الثلاثاء فبراير 10, 2026

الدرس الحادي والعشرون
أحسن الحسنات، وتوحيد الله ذاتا وصفة وفعلا

الأحد 3/2/1985م

الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين والمرسلين صلوات الله وسلامة عليهم أجمعين.

أما بعد، فقد روينا بالإسناد المتصل إلى الإمام أبي القاسم الطبراني في كتابه المسمى كتاب «الدعوات» المعروف بكتاب «الدعاء» من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا عملت سيئة فأتبعها بالحسنة»، قلت: أمن الحسنات يا رسول الله لا إله إلا الله؟ قال ﷺ: «هي أحسن الحسنات».

معنى الحديث أنه إذا عمل العبد سيئة صغيرة أو كبيرة يتبعها بالحسنة، والحسنة أنواع كثيرة منها ما هو من الفرائض ومنها ما هو من النوافل، فأي حسنة من الحسنات من عملها على سبيل السنة أي على ما يوافق ما جاء عن رسول الله ﷺ فإنها تكفر من السيئات ما شاء الله، وفي هذا الحديث أن لا إله إلا الله هي أفضل الحسنات وذلك لأنها كلمة التوحيد بها يدخل الكافر في الإسلام ولا يدخل بالتسبيح ولا بالتكبير ولا بالتحميد ولا بغير ذلك من أنواع التقديس لله تعالى، فلذلك كانت هي أحسن الحسنات.

فينبغي الإكثار منها أكثر من غيرها من أنواع الذكر، وقد روينا في «صحيح مسلم» وفي كتاب «الدعاء» للبيهقي رحمهما الله تعالى أن رسول الله ﷺ قال: «أحب الكلام إلى الله تعالى أربع: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر». في هذا الحديث رسول الله ﷺ جمع الأربعة في سياق واحد لكنه لم يقدم ذكر «لا إله إلا الله» بل قدم ذكر «سبحان الله» وليس ذلك للدلالة على أن «سبحان الله» أفضل مما بعدها، ليس ذلك للدلالة على أن «سبحان الله» أفضل من «لا إله إلا الله» أما أن تكون أفضل من «الحمد لله» فذلك قريب محتمل وكذلك محتمل أن تكون من حيث الثواب في بع الحالات أفضل من «الله أكبر».

الرسول ﷺ لم يرد بهذا السياق الذي ورد في هذا الحديث الترتيب على حسب الفضل، إنما مراده أن هذه الأربع هي أفضل الكلمات أي أنها أفضل من غيرها من أنواع الذكر والتمجيد لله تعالى، هذا المراد، أما التفاضل فيما بينها فيعرف من دليل خارج ءاخر كهذا الحديث الذي فيه أن «لا إله إلا الله أحسن الحسنات، فقول الرسول ﷺ إنها أحسن الحسنات أفهمنا أنها أفضل من جميع أنواع الذكر، ثم غن هذه الكلمات الأربع منها ما هو فرض في بعض العبادات، «الله أكبر» فرض في تحريمة الصلاة لأن افتتاح الصلاة هو التكبير فنظرا لهذه الحيثية التكبير له فضل خاص حيث إنه جعل مفتاحا للصلاة التي هي من أفضل الأعمال.

ثم إنه ورد في فضل «لا إله إلا الله» حديث صحيح غير هذا وهو ما رواه مالك في «الموطأ» وغيره أن رسول الله ﷺ قال: «أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له» وفي لفظ: «أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الـملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» فهذا الحديث الصحي الثابت الذي رواه الإمام مالك رضي الله عنه في «الموطأ» وغيره من أئمة الحديث دليل واضح على أن «لا إله إلا الله» أفضل ما يقال أي أفضل ما يمتدح به الرب أفضل ما يمجد به الرب تبارك وتعالى.

نرجع إلى شرح حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه الذي رواه أبو القاسم الطبراني في كتابه المعروف بكتاب «الدعاء»، قال أبو ذر: قال رسول الله ﷺ: «إذا عملت سيئة فأتبعها بالحسنة»، قلت: أمن الحسنات يا رسول الله لا إله إلا الله؟ قال: «هي أحسن الحسنات»، قال: «هي» أي: لا إله إلا الله «أحسن الحسنات» أي: أفضلها، أي: أن لا إله إلا الله أفضل ما يتقرب به إلى الله مع خفتها على اللسان وعدم المشقة في النطق بها.

ليس هناك في الشرع قاعدة كلية أن ما كان من الأعمال أشق وأكبر كلفة أفضل من غيره، هذه ليست قاعدة شرعية، بل من الأعمال ما هو أخف وهو أفضل من غيره من سائر الأعمال الصالحة كهذه الكلمة الشريفة لا إله إلا الله، هي خفيفة على اللسان لكن الله تعالى جعلها أفضل الحسنات، فمهما عمل الإنسان من الأعمال الحسنة فإن لا إله إلا الله مقدمة في الفضل عند الله، وذلك أنها الباب إلى الإسلام. الكافر الذي يريد الدخول في الإسلام لا خالق إلا الله صح إسلامه أي ثبت له الإسلام، كذلك لو قال لا رب إلا الله قالوا صح إسلامه، قالوا كذلك لو قال لا رب إلا الرحمن أو لا إله إلا الرحمن لأن هؤلاء الكلمات كل بمعنى لا إله إلا الله لكن أفضل ذلك كله هذه الصيغة لا إله إلا الله، ثم من أراد الدخول في الإسلام فلو نطق بترجمتها بلغته التي يعرفها صح إسلامه ليس شرطا للدخول في الإسلام أن ينطق بعين اللفظ العربي بل لو نطق بترجمتها دخل في الإسلام، أما إضافة أشهد إلى هذه الكلمة مقرونة بأن أي قول أشهد أن لا إله إلا الله قال الفقهاء فهو أؤكد لمن يريد الدخول في الإسلام، حتى إن بعض الفقهاء شذوا فقالوا: لا يصح الدخول في الإسلام أن يقول أشهد أن لا إله إلا الله لأن «أشهد» تعطي معنى يؤكد مضمون هذه الشهادة، مضمون هذه الكلمة الشريفة، لأن «أشهد» تدل على أن هذا المتلفظ بها يعترف عن إيقان واعتقاد وعلم، ليست بمثابة أعلم، فلو قال أعلم أن لا إله إلا الله ليست بمرتبة أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله فيا زيادة تأكيد لإثبات الألوهية لله تعالى لدلالتها على الاعتراف والاعتقاد والإيقان.

فمعنى أشهد أن لا إله إلا الله أنا موقن ومعتقد وجازم بلا تردد ولا شك وأنا عالم بأنه لا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا الله، أي لا يستحق أحد أن يتذلل له نهاية التذلل إلا الله، أي: أن الله تعالى هو المنفرد باستحقاق نهاية التذلل، أي: أنه هو الذي يجوز أن يتذلل له نهاية التذلل، ومن سواه من ملائكة وأنبياء وغيرهم مما خلق الله تعالى لا يستحق هذه العبادة أي التي هي نهاية التذلل.

ثم كلمة لا إله إلا الله فيها دلالة على جميع ما يجب لله تعالى أن يتصف به من صفات الكمال التي هي لا تثبت الألوهية إلا بها، لا تثبت الألوهية بدونها، من ذلك الحياة تدل على أن الله حي، تدل على أن هذا الذي يستحق نهاية التذلل حي ليس ميتا، وتدل على العلم أي تدل على أن هذا الإله الذ هو منفرد باستحقاق نهاية التذلل عالم بكل شيء، وتدل على أنه متصف بالقدرة أي الاقتدار على اختراع ما أراد دخوله في الوجود.

وهذا اللفظ متضمن للإرادة أي أن الله تعالى يخصص ما شاء بما شاء، يخصص ما شاء بالدخول في الوجود فيدخله في الوجود، ويخصص ما شاء بصفة دون صفة أي بدل صفة هي تقابلها، فبالمشيئة خصص الله تعالى الحادثات بما فيها من صفات مختلفة، هو خصص الإنسان بصفات خاصة به بدل أن يجعله كغيره من مخلوقاته، وخصص غير الإنسان أيضا بصفات شاء أن تختص به.

هؤلاء الصفات الأربع الحياة والعلم والقدرة والإرادة، هذه لا تصح الألوهية بدونها، الله تبارك وتعالى يجب أن يكون ذاتا متصفا بهؤلاء الصفات الأربع، الحياة فلا بد أن يكون متصفا بالحياة لكن ليست كحياة غيره، ومتصفا بالعلم لكن لا كعلم غيره بل علم لا يشبه علم غيره، ومتصفا بقدرة لا تشبه قدرة غيره، ومتصفا بإرادة أي مشيئة لا تشبه مشيئة غيره، وذلك لأن حياته أزلية أبدية، وكذلك علمه أزلي أبدي ليس مكتسبا ليس علما يحدث له شيئا بعد شيء بل هو عالم في الأزل بعلم لا ابتداء لوجوده، كما أن ذات الله ابتداء لوجوده فعلمه لا ابتداء لوجوده.

وكذلك يجب أن تكون قدرته غير مشابهة لقدرة غيره لأن قدرته أزلية أبدية ليست مكتسبة ولا تقبل الزوال كقدرة غيره. نحن قدرتنا كانت معدومة، لم تكن شيئا ثم أوجدها الله ثم بعد أن وجدت تقبل الزوال والانعدام، ثم تتطور قدرتنا. وكذلك علمنا يتطور إما إلى الزيادة وإما إلى النقصان، كذلك قدرتنا تتطور إما إلى الزيادة وإما إلى النقصان أو الانعدام، كذلك إرادتنا تتطور إلى القوة أو الضعف أو الانعدام.

وأما الله تبارك وتعالى فتجب له هذه الصفات الأربع من غير أن تكون كصفات غيره، أي من غير أن تكون حياته كحياة غيره، ومن غير أن يكون علمه كعلم غيره ومن غير أن تكون قدرته كقدرة غيره ومن غير أن تكون إرادته كإرادة غيره. هي الإرادة والمشيئة بمعنى واحد لكن المشيئة ليس لها إلا معنى واحد وهو تخصيص الممكن العقلي ببعض ما يجوز عليه دون بعض. الإنسان خلق ءاخر الخلق وكان جائزا في العقل أن يكون هو أول مخلوق لله، لكن الله تبارك وتعالى ما جعله أول مخلوق بل جعله ءاخر الخلق، باعتبار نوع الموجودات وجنس الموجودات البشر ءاخر الخلق.

ءادم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام كان ءاخر الخلق بعد أن خلقت السماوات والأرض وخلقت منافع الأرض من جبال وأشجار وأنهار وغير ذلك حتى البهائم ءاخر النهار السادس أي يوم الجمعة (خلق)، لأن بدء خلق الأرض كان يوم الأحد. ثم تم تكوينها يوم الاثنين ثم كان بدء خلق السماوات السبع وتم تكوينها يوم الأربعاء. الثلاثاء والأربعاء كونت السماوات السبع، فهؤلاء السماوات والأرض كونتا في أربعة أيام، ثم كون الله تعالى مرافق هذه الأرض التي نحن نعيش عليها من جبالها وأنهارها وغير ذلك مما أودعه فيها. وكان ذلك في اليومين التاليين وهما الخميس والجمعة فكان تكوين ءادم يوم الجمعة ءاخر ساعة.

والله تبارك وتعالى خص البشر بأن يكون ءاخر الخلق بدل أن يكون أول الخلق. كان في العقل جائزا أن يكون البشر أول العالم أي أن يكون هو أول مخلوق قبل أي شيء من العالم، قبل العرش والقلم والماء، لكن الله تعالى بمشيئته الأزلية خصص البشر بأن كان وجوده في هذا الوقت وهو ءاخر النهار من يوم الجمعة. ولم يخلق بعده جنس جديد، أما الأفراد فقد حدثت أفراد كثيرة بعد ذلك، أصناف البهائم والحشرات كلها كانت قبل ءادم.

وخصص الله تعالى الماء بأن كان أول العالم على الإطلاق، لم يخلق الله قبل الماء شيئا لا من اللطائف ولا من الكثائف، ثم خصص العرش بأن كان ثاني المخلوقات ثم خصص القلم الأعلى بأن كان ثالث المخلوقات ثم خصص اللوح المحفوظ بأن كان رابع المخلوقات. وكان من الجائز عقلا أن يكون الماء ءاخر المخلوقات لكن الله تعالى خصصه بأن كان أول المخلوقات، هذا معنى المشيئة، تخصيص الممكن العقلي ببعض ما يجوز عليه بدلا عن غيره. وكان من الجائز العقلي أن يكون الإنسان على غير هذا الشكل الذ هو عليه لكن الله تعالى خصصه بهذا الشكل بدل غيره من الأشكال وهكذا في سائر الأشياء.

فالحاصل: أن المشيئة معناها تخصيص الممكن ببعض الصفات دون بعض، كما خصص الإنسان بوجوده في الوقت الذي وجد فيه وكان جائزا في العقل أن يكون موجودا قبل ذلك كأن يكون أول الخلق أو في وسط أجناس المخلوقات من غير أن يكون أولها ولا ءاخرها، لكن الله خصصه بأن جعله ءاخر الخلق. كذلك خصص الماء بأن جعله أول الخلق إلى غير ذلك مما لا يحصى من الصفات التي تقوم بالمخلوقات. والله تبارك وتعالى خصص كل نوع من أنواع الجائزات العقلية وهي هذه الحادثات، أنواع العالم، بالصفات التي في هذا الجنس.

هذا التخصيص تخصيص الله للممكنات العقلية ببعض ما يجوز عليها بدل بعض ءاخر يقال له المشيئة. وأول ما خصصت به أجناس العوالم الوجود، كان جائزا في العقل أن لا يوجد شيء من العالم، لكن الله تعالى أحدث هذه العوالم بقدرته الأزلية ومشيئته الأزلية وعلمه الأزلي، أدخل هذا العالم في الوجود وخصص كل جنس بل وكل فرد بما شاء له من الصفات والأحوال. فمعنى المشيئة هذا التخصيص ليس معنى المشيئة المحبة، لذلك نقول شاء الله وجود المؤمنين والكافرين أي دخولهم في الوجود، ثم نقول الله تعالى يحب المؤمنين ويكره الكافرين، ونقول الله تعالى يحب من أعمال العباد الحسنات ويكره المعاصي، وكل دخل في الوجود بتخصيص الله تعالى، لولا تخصيص الله تعالى للحسنات بالوجود ما وجدت.

هذه الطاعات التي يفعلها الملائكة والمؤمنون وجدت بتخصيص الله تبارك وتعالى لها بالوجود، ولولا تخصيص الله ما وجدت، كذلك هذه الكفريات والمعاصي وجدت بتخصيص الله لها بالوجود بدل أن تبقى معدومة أدخلها في الوجود، هذا معنى المشيئة، أما المحبة معناها غير ذلك.

ويقال الله تبارك وتعالى شاء كل ما دخل في الوجود من أعيان الأشياء أي من ملائكة وإنس وجن وبهائم وحشرات فوجدت، فلولا مشيئته أي تخصيصه لها بالوجود بدل العدم ما وجدت.

أما باعتبار المحبة فالله تبارك وتعالى لا يحب كل ما أدخله في الوجود بل يحب قسما ويكره قسما. فالمعاصي من الكفر فما دونه وجدت بمشيئة الله تعالى ليست هي محبوبة له لكن هو خصصها بالوجود ولولا ذلك ما وجدت. لولا تخصيصه تبارك وتعالى لها بالوجود ما وجدت المعاصي بالمرة، ما كان يوجد معصية له، لكان كل البشر وكل الجن مؤمنين طائعين كالملائكة. الله تعالى خصص الملائكة بأن جعل كل فرد منهم مؤمنا طائعا لا يعصي خالقه بالمرة.

فكثير من الناس ولا سيما المعتزلة التبس عليهم الأمر فقالوا: «ما شاء وجوده من الأعمال أحب وجوده وما لم يشأ وجوده من أعمال العباد لم يحب وجوده». فعلى زعم هؤلاء الضالين الله تعالى شاء من كل الإنس والجن أن يعملوا الحسنات، ما شاء أن يعمل أحد منهم معصية، لأنهم استحدثوا عقيدة ما كانت في المسلمين، قالوا: «الله تعالى خلق الأجسام فقط أما حركاتنا وسكناتنا ونوايانا واعتقاداتنا كلها ليست بخلقه، نحن خلقناها، ما كان حسنة وطاعة نحن خلقناه، وما كان سيئة ومعصية نحن خلقناه» هذا أصل من أصول الكفر، الإسلام بريء منه. فلما وجدت هذه العقيدة، عقيدة الاعتزال، لم يقبلها أحد من السلف بل استنكروها كلهم.

عبد الله بن عمر بن الخطاب كان أخبر عن شخص بأنه يقول كذا من أقوال المعتزلة فتبرأ منه. ثم عمر بن عبد العزيز أخبر عن شخص من هؤلاء المعتزلة أنه يقول كذا من أقوالهم فاستدعاه فعرض عليه التوبة فتاب عن ذلك ظاهرا أي أظهر التوبة فأعفاه من القتل. وعمل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه رسالة في الرد عليهم وكذلك الحسن البصري وهاذان من التابعين، عمر بن عبد العزيز ممن لقي الصحابة، كذلك الحسن البصري من التابعين ممن لقي الصحابة.

أصل مصيبة المعتزلة عدم فهمهم لمعنى المشيئة فلو فهموا أن المشيئة ليست بمعنى المحبة ما وقعوا في هذا الجهل، كانوا سلموا من هذا الانحراف لكنهم ظنوا أن المشيئة هي المحبة وأنها هي الرضى. هم قريبون من المجوس عبدة النار، المجوس جعلوا ما يحصل في العالم لمدبرين، قالوا: للعالم مدبران مدبر خير ومدبر شر، فهؤلاء المعتزلة أشبهوا أولئك لأنهم قالوا: الأجسام يخلقها الله وأما الحركات والسكنات فليس الله خالقها وكذلك النوايا، حتى البهائم والحشرات الصغار عندهم هي تخلق أعمالها حركاتها وسكناتها وكفى بهذا الاعتقاد ضلالا.

المخلوق له اختيار لكن اختياره ممزوج بجبر، إذا نظرنا إلى أن أعمال العبد الاختيارية سبق علم الله بها وأن الله هو يخلقها بمشيئته الأزلية أشبه المجبور، وأما إن نظرنا إلى الحالة التي هي حالة فارقة بين حركة الارتعاش وحركة الاختيار فهو مختار.

يقال للرد على المعتزلة: الله تبارك وتعالى كان عالما في الأزل بأن فرعون وأبا جهل ونمرود يكونون كذا كذا، كان عالما بما سيصيرون إليه هؤلاء أم لا؟! أغلب المعتزلة يقولون: الله تعالى كان عالما بما يصير إليه هؤلاء الكفار، فيقال لهم: اتفقنا هنا، نحن وإياكم اتفقنا في مسالة العلم أي علم الله، أنتم تقولون كان عالما بمصير هؤلاء أي بما سيعملونه إلى أن يموتوا من الأعمال، نحن وإياكم اتفقنا على هذا، لكن خالفتمونا بقولكم إن هؤلاء هم خلقوا كفرهم ومعاصيهم بإرادتهم وقدرتهم، (وقلتم) الله تعالى ما شاء وجود كفرهم هذا منهم، ما شاء ولا خلق هم خلقوا هذا العمل الذي هو كفر والعمل الذي هو معصية. وقلتم نحن حجتنا في ذلك أنه لو كان شاء كفرهم هذا ثم عاقبهم على ذلك في الآخرة لكان ذلك جورا وظلما. نقول لكم: هل لهم من بد من أن يكفروا أي أن ينساقوا إلى الكفر بإرادتهم، بمشيئتهم الحادثة أم يستطيعون أن لا يكفروا وقد علم الله مصيرهم أي أنهم يكفرون فيموتون كافرين؟ هل لهم من بد؟! هنا ينقطعون يقولون: ليس لهم بد من أن يعملوا هذه الكفريات والمعاصي، هنا نحن كسرناهم بالحجة العقلية. فإن قالت المعتزلة: بإمكانهم أي أبي جهل وفرعون أن لا يعملوها أي للأعمال الكفرية ولا تحصل منهم، معنى ذلك كان نسبة الجهل إلى الله أي أن علم الله يتخلف. أهل السنة لا يقولون بالجبر المطلق إنما يقولون بأنه لا بد للعبد من أن يتحقق فيه وينفذ فيه ما سبق علم الله به. المحدثات كلها تابعة لعلم الله، لا تخرج عن علم الله، فما علم الله في الأزل أنه يكون أي يحصل من حركات العباد وسكونهم وعقائدهم لا بد أن يكون، وما لم يسبق في علم الله وجوده لا يكون، لا يحصل. إذا نظرنا إلى هذا كأن العباد مجبرون لكن هناك أمر فارق بين الأعمال الاضطرارية والأعمال الغير اضطرارية، نجد فارقا ضروريا، الشعور به ثابت من الفرق بين الحركتين، نجد أمرا ضروريا فارقا بين الحركتين حركة الاختيار للعبد وحركة الارتعاش والاضطرار للعبد، هذا الفرق يكفي لإثبات الاختيار للعبد، أما أن يتمكن العبد أن لا يفعل شيئا سبق علم الله بحصوله منه فلا يكون.

هذه المشيئة الحادثة التي هي يخلقها الله في العباد لا تؤهلهم لأن يكونوا خالقين لأعمالهم، ومع ذلك ينسب لهم الفعل لأنهم ظاهرا مختارون لأعمالهم التي هي غير اضطرارية. يكفينا لإثبات الاختيار للعبد هذا القدر. أما ما زاد على هذا القدر فهو ينافي الشرع والعقل، قال الله تعالى: {هل من خالق غير الله} [فاطر: 3] وقال: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم} [الأنعام: 110]، إذا كان عمل القلب مخلوقا لله تعالى بعلمه الأزلي ومشيئته الأزلية وقدرته الأزلية فما بال الحركات الجسمانية التي يزاولها الإنسان بجوارحه الحسية.

نقول الإنسان ظاهرا مختار، العبد ظاهرا مختار، أما بالنظر إلى سبق علم الله الأزلي وأنه لا يخلق أحد شيئا ما من أعيان وأعمال أي حركات وسكون إلا الله فهو أي اختيار العبد ليس اختيارا كليا. يكفي هذا القدر لإثبات التكليف وترتب الثواب والعقاب في الآخرة، يكفي هذا القدر. فمن لم يقتنع بهذا القدر فليس له نجاة، لا سلامة له من أن يقع فيما وقعت فيه المعتزلة أي القول بأن العبد هو يخلق حركاته وسكونه وأن الله تعالى ليس له تصرف في ذلك. المعتزلة قالوا: الله تصرف بالجسم ثم أعطى هذا الجسم قدرة، فهذا الجسم يخلق ما يشاء بدون إرادة من الله إن كان معصية وإن كان حسنة، هم هكذا يقولون. وكلامهم هذا ظاهر مصادمته للنصوص الشرعية وللقضية العقلية، العقل يقضي بأن يكون كل ممكن عقلي من جسم ومعنى كل حادث يدخل في الوجود من حركات العباد وسكناتهم وأجسامهم وعقائدهم كل ذلك بخلق الله. إنما الذي لا يدخل في ذلك الله ذاته وصفاته لا يدخلهما الحدوث، لا يدخلهما اختلاف الأحوال والتطور.

فالنجاة فيما ذهب إليه أهل السنة من الاقتصار على إثبات الاختيار الذي هو لا يؤهل العبد بأن يخلق شيئا من أعماله، من لم يرض بهذا القدر فليس بينه وبين الهلاك حاجز.

فاختيار العبد لا يحصل إلا بمشيئة الله الأزلية {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} [التكوير: 29]، ومع ذلك الله تبارك وتعالى، الذي هو الحاكم الذي يقضي ولا يقضى عليه، رتب الثواب والعقاب على أعمال هؤلاء العباد، وعد تفضلا منه على ما يحصل منهم من الحسنات بمشيئته تبارك وتعالى وقدرته وعونه وتوفيقه ثوابا جزيلا في الآخرة. (وإن) لم يعطهم ذلك الثواب لم يكن ظالما، إنما هو متفضل عليهم (إن أعطاهم)، وأوعد من يكفر أو يعصي بعذاب أليم في الآخرة فهو بالنسبة لما شاء لأولئك الطائعين له متفضل متكرم عليهم بأن جعل مآلهم النعيم المقيم وهو عدل بالنسبة لما أعده لأولئك الآخرين من العذاب الأليم.

لذلك قال تبارك وتعالى: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} [الأنبياء: 23] معناه: أن الله تعالى ليس محكوما لغيره بل هو الحاكم المطلق. هؤلاء العباد المؤمنون الطائعون يثيبهم بجنات النعيم ويخلدهم فيها من غير أن تنقطع عنهم إلى غير انتهاء فضلا وكرما منه لأنهم ما خلقوا شيئا من هذه الحسنات. هو وفقهم وهو أعطاهم القدرة عليه وهو ألهمهم حتى عملوها ثم فضلا منه وكرما من غير أن يكون هو ملزما مديونا لهم تفضل عليهم بالنعيم المقيم في الآخرة، وجعل مآل أولئك الآخرين الذين كفروا به وكذبوا رسله والعصاة الذين ماتوا بلا توبة ولم يعف عنهم مآلهم العذاب الأليم، لكن مع فرق بين العصاة الذين هم مسلمون وبين أولئك الكفار لأنه جعل عقوبة هؤلاء لمن شاء أن يعاقبه لا لمن شاء أن يسامحه ويعفو عنه أن يصيبه من العذاب ما شاء الله تعالى ثم يفارقه ويدخله جنات نعيم، فلا هؤلاء أي المؤمنون الطائعون يستحقون على الله بطريق الوجوب واللزوم، ولا أولئك لهم حق على الله تبارك وتعالى لازم، وليس لهم بأن ينسبوا إليه ظلما.

عمر بن عبد العزيز قال: «لو شاء الله أن لا يعصى ما خلق إبليس»، معناه: سبقت مشيئة الله الأزلية بأنه يكون في عباده من يكفر كما يكفر إبليس، أي: خلق إبليس الذي علم أنه سيكون غاويا مغويا إلى ءاخر حياته ليكون له أتباع من الإنس والجن يتبعونه في ذلك، أي في معصية خالقهم، صدق رضي الله عنه فيما قال.

ماذا يفعل الإنسان، ليس له حق في شيء إلا أن يرضى بقضاء ربه، يقول في نفسه وقلبه: «يا رب أنت شئت بمشيئتك الأزلية ما سأصير إليه وأنت عدل لست بظالم فإن شئت لي أن أموت على حالة حسنة فأكون من الناجين فذلك فضل منك، وإن شئت لي بمشيئتك الأزلية غير ذلك فليس عليك اعتراض» هذا نهاية مقام العبد، ءاخر ما يقف عنده العبد هو هذا.

وقد جاء في الحديث الصحيح في الدعاء الذي هو مأثور عن رسول الله ﷺ سؤال الرضى بالقضاء. الله تعالى لا اعتراض عليه، إن جعل عبده طائعا وأماته على طاعته فله الفضل، وإن جعل عبده خلاف ذلك فليس عليه اعتراض، فمن اعترض لا يستفيد شيئا إلا وبالا، ما خلقنا عن مشاورة لآبائنا وأمهاتنا، ثم ما خلقنا كما نحن نشاء بل خلقنا كما شاء هو، وهو يصرفنا كيف يشاء. وكان من جملة الدعاء الوارد عن رسول الله ﷺ مما ثبت: «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك» رواه مسلم، قال: «مصرف القلوب» وصفه تبارك وتعالى بأنه مصرف القلوب، وحركات القلب أسرع من حركات الجوارح فإذا كانت حركات القلب بخلقه تبارك وتعالى فماذا يكون أعمال الجوارح، كل بمشيئته فليس هناك إلا رجاء رحمته.

نحن لا نعلم ما شاء الله تبارك وتعالى أن يحصل منا بعد هذه اللحظة، نحن نعلم ما حصل منا إلى هذه اللحظة، نقول الله تعالى شاء فحصلت منا هذه الأعمال التي حصلتن أما ما بعد هذه اللحظة خالقنا أعلم بها، مع ذلك نأمل ونرجو إحسانه، ندعوه بأن ييسر لنا أعمال البر ويلهمنا ذلك، هو يقب أحوال عباده كيف شاء في الأزل على حسب ما سبقت به مشيئته في الأزل وعلمه في الأزل، يقلب عباده ليس على إرادة جديدة تحدث له ولا على علم حادث يحدث له، لا؛ بل بإرادته الأزلية وعلمه الأزلي يصرف عباده كيف يشاء، هذا الحديث أخرجه مسلم والبيهقي والحاكم وغيرهم وأوله: «إن قلوب بني ءادم بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء»، ثم قال رسول الله ﷺ: «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك»، معنى إصبعين من أصابع الرحمن أي تحت قبضته وتصرفه هذا المعنى، ليس المعنى أن الله تعالى له جوارح. لغة العرب واسعة فيها المجاز وفيها الحقيقة.

ورد في القرءان الكريم وفي حديث الرسول ﷺ عبارات هي تنطبق عليها أساليب اللغة لكن من فهم تلك الأساليب وحمل الآيات والأحاديث على مقتضاها هذا يكون فهم هذه الآيات وهذه الأحاديث على وجهها، وأما من فهمها على غير وجهها فقد هلك. فهم معنى الرضى والمحبة والأمر والمشيئة والإرادة هذا نعمة من الله تبارك وتعالى على من فهم ذلك لأن كثيرا من الخلق هلكوا لعدم فهمهم لهذا.

من هنا أي من أجل أهمية مسألة القدر معرفة معنى القدر ومعرفة معنى المحبة والرضى، ومعرفة معنى المشيئة والأمر ولعظم الخطر لمن يزيغ في فهم هذه الأشياء قال كثير من السلف الصالحين: «من لم يؤمن بالقدر فقد كفر».

هذه العبارة وجيزة لكن تحمل معاني جمة، هنا ينبغي الاعتناء بالفهم لأن الخطر هنا ليس أمرا هينا، لذلك ينبغي للإنسان أن يفهم هذا المعنى فهما صحيحا، لأن من زل في هذه المسألة زل إلى الهلاك.

هذا الدرس لا ينبغي أن يمل منه أحد حتى يتقنه فإن أتقنه يعتني بما سوى ذلك من المهمات. علم العقيدة علم مهم، لذلك أبو حنيفة سماه الفقه الأكبر، فهم هذه المسائل سماه الفقه الأكبر، أما الفقه بأحكام الصلاة بأحكام الصيام بأحكام الزكاة بأحكام الحج إلى غير ذلك هذا معناه الفقه الأصغر، لأن الخطر في إهمال هذا خطره هلاك أبدي، أما الصلاة فمن ءامن بها أنها حق واجب إن أداها كما أمر الله فله الأجر الجزيل وإن أهملها استحق عذاب الله لكن الرسول ﷺ قال: «إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه». الذي لا يأتي بالصلاة إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه، أما هذا الذي زل بمسألة القدر فقال كما يقول المعتزلة ولو كان يصلي ويصوم فليس له إلا الهلاك الأبدي. الله يتولانا برحمته.

ثم في الحديث: «إصبعين من أصابع الرحمن» معناه: تحت تصرف الله لأنه في لغة العرب الشيء الخفيف على الشخص الذي لا يكلف مشقة يقول: «أنا بإصبعين من أصابعي أعمل هذا الشيء» معناه: هذا الشيء سهل علي. القدرة هي صفة أزلية أبدية يوجد الله بها ما يصح في العقل وجوده، فظهر أن القدرة وظيفتها إيجاد ما يصح في العقل وجوده، أما ما لا يقبل العقل وجوده فلا وظيفة للقدرة به. الله تعالى أزلي والمخلوقات حادثة تقبل الفناء من حيث العقل فلا يصح في العقل أن يكون الأزلي حادثا والحادث أزليا، لأنه لو قيل: «يجوز أن يجعل الله تعالى شيئا ما إلها» معنى ذلك أن الله تبارك وتعالى يجعل الحادث أزليا وهذا شيء لا يقبله العقل، القدرة لا تتعلق بهذا، أما الممكن العقلي الشيء الذي يجوز عليه عقلا الوجود والعدم هنا وظيفة القدرة. كل شيء من العالم يصح عقلا أن ينعدم لكن الله تبارك وتعالى جعل العالم قسمين قسم خلقه للبقاء لا ينعدم لكن هو في حد نفسه يقبل العدم، الجنة كهذه الأرض جسم حادث فمن حيث العقل يجوز عليها العدم، لكن الله شاء بقاءها فهي أبدية.

ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين ءامنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.