطلع الله أحدا من الخلق على تأويله أى على وقت حصوله فلم يدع أحد من أهل العلم معرفته بذلك. وقد عرف المصنف رحمه الله (الآيات المحكمة) فقال (هى ما لا يحتمل من التأويل بحسب وضع اللغة إلا وجها واحدا أو ما عرف المراد به بوضوح) أى كانت دلالته على المراد واضحة جلية وضرب لذلك أمثلة فقال (كقوله تعالى) فى سورة الشورى (﴿ليس كمثله شىء﴾ وقوله) فى سورة الإخلاص (﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾ وقوله) فى سورة مريم (﴿هل تعلم له سميا﴾) أى مثلا فهذه كلها ءايات محكمة لا يجوز إخراجها عن معناها المتبادر لأن اللغة لا تحتمل لها معانى أخرى تحمل عليها إذا وجد دليل يقتضى ذلك. وعرف المصنف رحمه الله (الآيات المتشابهة) أيضا فقال (والمتشابه هو ما لم تتضح دلالته أو) كان (يحتمل أوجها عديدة) بحسب وضع اللغة العربية (واحتاج إلى النظر) من أهل الفهم والدراية باللغة وبمعانى النصوص (لحمله على الوجه المطابق) الذى لا يتعارض مع معانى المحكم كما أن المصنف رحمات الله عليه ضرب بعض الأمثلة للمتشابه فقال (كقوله تعالى) فى سورة طه (﴿الرحمن على العرش استوى﴾) فقد دل الدليل العقلى والنقلى كما سبق تقرير ذلك على أن الله تعالى لا يجوز عليه الجلوس أو الاستقرار أو الكون فى جهة أو مكان فوجب لذلك إخراج كلمة استوى عن المعنى الظاهر المقتضى لصفات المخلوقات لكى لا يكون تعارض بين الأدلة وتناف بين النصوص.
(و)كذا لا بد من تأويل (قوله تعالى) فى سورة فاطر (﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾) لأن ظاهر لفظ إليه يقتضى كون الله تعالى فى جهة فوق لكن الأدلة القطعية ترد ذلك فوجب إخراج اللفظ عن ظاهره بحيث يوافق معنى هذه الآية الأدلة القطعية فيحمل لفظ إليه على أن المراد به المحل المكرم من الله (أى أن الكلم الطيب كلا إله إلا الله يصعد إلى محل كرامته وهو السماء والعمل الصالح يرفعه أى الكلم الطيب يرفع العمل الصالح) أى أن كلمة التوحيد هى الأصل والأساس لرفع الأعمال الصالحة أى لقبولها (وهذا منطبق ومنسجم مع الآية المحكمة ﴿ليس كمثله شىء﴾) ومما يدل على أنه لا بد من التأويل والإخراج عن الظاهر فى هذه الآية أن كلا من الكلم والعمل الصالح عرض لا ينتقل من مكان إلى مكان ولا يرتفع من تحت إلى فوق وإنما هذا كما تقول وجهت وجهى للذى فطر السموات والأرض ولا تريد أن الله حال فى الكعبة مثلا وكما جاء فى قول الله تعالى فى سورة الصافات إخبارا عن إبراهيم عليه السلام ﴿وقال إنى ذاهب إلى ربى سيهدين﴾ ولم يدل ذلك على أن الله تعالى كان يسكن فلسطين وكما يقول العرب الفصحاء رفع الملك فلانا ولا يريدون أنه نقله إلى جهة فوق وفى لغة العرب ما شئت من التوسع فى الكلام ولكن يعرف ذلك أهله (فتفسير الآيات المتشابهة يجب أن يرد إلى الآيات المحكمة) بحيث يوافقها ولا يعارضها. (هذا فى المتشابه الذى يجوز للعلماء أن يعلموه) كما سبق (وأما المتشابه الذى أريد بقوله) تعالى فى سورة ءال عمران (﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ على قراءة الوقف على لفظ الجلالة فهو ما كان مثل وجبة القيامة وخروج الدجال على التحديد) وقد تقدم بيان ذلك (فليس) التأويل الذى لا سبيل لمخلوق إلى معرفته هو (من قبيل) تأويل (ءاية الاستواء) بل لا بد فيها من تأويل إجمالى أو تفصيلى على ما سيأتى بيانه إن شاء الله تعالى. والعجب من الوهابية ينكرون تأويل ءاية الاستواء ونحوها من الآيات التى يوهم ظاهرها أن الله تعالى فى جهة فوق مدعين أنه يلزم التمسك بالظاهر فى الآيات المتعلقة بالعقيدة وأنه يحرم تأويلها ثم يأولون الآيات التى يوهم ظاهرها أن الله موجود فى الأرض أو حال فى كل الجهات أو منبث فى كل مكان وما هذا إلا تحكم أى حكم بمحض الهوى من غير دليل وشأن المؤمن الإيمان بالآيات المحكمة والعمل فى الأصول والفروع على مقتضاها إذ أن معناها لا يلتبس على أحد ولا يختلف فيه والإيمان بالمتشابه مع اعتقاد أن له معنى لائقا يناسب المحكم ويوافقه (وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم) ما يدل على ذلك وهو ما رواه الحاكم فى المستدرك وابن حبان فى صحيحه مرفوعا (اعملوا بمحكمه وءامنوا بمتشابهه) اﻫ وهو حديث (ضعيف ضعفا خفيفا) فإنهما روياه من طريق أبى سلمة بن عبد الرحمٰن عن عبد الله بن مسعود وقد قال ابن عبد البر إن أبا سلمة لم يلق ابن مسعود ففيه انقطاع كما قال الحافظ فى الفتح لكن رواه أيضا أحمد فى المسند وابن أبى داود فى المصاحف من طريق عثمان بن حسان عن فلفلة الجعفى عن ابن مسعود وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد فيه عثمان بن حسان ذكره ابن أبى حاتم فلم يجرحه ولم يوثقه وبقية رجاله ثقات اهـ وإذا أضيف إلى ذلك تصحيح ابن حبان له علم أن الحديث وإن كان ضعيفا إلا أن ضعفه خفيف لا يمنع من إيراده والاستئناس به. وبمعناه ما رواه البيهقى فى الاعتقاد عن عدد من أكابر أئمة السلف أنهم قالوا فى المتشابهات أمروها كما جاءت بلا كيفية اﻫ أى ءامنوا بها لورودها فى القرءان وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع اعتقاد أن لها معانى تليق بالله غير المعانى الظاهرة التى فيها تشبيه للخالق بالمخلوق.
(وقد بين أبو نصر) أى ابن أبى القاسم (القشيرى رحمه الله الشناعة التى تلزم نفاة التأويل، وأبو نصر القشيرى هو الذى وصفه الحافظ عبد الرزاق الطبسى بإمام الأئمة كما نقل ذلك الحافظ ابن عساكر فى كتابه تبيين كذب المفترى. قال المحدث اللغوى الفقيه الحنفى مرتضى الزبيدى فى شرحه المسمى إتحاف السادة المتقين نقلا عن كتاب التذكرة الشرقية لأبى نصر القشيرى ما نصه وأما قول الله عز وجل) فى سورة ءال عمران (﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ إنما يريد به وقت قيام الساعة فإن المشركين سألوا النبى صلى الله عليه وسلم عن الساعة أيان مرساها ومتى وقوعها) فهذا لا يعلمه إلا الله (فالمتشابه إشارة إلى علم الغيب فليس يعلم عواقب الأمور إلا الله عز وجل ولهذا قال) تعالى فى سورة الأعراف (﴿هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتى تأويله﴾ أى هل ينظرون إلا قيام الساعة. وكيف يسوغ لقائل أن يقول) أى لا يليق أن يقول قائل (فى كتاب الله تعالى) أى القرءان (ما لا سبيل لمخلوق إلى معرفته ولا يعلم تأويله إلا الله أليس هذا من أعظم القدح) أى الجرح (فى النبوات وأن النبى) صلى الله عليه وسلم (ما عرف تأويل ما ورد فى صفات الله تعالى ودعا الخلق إلى علم ما لا يعلم. أليس الله يقول) فى سورة الشعراء (﴿بلسان عربى مبين﴾ فإذا) لو كان فى القرءان ما لا سبيل لأحد إلى معرفته كان (على زعمهم) أى على زعم المشركين الذين جاء النبى عليه الصلاة والسلام ليدعوهم إلى الإيمان بالقرءان (يجب أن يقولوا كذب حيث قال ﴿بلسان عربى مبين﴾) أى ظاهر (إذ لم يكن معلوما عندهم وإلا فأين هذا البيان) أى لكانوا قالوا قوله ﴿مبين﴾ كذب إذ كيف يكون بلسان عربى ظاهر ثم لا يعرف أى منا معناه. (و)لقالوا (إذا كان بلغة العرب) كما يزعم محمد (فكيف يدعى أنه مما لا تعلمه العرب لما كان ذلك الشىء عربيا) قال القشيرى رحمه الله (فما قول فى مقال) أى فماذا يقال فى قول أى فهل يصح قول (مآله) أى مؤداه (إلى تكذيب الرب سبحانه) قال (ثم كان النبى صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى عبادة الله تعالى فلو كان فى كلامه وفى ما يلقيه إلى أمته شىء لا يعلم تأويله) أى معناه (إلا الله تعالى لكان للقوم أن يقولوا بين لنا أولا من تدعونا إليه وما الذى تقول) حتى نقدر على الإيمان به (فإن الإيمان بما لا يعلم أصله غير متأت) أى لا يمكن (ونسبة النبى صلى الله عليه وسلم إلى أنه دعا إلى رب موصوف بصفات لا تعقل) أى لا يدل كلامه على معناها (أمر عظيم لا يتخيله مسلم) ولا يقول به (فإن الجهل بالصفات يؤدى إلى الجهل بالموصوف) أى أن الجهل بالصفات يقتضى عدم معرفة من هو الموصوف (والغرض أن يستبين من معه مسكة من العقل) أى شىء منه (أن قول من يقول استواؤه صفة ذاتية لا يعقل معناها) أى لا يعلم المقصود من كلمة استوى (و)يقول (اليد صفة ذاتية لا يعقل معناها والقدم صفة ذاتية لا يعقل معناها تمويه) وخداع (ضمنه تكييف وتشبيه) إذ أن المشبهة يتخذون هذه الألفاظ سبيلا لإبعاد الناس عن معانى هذه العبارات من اليد والاستواء والقدم مما يوافق الشريعة واللغة ويصرف معانيها عن التشبيه والتحديد والتكييف بقولهم إن هذه التفاسير مردودة لأن الاستواء واليد والقدم بزعمهم لا يعقل معناها فيسهل عليهم بعد ذلك جر الناس إلى اعتقاد أنها جوارح وكيفيات نجهل حجمها ومقاديرها وأحوالها فلذلك كان كلامهم تمويها يتضمن تشبيها (و)هو أيضا (دعاء إلى الجهل) لأن من يقول لك ءامن بما لا يتعقل وصدق بما لا يعرف لا يكون فى الحقيقة قد دعاك إلى علم بل دعاك إلى أن تجهل معانى ما يلقى إليك (وقد وضح الحق لذى عينين. وليت شعرى هذا الذى ينكر التأويل يطرد هذا الإنكار) أى يدخله (فى كل شىء وفى كل ءاية) فيعممه (أم يقنع بترك التأويل فى صفات الله تعالى) فقط فيخص المنع من التأويل بها من غير دليل (فإن امتنع من التأويل أصلا) أى على الإطلاق فى الصفات وفى غير الصفات (فقد أبطل الشريعة والعلوم إذ ما من ءاية وخبر إلا ويحتاج إلى تأويل وتصرف فى الكلام) بتخصيص أو تقييد أو إضمار أو نحو ذلك إلا ءايات لا تحتاج إلى شىء من ذلك من نحو قوله تعالى فى سورة الحديد ﴿وهو بكل شىء عليم﴾ حيث أفادت كلمة كل العموم بلا إخراج شىء واحد (لأن ثم أشياء لا بد من تأويلها) أو تخصيصها أو تقييدها أو تقدير إضمار فيها (لا خلاف بين العقلاء فيه إلا الملحدة الذين قصدهم التعطيل للشرائع) فقول الله تعالى فى سورة المائدة ﴿وهو على كل شىء قدير﴾ مثلا لا بد فيه من تخصيص الشىء بالممكن لأن القدرة لا تتعلق إلا بالممكن كما تقدم وقوله تعالى فى سورة البقرة ﴿الحج أشهر معلومات﴾ لا بد من التقدير فيه فيكون المعنى وقت الحج أشهر معلومات وقول النبى صلى الله عليه وسلم الذى رواه الشيخان إنما الأعمال بالنيات اﻫ مثلا لا بد فيه من تقدير إنما الأعمال تكون معتبرة فى الشرع إذا اقترنت بالنيات الصحيحة وقوله عليه الصلاة والسلام الذى رواه ابن حبان لا نكاح إلا بولى وشاهدى عدل اﻫ مثلا لا بد فيه من تقدير لا نكاح صحيح إلا بولى وشاهدين فالزعم ببطلان التأويل على الإطلاق (و)التمسك بالظاهر من غير أى تصرف فى الكلام مهما كان و(الاعتقاد لهذا) المنهج (يؤدى إلى) وقوع صاحبه فى التناقض و(إبطال ما هو عليه من التمسك بالشرع) بزعمه فإنه إذا أراد التمسك بما جاء فى الشرع اعتقد أن الريح التى أرسلها الله على قوم عاد لم تدمر الجبال ولا السموات ولا الأرض ولا الجنة لكن إذا زعم فى الوقت عينه أن التأويل بأنواعه ممتنع اقتضى ذلك أن يفسر قول الله تعالى فى سورة الأحقاف ﴿تدمر كل شىء بأمر ربها﴾ بأن تلك الريح دمرت ما تقدم ذكره وهذا عكس ما جاء فى الشرع فإنها إنما دمرت ما اعتادوا أن يعيشوا فيه فكان لا بد للمتمسك بالشرع من ترك الظاهر واللجوء إلى التأويل فى كثير من الآيات والأحاديث. قال القشيرى (وإن قال يجوز التأويل على الجملة) أى حيث يحتاج إليه (إلا فى ما يتعلق بالله وبصفاته فلا تأويل فيه فهذا مصير منه) أى إنه يصير (إلى أن ما يتعلق بغير الله تعالى يجب أن يعلم) معناه (وما يتعلق بالصانع) أى الخالق عز وجل (وصفاته يجب التقاصى) أى البعد (عنه وهذا لا يرضى به مسلم) فإن العلم بالله تعالى وصفاته أجل وقد تمدح النبى صلى الله عليه وسلم بأنه أعلم من غيره من الناس به وذلك فى ما رواه البخارى وغيره وكيف يحصل هذا العلم إذا ترك النظر فى النصوص المتعلقة به ونأى الناظر فيها عن تعلم معانيها ولو كان أقصى ما يمكن الإنسان فيها حفظ ألفاظها من غير فهم للمعنى لما كان سبيل إلى تحصيل هذا العلم ولما تفاوت الناس فيه ولما كان النبى صلى الله عليه وسلم أعلم من غيره فيه. (وسر الأمر) أى حقيقته (أن هؤلاء الذين يمتنعون عن التأويل معتقدون حقيقة التشبيه غير أنهم يدلسون و)لا يصرحون باعتقادهم كى لا يصدوا فورا فيتدرجون فى جلب الغر[1] إلى اعتقادهم و(يقولون له) أى لله (يد لا كالأيدى وقدم لا كالأقدام واستواء بالذات لا كما نعقل فى ما بيننا فليقل المحقق) من أهل الفهم إذا سمع ما يدعون (هذا كلام لا بد من استبيان) فيه فإن فيه إشكالا إذ (قولكم نجرى الأمر على الظاهر ولا يعقل معناه تناقض إن أجريت على الظاهر فظاهر الساق فى قوله تعالى) فى سورة القلم (﴿يوم يكشف عن ساق﴾ هو العضو المشتمل على الجلد واللحم والعظم والعصب) مفرد الأعصاب وهى أطناب المفاصل[2] (والمخ) الذى تحويه العظام (فإن أخذت بهذا الظاهر والتزمت بالإقرار بهذه الأعضاء) أى إن قلت هذا هو الظاهر الذى عنيته وأنا أعتقد فى الله الجوارح والأعضاء (فهو الكفر) بدون شك وقعت فيه (وإن لم يمكنك الأخذ بها) أى بمعانيها الظاهرة فقلت بأنك لا تريد بالظاهر هذه المعانى ولا تنسب إلى الله معانى الجسمية وصفات المخلوقات (فأين الأخذ بالظاهر) الذى زعمت لزومه (ألست قد تركت الظاهر) برفضك لنسبة معانى المخلوقين إلى الله (وعلمت تقدس الرب تعالى عما يوهم الظاهر فكيف يكون) ترك الظاهر (أخذا بالظاهر) هذا تناقض. (وإن قال الخصم) مدلسا للتهرب من إقامة الحجة عليه (هذه الظواهر) أى ما أريده من قولى نأخذ بالظاهر أن هذه العبارات (لا معنى لها أصلا) بأن قال مثلا ليس معناها الجوارح والأعضاء التى هى المعنى المتبادر ولا أى معنى ءاخر معروف لها فى اللغة (فهو) منه (حكم بأنها ملغاة) إذ زعم أنه ليس لها معنى بحسب اللغة يعرف (و)زعم منه بأنه (ما كان فى إبلاغها إلينا فائدة وهى هدر) أى لا اعتبار لها (وهذا محال) لأنها تكون والحالة هذه لغوا والقرءان منزه عن اللغو بلا ريب (وفى لغة العرب ما شئت) أى الكثير الكثير (من التجوز) أى استعمال المجاز (والتوسع فى الخطاب وكانوا) أى العرب القدماء الذين يحتج بكلامهم فى اللغة فى زمن البعثة وما يسبقه وما يليه (يعرفون موارد الكلام) أى فى أى معنى ورد (ويفهمون المقاصد) أى ما يقصد من معانى الألفاظ (فمن تجافى) أى ابتعد (عن التأويل) حيث ينبغى التأويل (فذلك لقلة فهمه بالعربية) ومن هنا دخل الضلال على كثير من أهل البدع ولا سيما المشبهة (ومن أحاط بطرق) كثيرة (من العربية) أى وسعت معرفته بلغة العرب الفصحاء (هان عليه مدرك الحقائق) أى إدراكها وميز فى كلام العرب ونصوص الشريعة بين الحقيقة والمجاز وما أريد منه المعنى الظاهر المتبادر للفظ وما أريد منه معنى ءاخر ظاهر بالدليل[3]. (وقد قيل) أى قرئ فى بعض القراءات فى سورة ءال عمران (﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون فى العلم﴾) بالوقف على لفظ العلم كما رواه الطبرى وغيره فى تفسيره عن مجاهد (فكأنه قال) أى فيصير المعنى (والراسخون فى العلم أيضا يعلمونه) أى يعلمون معنى المتشابه الذى ليس علمه خاصا بالله كخروج الدجال ووجبة القيامة مما لا يعلمه الخلق (ويقولون) أى الراسخون فى العلم المتمكنون فيه (﴿ءامنا به كل من عند ربنا﴾) أى إن المحكمات من عند الله والمتشابهات من عند الله ونحن نؤمن بذلك كله (فإن الإيمان بالشىء إنما يتصور بعد العلم) به (أما ما لا يعلم) بوجه من الوجوه (فالإيمان به غير متأت) أى غير ممكن فمن علم مثلا أن قول الله تعالى فى سورة طه ﴿الرحمٰن على العرش استوى﴾ لا يراد به الجلوس أو الاستقرار أو العلو بالمسافة بل هو معنى من المعانى التى جاءت بها لغة العرب للاستواء يليق بالله ليس كمعانى المخلوقين من غير تعيينه يكون قد حصل نوعا من العلم بمعنى هذه الآية فيقال عنه علم هذا المعنى وءامن به ومثله الذى يؤول الاستواء بالقهر فإنه علم هذا التأويل التفصيلى وءامن بهذا المتشابه أنه حق من عند الله وأما إذا قيل إن الله أرسل النبى ليكلم الناس بما لا يفهمون له أى معنى بالمرة فهو زعم بأن الله أرسل النبى صلى الله عليه وسلم إلى الخلق بما لا تقوم به عليهم حجة وهو كلام فى غاية التهافت[4] وفيه رد الشريعة وتكذيب الدين (ولهذا قال ابن عباس) رضى الله عنه فى ما رواه الطبرى وغيره (أنا من الراسخين فى العلم) اﻫ (انتهى كلام الحافظ الزبيدى مما نقله عن أبى النصر القشيرى رحمه الله.
فهنا مسلكان كل منهما صحيح الأول مسلك السلف وهم أهل القرون الثلاثة الأولى) بعد الهجرة (أى) قرن الصحابة وقرن التابعين وقرن أتباع التابعين أو يراد بالقرون الثلاثة الأولى الثلاثمائة سنة الأولى التى بعد الهجرة كما فسرها الحافظ ابن عساكر بذلك فأهل هذه القرون أى (أكثرهم) لا يؤولون الآيات المتشابهة تأويلا تفصيليا (فإنهم) لم يحتاجوا ذلك احتياج من جاء بعدهم لقلة انتشار البدع فى تلك الأزمان بل (يؤولونها تأويلا إجماليا) وذلك (بالإيمان بها واعتقاد أنها ليست من صفات الجسم بل أن لها معنى يليق بجلال الله وعظمته) فيثبتون اللفظ الوارد وينفون أن يكون له معنى كمعانى الخلق (بلا تعيين) للمعنى المراد (بل ردوا تلك الآيات إلى الآيات المحكمة كقوله تعالى) فى سورة الشورى (﴿ليس كمثله شىء﴾ وهو كما قال الإمام الشافعى رضى الله عنه ءامنت بما جاء عن الله على مراد الله وبما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على مراد رسول الله يعنى رضى الله عنه لا على ما قد تذهب إليه الأوهام والظنون من المعانى الحسية الجسمية التى لا تجوز فى حق الله تعالى) فإن سلف الأمة وعلماء الخلف منها يعتقدون كلهم أن الله منزه عن الحركة والسكون والتحول والحلول كما قال الحافظ ابن حجر فى فتح البارئ. (ثم) إن السلف لم يريدوا بما ذهبوا إليه منع التأويل التفصيلى ولا سلكوا كلهم مسلك تركه والابتعاد عنه بل (نفى التأويل التفصيلى عن السلف كما زعم بعض مردود) زيادة على ما سبق (بما فى صحيح البخارى فى كتاب تفسير القرءان وعبارته هناك سورة القصص ﴿كل شىء هالك إلا وجهه﴾ إلا ملكه ويقال ما يتقرب به إليه اﻫ فملك الله صفة من صفاته الأزلية) أى فلا بداية له ولا نهاية فلا يفنى ومعناه سلطانه وهو (ليس كالملك الذى يعطيه للمخلوقين) فإنه يفنى كما فنى ملك أعداء الله من ملوك الكفار كالنمرود وفرعون وكما فنى ملك أحباب الله كسليمان وذى القرنين عليهما السلام. (وفيه) أى فى البخارى (غير هذا الموضع) من التأويل التفصيلى (كتأويل) قول الله تعالى فى سورة هود ﴿ما من دابة إلا هو ءاخذ بناصيتها﴾ بأنها فى ملكه وسلطانه اﻫ وقال الخطابى إن البخارى رحمه الله أول (الضحك الوارد فى الحديث) المروى فى الموطإ من طريق أنس إن الله يضحك إلى رجلين إلى ءاخره (بالرحمة) قال وهو قريب وتأويله على معنى الرضا أقرب اﻫ (وصح أيضا التأويل التفصيلى عن الإمام أحمد) بن حنبل (وهو من السلف) سواء قلنا إن عصرهم ينتهى بانقراض تبع الأتباع أو قلنا إنه ينقضى بانتهاء المائة الثالثة (فقد) توفى سنة خمس وأربعين ومائتين أو ست وأربعين ومائتين (ثبت عنه أنه قال فى قوله تعالى) فى سورة الفجر (﴿وجاء ربك﴾) ﴿والملك صفا صفا﴾ (إنما جاءت قدرته) اﻫ أى ءاثار قدرته من الأمور العظيمة التى تظهر حين يحضر الملائكة صفوفا فى ذلك اليوم كجر الملائكة لعنق من جهنم سبعون ألفا منهم يجرونه كل بسلسلة حتى يرى الناس وهم فى الموقف ذلك العنق ثم يرد إلى مكانه. وهذا الأثر عن الإمام أحمد (صحح سنده الحافظ البيهقى الذى قال فيه الحافظ صلاح الدين العلائى لم يأت بعد البيهقى والدارقطنى مثلهما ولا من يقاربهما) اﻫ أى فى الحديث وعلومه.
(أما قول البيهقى ذلك ففى كتاب مناقب أحمد) له ونقله عنه الحافظ ابن كثير فى تاريخه قال أى البيهقى أنبأنا الحاكم قال حدثنا أبو عمرو بن السماك حدثنا حمزة بن إسحق قال سمعت عمى أحمد أبا عبد الله يقول احتجوا على يومئذ يعنى يوم نوظر فى دار أمير المؤمنين فقالوا تجىء سورة البقرة يوم القيامة وتجىء سورة تبارك فقلت لهم إنما هو الثواب قال الله تعالى ﴿وجاء ربك﴾ إنما تأتى قدرته وإنما القرءان أمثال ومواعظ اﻫ قال البيهقى وهذا إسناد صحيح لا غبار عليه اﻫ ثم قال وفيه دليل على أنه كان لا يعتقد فى المجىء الذى ورد به الكتاب والنزول الذى وردت به السنة انتقالا من مكان إلى مكان كمجىء ذوات الأجسام ونزولها[5] وإنما هو عبارة عن ظهور أثر قدرته فإنهم لما زعموا أن القرءان لو كان كلام الله وصفة من صفات ذاته لم يجز عليه المجىء والإتيان فأجابهم أبو عبد الله بأنه إنما يجىء ثواب قراءته الذى يريد إظهاره يومئذ فعبر عن إظهاره إياه بمجيئه. وهذا الذى أجابهم به أبو عبد الله لا يهتدى إليه إلا الحذاق من أهل العلم المنزهون عن التشبيه اﻫ (وأما قول الحافظ أبى سعيد) بن كيكلدى (العلائى فى البيهقى والدارقطنى فذلك فى كتابه الوشى المعلم وأما الحافظ أبو سعيد فهو الذى يقول فيه الحافظ ابن حجر شيخ مشايخنا) اﻫ فإنه من مشايخ الحافظ زين الدين العراقى الذى تخرج به الحافظ ابن حجر فى علوم الحديث (وكان من أهل القرن الثامن الهجرى).
(وهناك خلق كثير من العلماء ذكروا فى تآليفهم أن أحمد أول منهم الحافظ) الفقيه المفسر (عبد الرحمٰن بن الجوزى) الحنبلى من أهل القرن السادس (الذى هو أحد أساطين المذهب الحنبلى) أى أعمدته (لكثرة اطلاعه على نصوص المذهب وأحوال أحمد) وألف فى مناقب الإمام أحمد كتابا حافلا وفى الأصول والفروع على حسب مذهبه كتبا عديدة ونقل رحمه الله فى كتاب شبهة التشبيه له أن الإمام أحمد رضى الله عنه أول قوله تعالى فى سورة البقرة ﴿أن يأتيهم الله﴾ قال المراد به قدرته وأمره وقد بينه فى قوله تعالى فى سورة النحل ﴿أو يأتى أمر ربك﴾ ومثل هذا فى التوراة ﴿وجاء ربك﴾ قال إنما هى قدرته اﻫ.
(الثانى مسلك الخلف) وهم من جاءوا بعد القرون الثلاثة الأولى من علماء أهل السنة والجماعة (وهم يأولونها) أى الآيات المتشابهة (تفصيلا بتعيين معان لها مما تقتضيه لغة العرب) فلا يكتفون بالتأويل الإجمالى كقول إن لها معنى يليق بالله تعالى لا كمعانى المخلوقين (ولا يحملونها على ظواهرها أيضا كالسلف) بل يحملونها على معنى يوافق الآيات المحكمة كما يوافق لغة العرب ويرجحونه على غيره من المعانى لدلالة قامت عندهم على ذلك (و)هذا المسلك (لا بأس بسلوكه ولا) حرج (لا سيما عند الخوف من تزلزل العقيدة) عند إيراد المشبهة شبههم على العوام (حفظا) لهم (من التشبيه مثل قوله تعالى فى توبيخ إبليس) فى سورة ص (﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى﴾) إذا أورده مشبه ليوهم أن الله تعالى متصف بجارحتين كأيدينا (فيجوز أن يقال المراد باليدين) معنى يليق بالله ليس كمعانى المخلوقين ويقتصر على ذلك ويجوز أن يقال المراد باليدين (العناية والحفظ) أى ما منعك يا إبليس أن تسجد لما خلقت بعنايتى وحفظى أى لمن أكرمته وأردت له المقام العالى والخير العظيم.
(تفسير قوله تعالى ﴿من روحنا﴾ وقوله تعالى ﴿من روحى﴾)
(ليعلم أن الله تعالى خالق الروح والجسد فليس روحا ولا جسدا ومع ذلك أضاف الله تعالى روح عيسى صلى الله عليه) وعلى نبينا (وسلم إلى نفسه على معنى الملك والتشريف) أى للتشريف مع إثبات الملك (لا للجزئية فى قوله تعالى) فى سورة الأنبياء (﴿من روحنا﴾ وكذلك فى حق ءادم قوله تعالى) فى سورة ص (﴿من روحى﴾) فكلتا الإضافتين للدلالة على شرف روحى عيسى وءادم عليهما السلام عند الله تعالى مع إثبات أنهما ملك لله وخلق له وذلك كما إذا قلنا الكعبة بيت الله فالإضافة هنا ليست للجزئية أى ليس المعنى أن الكعبة هى بيت جزء من الله وإنما المعنى أن الكعبة بيت مملوك لله مشرف عنده ففائدة الإضافة إظهار شرف المخلوق المضاف إلى الله تعالى (فمعنى قوله تعالى) فى سورة التحريم (فنفخنا فيه من روحنا) مثلا (أمرنا جبريل عليه السلام أن ينفخ فى مريم الروح التى هى ملك لنا ومشرفة عندنا) وذلك (لأن الأرواح قسمان أرواح مشرفة) لها عند الله درجة ومنزلة (وأرواح خبيثة) لا يحبها الله تعالى (وأرواح الأنبياء من القسم الأول فإضافة روح عيسى وروح ءادم إلى نفسه) تعالى (إضافة ملك وتشريف و)لا يجوز أن يعتقد أحد أن الله تعالى روح عظيمة وأن روح ءادم جزء منها أو أن روح عيسى جزء منها بل (يكفر من يعتقد أن الله تعالى روح) لأن فى ذلك تشبيها للخالق بالمخلوق (فالروح مخلوقة و)لا يجوز تشبيه خالقها بها (تنزه الله) وتعالى (عن ذلك. وكذلك قوله تعالى) فى سورة البقرة وسورة الحج (فى الكعبة ﴿بيتى﴾ فهى إضافة ملك للتشريف لا إضافة صفة أو ملابسة) أى مخالطة (لاستحالة الملامسة أو المماسة بين الله والكعبة و)ذلك لأن الملامسة والمماسة لا يكونان إلا بالتقاء جسمين (وكذلك قول الله تعالى) فى سورة المؤمنون (﴿رب العرش﴾ ليس إلا للدلالة على أن الله خالق العرش الذى هو أعظم المخلوقات) و(ليس لأن العرش له ملابسة لله بالجلوس عليه أو بمحاذاته من غير جلوس) أى (ليس المعنى أن الله جالس على عرشه باتصال وليس المعنى أن الله محاذ للعرش بوجود فراغ بين الله وبين العرش إن قدر ذلك الفراغ واسعا أو قصيرا كل ذلك مستحيل على الله) لأنه يقتضى أن يكون الله جسما وحجما والأجسام والأحجام مخلوقة بلا ريب (وإنما مزية العرش أنه كعبة الملائكة الحافين من حوله) فشرف بذلك (كما أن الكعبة شرفت بطواف المؤمنين بها. ومن خواص العرش) أيضا (أنه لم يعص الله تعالى فيه لأن من حوله كلهم عباد مكرمون لا يعصون الله طرفة عين. ومن اعتقد أن الله خلق العرش ليجلس عليه فقد شبه الله بالملوك الذين يعملون الأسرة الكبار ليجلسوا عليها ومن اعتقد هذا لم يعرف الله) لأنه جعل ذات الله مقدرا محدودا متناهيا (و)من هنا (يكفر من يعتقد المماسة) بين الله والمخلوق (لاستحالتها فى حق الله تعالى).
(تفسير الآية) الخامسة من سورة طه (﴿الرحمٰن على العرش استوى﴾)
هذه الآية من الآيات المتشابهة أى التى تحتمل أكثر من معنى بحسب اللغة لكن المعنى الظاهر غير مراد منها لمناقضته للآيات المحكمة وللحكم العقلى القاطع ولذلك قالوا (يجب أن يكون تفسير هذه الآية بغير الاستقرار والجلوس ونحو ذلك) من معانى المخلوقين كما روى عن الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه استوى كما أخبر لا كما يخطر للبشر اﻫ (و)من فسرها باستقرار أو جلوس أو نحوهما من صفات البشر فقد غلط غلطا شنيعا بل (يكفر من) يفسرها بذلك أو (يعتقد ذلك فيجب ترك الحمل على الظاهر) لأنه غير لائق بالله تعالى (بل يحمل على محمل مستقيم فى العقول) يوافق اللغة وتؤيده النصوص الشرعية (فتحمل لفظة) استوى على المعنى الموافق للغة والشرع فإن (الاستواء) يحتمل كثيرا من المعانى أوصلها القاضى أبو بكر بن العربى إلى بضعة عشر معنى منها الجلوس والاستقرار وعلو المكانة وعلو المكان وبلوغ الأشد والتمام والاعتدال والقهر فى معان أخرى والذى يليق بالله تعالى منها علو المكانة والقهر وعلو المكانة يرجع إلى معنى القهر والاستيلاء ولذلك حمل كثير من العلماء معنى الاستواء (على القهر ففى لغة العرب يقال استوى فلان على الممالك إذا احتوى على مقاليد الملك واستعلى على الرقاب كقول الشاعر) الأموى (قد استوى بشر على العراق) أى سيطر بشر بن مروان على العراق وملكه (من غير سيف ودم مهراق) أى من غير قتال ولا سفك دماء (و)إذا قيل ما (فائدة تخصيص العرش بالذكر) فإن كل شىء مقهور لله قيل فائدته (أنه أعظم مخلوقات الله تعالى حجما فيعلم شمول ما دونه من باب الأولى) كما قال الله تعالى فى سورة التوبة ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ مع أنه سبحانه وتعالى رب كل شىء وإنما خص العرش بالذكر لأنه أكبر المخلوقات حجما فإذا كان مربوبا لله تعالى علم أن ما دونه بالأولى مربوب له عز وجل. وإظهارا لهذا المعنى (قال الإمام على) رضى الله عنه (إن الله تعالى خلق العرش إظهارا لقدرته) أي ليدل باحتياجه إلى الله تعالى وكونه مقهورا تحت سيطرة الله تعالى محفوظا بحفظه وباقيا بإبقائه مع عظيم حجمه واتساع مساحته على عظمة قدرة الله وعمومها (ولم يتخذه) أى لم يتخذ الله العرش (مكانا لذاته) اﻫ (رواه الإمام المحدث الفقيه اللغوى أبو منصور التميمى فى كتابه الفرق بين الفرق) وغيره. هذا تفسير صحيح للآية (أو يقال) ﴿الرحمٰن على العرش﴾ (﴿استوى﴾) أى (استواء يعلمه هو) من غير تعيين معناه لكن (مع تنزيهه) عز وجل (عن استواء المخلوقين كالجلوس والاستقرار) والاعتدال وغير ذلك كما قال الإمام مالك رضى الله عنه فإنه سئل عن قول الله تعالى ﴿الرحمٰن على العرش استوى﴾ فقال الاستواء غير مجهول أى معلوم وروده فى القرءان كما فى بعض الروايات الأخرى والكيف غير معقول اﻫ وفى رواية والكيف عنه مرفوع اﻫ والكيف هو ما كان من صفات المخلوقين فأثبت مالك رضى الله عنه لله تعالى ما وصف به نفسه وهو الاستواء ولم يعين المعنى المراد لكنه نفى أن يكون هذا المعنى جلوسا أو استقرارا أو كيفية أخرى من الكيفيات.
(واعلم أنه يجب الحذر من هؤلاء الذين يجيزون على الله القعود على العرش والاستقرار عليه مفسرين لقوله تعالى) فى سورة طه (﴿الرحمٰن على العرش استوى﴾ بالجلوس أو المحاذاة من فوق و)هؤلاء يقال لهم فى أيامنا الوهابية لأنهم تبعوا رجلا يقال له محمد بن عبد الوهاب ظهر من نحو مائتى عام وأحيا ضلالات أحمد بن تيمية الذى ارتضى القول بأن الله بقدر العرش أو أصغر منه وارتضى القول بأن الله لو شاء لاستقر على ظهر بعوضة فكيف بعرش عظيم وارتضى غير ذلك من الكلمات الساقطة والعقائد المرذولة فتبعه على ذلك قوم من أعراب نجد قاسية قلوبهم ضعيفة حلومهم[6] شبهوا الله تعالى بخلقه واعتقدوا أنه جسم مستقر فى جهة الأعلى (مدعين أنه لا يعقل موجود إلا فى مكان وحجتهم داحضة) أى باطلة لأن فيها قياس الخالق على المخلوق ولأنه ليس من شرط الوجود التحيز فى المكان وليس من شرط الوجود جريان الزمان على الموجود وذلك أن كل موحد يعلم أن المكان مخلوق والزمان مخلوق لم يكونا ثم أوجدهما الله تبارك وتعالى فقبل خلق المكان كان الله تعالى موجودا بدلالة حديث البخارى وغيره كان الله ولم يكن شىء غيره اهـ وهؤلاء المخالفون يقرون بذلك فهم إذا يقرون بأن الله تعالى كان قبل خلق المكان والجهات بلا مكان ولا جهة فإذا صح وجود الله تعالى قبل المكان بلا مكان انتقض ما زعموه وصح وجوده جل وعز بعد خلق المكان بلا مكان لأنه لا يتغير ولا يتبدل. ومصيبة هؤلاء جهلهم بأصول العقائد وبلغة العرب فأخذوا لذلك بظواهر الآيات والأحاديث المتشابهة مفسرين لها بمقتضى الحس بل (ومدعين أيضا أن قول السلف استوى بلا كيف موافق لذلك ولم يدروا أن الكيف الذى نفاه السلف هو الجلوس والاستقرار والتحيز فى المكان والمحاذاة) أى المقابلة أى كون الشىء فى مقابل شىء (وكل الهيئات من حركة وسكون وانتقال) فقول الأوزاعى ومالك والليث بن سعد وغيرهم من أئمة السلف أمروها كما جاءت بلا كيفية معناه ءامنوا بهذه الآيات المتشابهة لأنها جاءت فى القرءان ولا تفسروها تفسيرا فاسدا بنسبة الكيفية لله تعالى والكيفية نوع من الأعراض أى من صفات الخلق كما قال الإمام أبو الحسن الأشعرى فيكون المعنى ءامنوا بصفات الله تعالى التى جاءت فى النصوص من غير أن تشبهوها بصفات المخلوقين. قال أبو نصر القشيرى (والذى يدحض شبههم) أى يبطلها هو (أن يقال لهم قبل أن يخلق) الله (العالم أو المكان هل كان موجودا أم لا فمن ضرورة العقل أن يقولوا بلى فيلزمه) أى المشبه (لو صح قوله لا يعلم موجود إلا فى مكان أحد أمرين إما أن يقول المكان والعرش والعالم قديم) لأنه يقول إن الله موجود لا بداية لوجوده ويزعم أن الموجود لا بد أن يكون فى مكان فكأنه يقول إن الله له مكان قديم وهذا قول بوجود شريك لله فى الأزلية لم يخلقه الله وهذا كفر بالإجماع (وإما أن يقول) كل موجود لابد أن يكون فى مكان والمكان حادث إذا (الرب تعالى محدث وهذا) كفر أيضا بالإجماع وهو (مآل) أى نهاية كلام[7] (الجهلة الحشوية) نسبة إلى الحشو الذى لا اعتبار له ولا مرتبة [أى فيكون أهله متأخرين عن الخير بعيدين منه] (ليس القديم بالمحدث والمحدث بالقديم اﻫ وقال القشيرى أيضا فى التذكرة الشرقية) ونقله عنه الزبيدى فى شرح الإحياء (فإن قيل أليس الله يقول ﴿الرحمٰن على العرش استوى﴾ فيجب الأخذ بظاهره) أى إذا ادعى المشبهة تحكما بلا دليل أنه يجب الأخذ بظاهر الآية الآنفة الذكر (قلنا) فى الجواب (الله يقول أيضا) فى سورة الحديد (﴿وهو معكم أين ما كنتم﴾ ويقول تعالى) فى سورة فصلت (﴿ألا إنه بكل شىء محيط﴾ فينبغى أيضا) على مقتضى كلامكم (أن نأخذ بظاهر هذه الآيات حتى يكون) مستقرا (على العرش وعندنا ومعنا) بذاته فى الأرض (ومحيطا بالعالم محدقا به بالذات) كالدائرة المحيطة بما فى داخلها (فى حالة واحدة والواحد يستحيل أن يكون بذاته فى حالة واحدة بكل مكان) فإن تعدد الأمكنة يقتضى تعدد الأجزاء الحالة فى كل مكان منها فى وقت واحد فبطل بذلك كلام هؤلاء المشبهة ودحضت دعواه. وهذا الذى قاله القشيرى رحمه الله حجة دامغة لباطلهم مفحمة لمتكلميهم قاطعة لدعاويهم ولا يرد عليه ما يذكر من الكرامات عن بعض الأولياء من رؤية أحدهم فى وقت واحد فى أكثر من مكان وإنما يحصل مثل هذا لأن الولى من هؤلاء يكون له شبح أو أكثر غير الجسم الأصلى فيرى الناس أحد هذه الأشباح أى مثال الذات الأصلى فى مكان من الأمكنة بينما يرى ءاخرون الشبح الآخر فى الوقت نفسه فى مكان ءاخر ولا يدعى أحد أن الجسم الواحد يكون فى وقت واحد فى مكانين على حال واحدة إلا أن يكون مجنونا. (قال القشيرى رحمه الله) فإن (قالوا قوله ﴿وهو معكم﴾ يعنى بالعلم و﴿بكل شىء محيطا﴾ إحاطة العلم) فلم يحملوا هاتين الآيتين على الظاهر (قلنا وقوله ﴿على العرش استوى﴾) لا يحمل أيضا على ظاهره بل معناه (قهر وحفظ وأبقى انتهى. يعنى أنهم قد أولوا هذه الآيات ولم يحملوها على ظواهرها فكيف يعيبون على غيرهم تأويل ءاية الاستواء بالقهر) ويزعمون أن التأويل فى الآيات المتعلقة بالذات والصفات تحريف وتعطيل (فما هذا التحكم) وما هذه الدعاوى التى لا مستند لها ولا دليل.
(ثم) إن من هؤلاء من يزعم أن تأويل الاستواء بالقهر يشعر بكون الله تعالى مغالبا قبل أن يصير قاهرا فيقولون لذلك تأويلكم للاستواء بالقهر مردود وتفسيركم باطل قلنا هذا لا يلزمنا (قال القشيرى رحمه الله ولو أشعر ما قلنا توهم غلبته) أى توهم كونه مغالبا قبل صيرورته غالبا (لأشعر قوله) فى سورة الأنعام (﴿وهو القاهر فوق عباده﴾ بذلك أيضا حتى يقال) على مقتضى كلامكم (كان مقهورا قبل خلق العباد هيهات إذ لم يكن للعباد وجود قبل خلقه إياهم) فظهر أن ما ادعيتموه غير صحيح وأنه كما لا يشعر قوله وهو القاهر فوق عباده بسبق مغالبة أو مغلوبية لا يشعر تفسير قوله تعالى ﴿الرحمٰن على العرش استوى﴾ بالقهر مغالبة أو مغلوبية (بل لو كان الأمر على ما توهمه) هؤلاء (الجهلة من أنه استواء بالذات لأشعر ذلك بالتغير واعوجاج سابق على وقت الاستواء فإن البارئ تعالى كان موجودا قبل العرش) فلو كان استواؤه عليه معناه اتخاذ كيفية تناسب العرش وتلائمه بعد حدوثه لأشعر ذلك بتغير عما قبل وجوده وانتقال من كيفية إلى أخرى وهذا ظاهر الفساد. (ومن أنصف علم أن قول من يقول) فى تفسير ءاية الاستواء (العرش بالرب استوى) أى حصل فى العرش أثر فعل فعله الرب تبارك وتعالى هو (أمثل من قول من يقول الرب بالعرش استوى) إذ أن الأول لم ينسب إلى الله صفة لا تليق به فى ما قال وأما الثانى فقد جعل الله تعالى محلا للتأثر وجعل لمخلوق هو العرش أثرا فى الخالق تعالى أى جعل إحداث الله للعرش مغيرا لصفته تعالى وهو باطل عقلا ونقلا كما لا يخفى (فالرب إذا موصوف بالعلو) المعنوى (وفوقية الرتبة والعظمة) لا بعلو المسافة ولا بفوقية الجهة (ومنزه عن الكون فى المكان) الواحد أو فى كل الأمكنة (وعن المحاذاة اﻫ) والمقابلة ومن توهم أن حرف على كلما ورد دل على ارتفاع المكان أو أن كلمة فوق حيثما استعملت دلت على الجهة العليا فقد أبعد النجعة[8] وجاء بما يناقض لغة العرب التى نزل بها كتاب الله تعالى قال ربنا عز وجل فى سورة ءال عمران ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ وليس معناه العلو الحسى وقال تعالى فى سورة الأعراف مخبرا عن فرعون أنه قال ﴿وإنا فوقهم قاهرون﴾ ولم يرد أنهم ركبوا رقاب المؤمنين.
(قال القشيرى رحمه الله وقد نبغت) أى ظهرت (نابغة من الرعاع) أى السفهاء (لولا استنزالهم للعوام) أى استدراجهم لهم (بما يقرب من أفهامهم ويتصور فى أوهامهم لأجللت هذا الكتاب) وحفظته (عن تلطيخه بذكرهم) أى فلولا حاجة التحذير ما كنت عرجت على ذكرهم (يقولون نحن نأخذ بالظاهر) من المعانى التى تحتملها الآيات المتشابهة من حيث اللغة (ونجرى الآيات الموهمة تشبيها) لله بخلقه (والأخبار) المروية عن النبى صلى الله عليه وسلم (الموهمة حدا) للخالق جل وعز (وعضوا) له (على) هذا (الظاهر ولا يجوز أن نطرق التأويل إلى شىء من ذلك ويتمسكون بقول الله تعالى) فى سورة ءال عمران (وما يعلم تأويله إلا الله) زاعمين أنه يشهد على قولهم ويدل على مقصدهم وهو زعم باطل كما تقدم. قال أبو نصر (وهؤلاء والذى أرواحنا بيده أضر على الإسلام من اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان لأن ضلالات الكفار) المعلنين (ظاهرة يتجنبها المسلمون و)أما (هؤلاء) فإنهم (أتوا الدين والعوام من طريق يغتر به المستضعفون) الذين لا رسوخ لهم فى علوم العقائد (فأوحوا إلى أوليائهم) الذين يتبعونهم ويناصرونهم (بهذه البدع وأحلوا فى قلوبهم وصف المعبود سبحانه بالأعضاء والجوارح والركوب والنزول) الحسى (والاتكاء والاستلقاء والاستواء بالذات) كاستواء المخلوقين (والتردد فى الجهات فمن أصغى إلى) مقالهم وعقد قلبه على اتباع (ظاهرهم يبادر بوهمه إلى تخيل المحسوسات) فى حق الذات المقدس (فاعتقد الفضائح فسال به السيل وهو لا يدرى اﻫ فتبين أن قول من يقول إن التأويل) للآيات المتشابهة (غير جائز خبط) بلا هداية دليل (وجهل) غير مبنى على علم (وهو محجوج بقوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب رواه ابن ماجه وغيره بألفاظ متعددة وأوله عند البخارى) وروى هذا اللفظ ابن ماجه فى سننه وأحمد فى مسنده والطبرانى فى المعجم الكبير ولولا جواز التأويل وحسن الإتيان به فى موضعه لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس أن يعلمه الله إياه. (قال الحافظ) عبد الرحمٰن (ابن الجوزى فى كتابه المجالس ولا شك أن الله استجاب دعاء الرسول) صلى الله عليه وسلم (هذا) اﻫ (و)قد (شدد النكير والتشنيع) فى هذا الكتاب (على من يمنع التأويل ووسع القول فى ذلك فليطالعه من أراد زيادة التأكد).
(ومعنى قوله تعالى) فى سورة النحل (﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ فوقية القهر دون) فوقية (المكان والجهة) فإن الأولى لائقة بالخالق تعالى والثانية لا تليق به.
(ومعنى قوله تعالى) فى سورة الفجر (﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾) هو ظهور ومجىء ءاثار قدرة الله وتقدم تفسير الإمام أحمد بن حنبل لذلك و(ليس) المراد (مجىء الحركة والانتقال والزوال وإفراغ مكان وملء ءاخر بالنسبة إلى الله ومن اعتقد ذلك يكفر فالله تعالى خلق الحركة والسكون وكل ما كان من صفات الحوادث فلا يوصف الله تعالى بالحركة ولا بالسكون والمعنى بقوله) تعالى (﴿وجاء ربك﴾ جاء أمر ربك أى أثر من ءاثار قدرته) فيكون قول الله تعالى هذا من طريق مجاز الحذف حيث يحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه لوضوح المعنى كقوله تعالى فى سورة البقرة ﴿وأشربوا فى قلوبهم العجل﴾ أى حب العجل (وقد ثبت عن الإمام أحمد أنه قال فى قوله تعالى) فى سورة الفجر (﴿وجاء ربك﴾ جاءت قدرته) اﻫ يعنى ءاثار قدرته أى فتظهر فى ذلك اليوم مظاهر قدرة الله العظيمة (رواه) بالإسناد الصحيح (البيهقى فى مناقب أحمد وقد مر ذكره).
(تفسير معية الله المذكورة فى القرءان)
(ومعنى قوله تعالى) فى سورة الحديد (﴿وهو معكم أين ما كنتم﴾ الإحاطة بالعلم) لا بالحس والجهات كما فى البحر المحيط للمفسر اللغوى الحافظ أبى حيان الأندلسى (وتأتى المعية أيضا بمعنى النصرة والكلاءة) كما ذكره الزبيدى فى التاج وذلك (كقوله تعالى) فى سورة النحل (﴿إن الله مع الذين اتقوا﴾) فكلا المعنيين أى الإحاطة بالعلم والنصرة والكلاءة لغة عربية صحيحة (وليس) المراد بالمعية فى الآيتين الآنفتى الذكر معنى من معانى الجسمية وليس (المعنى بها الحلول والاتصال ويكفر من يعتقد ذلك) أى من يعتقد أن المقصود بها الحلول أو الاتصال (لأنه سبحانه وتعالى منزه عن الاتصال والانفصال بالمسافة فلا يقال إنه متصل بالعالم ولا) إنه (منفصل عنه بالمسافة لأن هذه الأمور من صفات الحجم والحجم هو الذى يقبل الأمرين) من الاتصال والانفصال وهو حادث (والله جل وعلا ليس بحادث) وقد (نفى ذلك عن نفسه) سبحانه (بقوله ﴿ليس كمثله شىء﴾) وهى الآية الفاذة[9] الجامعة للتنزيه الكلى لله تعالى عن مشابهة المخلوقين بأى وجه من الوجوه فإن الشىء هو ما ثبت وجوده سواء كان جسما أم عرضا حجما أم صفة أم غير ذلك وقد أوضح ذلك الراغب الأصبهاني وغيره من أهل اللغة وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله فى الفقه الأكبر الشىء الثابت الوجود اﻫ.
(ولا يوصف الله تعالى بالكبر حجما ولا بالصغر ولا بالطول ولا بالقصر لأنه مخالف للحوادث) وأما كبر القدر والدرجة فيوصف الله تعالى به من غير تردد وعليه نقول كل يوم فى صلواتنا وغيرها كلمة الله أكبر ما شاء الله لنا أن نقولها (ويجب طرد كل فكرة عن الأذهان تفضى) أى تؤدى (إلى تقدير الله تعالى وتحديده) فيجب نبذ كل الخواطر التى تفضى إلى وصف الله تعالى بالمقدار والشكل والهيئة فإن كل ذلك مخلوق والله تعالى ليس بمخلوق وكل ذلك وهم[10] أو تخيل[11] والله تعالى لا يدركه الوهم كما قال ذو النون رحمه الله تعالى مهما تصورت ببالك فالله لا يشبه ذلك اﻫ
و(كان اليهود قد) اعتقدوا فى الله تعالى التشبيه وأجازوا عليه الجسمية وصفات البشر وظنوا أنه يتحرك صعودا ونزولا ويمشى ويصارع و(نسبوا إلى الله تعالى) أيضا (التعب فقالوا إنه بعد خلق السماوات والأرض استراح فاستلقى على قفاه) فأثبتوا له أيضا القفا والاستلقاء والمماسة للعرش تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا (و)لا يخفى أن (قولهم هذا كفر والله تعالى منزه عن ذلك) فمن ضاهاهم[12] فى قولهم أو فى ما يشبهه كان مثلهم (و)الذى علينا أن نعتقده أن الرب جل وعز متعال (عن الانفعال كالإحساس بالتعب والآلام واللذات) والفرح والحزن لأنها علامات الاحتياج وسمات الحدوث (فالذى تلحقه هذه الأحوال يجب أن يكون حادثا مخلوقا يلحقه التغير وهذا) أكبر أدلة الحدوث فلا جرم أنه (يستحيل على الله تعالى) كما (قال) ربنا (تعالى) فى سورة ق (﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما فى ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾) أى أن الله خلق الأرض يومى الأحد والاثنين ثم خلق السماوات فى يومى الثلاثاء والأربعاء ثم خلق البهائم والأشجار ومرافق المعيشة يومى الخميس والجمعة وفى ءاخر يوم الجمعة خلق سيدنا ءادم عليه السلام ولم يلحق الرب عز وجل من ذلك تعب ولا لغوب و(إنما يلغب من يعمل بالجوارح والله سبحانه وتعالى منزه عن الجارحة) ولذلك قال الإمام أبو حنيفة رضى الله عنه فى الفقه الأبسط يد الله فوق أيديهم ليست كأيدى خلقه وليست بجارحة وهو خالق الأيدى ووجهه ليس كوجوه خلقه وهو خالق كل الوجوه اﻫ وقد (قال تعالى) فى سورة غافر (﴿إن الله هو السميع البصير﴾ فالله تعالى سميع وبصير بلا كيفية) أى من غير أن يكون سمعه وبصره صفتين تشبهان صفات الخلق (فالسمع والبصر) إذا وصف الرب بهما (هما صفتان أزليتان بلا جارحة أى بلا أذن أو حدقة وبلا شرط قرب أو بعد أو جهة وبدون انبعاث شعاع من البصر أو تموج هواء. ومن قال لله أذن فقد كفر ولو قال له أذن ليست كآذاننا) لأن معنى الأذن لا يليق بالله تعالى ولم يرد فى الشرع إطلاقها عليه سبحانه (بخلاف من قال له عين ليست كعيوننا ويد ليست كأيدينا بل بمعنى الصفة فإنه جائز لورود إطلاق العين واليد فى القرءان) صفتين لله تعالى مع كون العين تحتمل فى اللغة العربية من المعانى ما يليق بالله مما ليس جسما ولا جارحة وكذلك اليد (ولم يرد إطلاق الأذن عليه) كما تقدم فمن فعل ذلك فقد تعدى بوصف الله تبارك وتعالى بما لم يصف به نفسه وتعدى أيضا بإطلاق لفظ يدل على الحاجة ويقتضى الحدوث فى حقه عز وجل فلا عذر يمنع الحكم بالكفر عليه أعاذنا الله من مثل ذلك.
(تفسير قوله تعالى) فى سورة البقرة (﴿فثم وجه الله﴾)
(قال) الله (تعالى) فى سورة البقرة (﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ المعنى) أن المشرق ملك لله والمغرب ملك لله (فأينما توجهوا وجوهكم فى صلاة النفل فى السفر) على الراحلة (فثم قبلة الله أى فتلك الوجهة التى توجهتم إليها هى قبلة لكم) ففى هذه الآية إطلاق لفظ وجه الله مرادا بالوجه هنا القبلة وهو أحد معانيه لغة (ولا يراد بالوجه الجارحة) التى نعرفها (وحكم من يعتقد الجارحة لله) أى يعتقد أن الله تعالى متصف بجارحة من الجوارح[13] (التكفير) فإن تكفير المجسم هو مذهب السلف قطعا[14] وبه صرح الشافعى وأحمد ابن حنبل وغيرهما ونقل الطحاوى إجماع أهل السنة عليه بقوله رحمه الله تعالى ومن وصف الله بمعنى من معانى البشر فقد كفر اﻫ وعندئذ فلا يلتفت إلى قول بعض المتأخرين بعدم تكفير المجسم أو من ينسب الجارحة إلى الله تبارك وتعالى (لأنه لو كانت له جارحة لكان مثلا لنا يجوز عليه ما يجوز علينا من الفناء) والتغير والآفات وهذا ظاهر البطلان والقائل بأى من هذين الأمرين اللازم والملزوم جاهل بربه غير عارف به. هذا (وقد يراد بالوجه الجهة التى يراد بها التقرب إلى الله تعالى كأن يقول أحدهم فعلت كذا وكذا لوجه الله ومعنى ذلك فعلت كذا وكذا امتثالا لأمر الله) وتقربا إليه (تعالى) كما فى حديث ابن حبان مرفوعا أقرب ما تكون المرأة إلى وجه الله إذا كانت فى قعر بيتها اﻫ فليس للوجه فى هذا الحديث معنى إلا طاعة الله واستعمال لفظ الوجه على هذا المعنى صحيح لا حرج فيه (و)إنما (يحرم أن) يستعمل مضافا إلى الله بمعنى الجارحة كما تقدم ومثله يحرم أن (يقال كما شاع بين) قسم من (الجهال افتح النافذة لنرى وجه الله) مهما كانت نية اللافظ به (لأن) هذا الكلام يوهم أن لله جهة وأنه يرى بالعين فى الدنيا وكلاهما باطل فأما الأول فتقدم بيان بطلانه وأما الثانى فلأن (الله تعالى) أخبر فى سورة الأعراف أنه (قال لموسى) عليه الصلاة والسلام (﴿لن ترانى﴾) على أن كثيرا ممن ينطقون بهذا الكلام لا يفهمون منه معناه الفاسد بل يظنون أن معناه افتح النافذة لنرى خلق الله فهؤلاء لا يكفرون (و)مع ذلك أى (لو لم يكن قصد الناطقين به رؤية الله فهو حرام) لا يجوز التلفظ به.
(تفسير) قول الله تعالى فى سورة النور (﴿الله نور السماوات والأرض﴾)
قال ربنا عز وجل ﴿الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح فى زجاجة الزجاجة كأنها كوكب درى يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضىء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدى الله لنوره من يشاء﴾ (فقوله تعالى) فى أول الآية (﴿الله نور السماوات والأرض﴾ معناه أن الله تعالى هادى أهل السماوات) وهم الملائكة (و)المؤمنين من الإنس والجن من أهل (الأرض لنور الإيمان) اﻫ (رواه) الطبرى و(البيهقى) وغيرهما (عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما) ويدل عليه ءاخر الآية ﴿يهدى الله لنوره من يشاء﴾ وروى عن على رضى الله عنه أنه قرأ الله نور السماوات والأرض اﻫ ذكره ابن جزى وفى تفسير ابن السمعانى عن قتادة وغيره تفسير ﴿نور السماوات والأرض﴾ بمنورها اﻫ (فالله تعالى ليس نورا بمعنى الضوء بل هو الذى خلق النور) أى الضوء كما (قال تعالى) فى سورة الأنعام (﴿وجعل الظلمات والنور﴾ أى خلق الظلمات والنور فكيف يمكن أن يكون نورا كخلقه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وحكم من يعتقد أن الله تعالى نور أى ضوء التكفير قطعا) فإنه مشبه والمشبه كافر.
(وهذه الآية ﴿الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾ أصرح دليل على أن الله) تعالى (ليس حجما كثيفا كالسماوات والأرض وليس حجما لطيفا كالظلمات والنور) لأنه سبحانه أخبر فيها أنه خالق الحجم الكثيف مثل السماء والأرض والحجم اللطيف مثل الظلمة والضوء (فمن اعتقد أن الله حجم كثيف أو لطيف فقد شبه الله بخلقه والآية شاهدة على ذلك).
هذا و(أكثر المشبهة يعتقدون أن الله حجم كثيف) مستقر فى السماء أو على العرش (وبعضهم يعتقد أنه حجم لطيف) منتشر كالهواء فى الأماكن كلها أو أنه ضوء (حيث) إنهم (قالوا إنه نور يتلألأ) أبيض أو غير ذلك بل قال بعضهم إنه ضوء أسود تعالى الله عن ذلك (فهذه الآية وحدها تكفى للرد على) كل هؤلاء وهى حجة على (الفريقين) من شبه الله بالحجم الكثيف ومن شبهه سبحانه بالحجم اللطيف.
(وهناك العديد من العقائد الكفرية) وكلها ترجع كما قدم المصنف رحمه الله تعالى إلى كفر التعطيل أو التشبيه أو التكذيب (كاعتقاد أن الله تعالى) غير قادر أو غير عالم أو غير متكلم أو أنه (ذو لون أو ذو شكل) أو هيئة أو أنه لا يستحق أن يطاع فى هذا الزمن فى بعض ما أمر به أو أن بعض أحكام شريعة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم قد بطل فى هذا الزمان (فليحذر الإنسان من ذلك جهده على أى حال) أى سواء كان فى حال الفرح أو الحزن أو الأمن أو الخوف أو الصحة أو المرض أو السعة أو الضيق فإن الرب سبحانه وتعالى يستحق علينا التعظيم والتسليم له فى هذه الأحوال كلها.
(68) أى غير المجرب الذى يسهل خداعه.
(69) أطناب الجسد عصبه التى تتصل بها المفاصل والعظام وتشدها.
(70) أى معنى دل الدليل على أنه المراد وإن كان اللفظ يحتمل معنى ءاخر أسبق تبادرا للذهن منه بحسب اللغة لولا
الدليل.
(72) أى وإلا لما لجأ إلى تأويلها عن ظاهرها.
(73) حلوم جمع حلم بكسر الحاء وهو العقل واللب.
(74) أى مؤدى كلامهم أى ما يوصل إليه كلامهم.
(75) أى أبعد فى ما ذهب إليه عن طلب مقصوده.
(77) أى قياس للخالق على ما ألفه الشخص من المخلوقات فيعطيه حكمه بلا دليل.
(80) الجوارح جمع جارحة وهى عضو الإنسان وغيره الذى يكتسب به ومنه قيل لكواسب الطير والسباع جوارح.