الأربعاء فبراير 18, 2026

اتفق أهل السنة على وحدة كلام الله تعالى. قاله الإمام أبو علي السكوني الإشبيلي المتوفى سنة 717 هـ، وكذلك الحافظ البيهقي ذكر وحدة الكلام في كتابين من كتبه. وأهل السنة يعتقدون أن الله تعالى صفاته لا تشبه صفات خلقه، والله متكلم بكلام ليس حرفًا ولا صوتًا، لأن الكلام الذي يكون بالحرف والصوت مخلوق، والله لا يتصف بحادث. فقد قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه في كتابه الفقه الأكبر: “نحن نتكلم بالآلات والحروف والله يتكلم بلا آلة ولا حرف”.

الكلام القائم بذات الله ليس حرفًا وصوتًا، يسمعه الإنس والجن في الآخرة، وأما الكلام الذي هو حرف وصوت كالقرآن الذي نقرؤه بالحروف والتوراة والإنجيل والزبور فهذه عبارات عن كلام الله، ليست عين الكلام الذاتي.

ثم إن الله تبارك وتعالى أخبر في القرآن أنه يخلق الأشياء بكلامه، وكل ما خلق الله وما سيخلقه وجوده بكلام الله تعالى. وهذا معنى قوله تعالى: (إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون)، أي أن الشيء الذي أراد الله وجوده يخلقه بكلامه الأزلي، وليس المعنى أنه ينطق بالكاف والنون، لأن النطق بالكاف والنون من صفاتنا. القول بأن الله يخلق الأشياء بالكاف والنون معناه أنه يخلق الأشياء بعد النطق بالكاف والنون، وهذا مستحيل، إنما المعنى أنه يخلق الأشياء التي أراد وجودها بالكلام الأزلي الذي ليس حرفًا ولا صوتًا.

(1) قال العلامة أبو علي السكوني الإشبيلي المالكي المتوفى سنة 717 هـ في كتابه التمييز لما أودع الزمخشري من الاعتزال في تفسير كتاب العزيز: “وكلام الله سبحانه واحد بإجماع الأمة”.

(2) قال البيهقي في كتابه الاعتقاد: “وكلام الله واحد لم يزل ولا يزال”.

مهما خطر ببالك فالله لا يشبه ذلك. مسألة صفة الكلام لله تعالى مهمة ومن أهم المسائل التي تكلم بها العلماء واهتموا بشرحها. الله تعالى موصوف بصفة الكلام، وهي ليست كصفات المخلوقين، كلام الله واحد غير متعدد، وكلامنا متعدد. كلام الله ليس حرفًا ولا صوتًا ولا لغة، وليس بانسلال هواء ولا باصطكاك أجرام، كلامنا يكون بحرف وصوت ولغة ومخلوق، وكلام الله لا يشبه كلام المخلوقين. أهل السنة والجماعة وسط بين طرفي شذوذ: بين شذوذ المشبهة وشذوذ المعطلة.

المجسمة المشبهة قالوا: الله متكلم بكلام هو حروف وأصوات متعددة يحدث في ذاته ثم ينقطع. والعياذ بالله. المعتزلة قالوا: لا يوصف بصفة الكلام وإنما كلامه تعالى حروف وأصوات يخلقها في غيره كاللوح أو جبريل أو الرسول وهو حادث أي مخلوق. وأهل السنة أثبتوا الصفة من غير تشبيه ولا تعطيل، وقالوا إن كلام الله ليس حرفًا ولا صوتًا ولا لغة لأنه لو كان كذلك لكان ككلام المخلوقين، كما قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: “نحن نتكلم بالآلات من المخارج والحروف والله متكلم بلا آلة ولا حرف”.

كلام الله الذي هو صفة له ليس مخلوقًا، ومن قال إنه مخلوق فقد كفر لأنه جعل الحدوث يطرأ على الله. في زمن الإمام أحمد بن حنبل حصلت فتنة خلق القرآن، وأراد الشاذون القول بأن صفة الكلام لله مخلوقة، فرفض الإمام أحمد وعذب لكنه لم يزحزح عن عقيدته.

أما القرآن الذي نقرأه فهو حرف وصوت ولغة، واللفظ المنزل يدل على كلام الله الأزلي الأبدي، لكنه ليس عين صفة الكلام لله. قال الله تعالى: (إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون)، وهذا يعني سرعة الإيجاد، وما شاء الله أن يكون لابد أن يكون في الوقت الذي شاء الله فيه أن يكون.

فائدة مهمة: مما استدل به أهل الحق على أن كلام الله تعالى ليس حرفًا ولا صوتًا قوله تعالى: (ثم ردوا إلى الله مولاه الحق وهو أسرع الحاسبين) (الأنعام 62). لو كان كلام الله حرفًا وصوتًا كخلق الله، لجاز عليه كل صفات الخلق من الحركة والسكون وهذا محال، لذلك وجب أن يكون كلام الله غير حرف وصوت، والله أسرع الحاسبين.

وقال الإمام البخاري في كتابه خلق أعمال العباد: “القرآن كلام الله وليس بمخلوق”.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله، والله أعلم وأحكم.