قال الإمام المفسر السلفي محمد بن جرير الطبري في كتابه «تفسير الطبري» ما نصه([1]): «وقوله: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} يقول – تعالى ذكره – إنما يخاف الله فيتقي عقابه بطاعته العلماء، بقدرته على ما يشاء من شيء، وأنه يفعل ما يريد، لأن من علم ذلك أيقن بعقابه على معصيته؛ فخافه ورهبه خشية منه أن يعاقبه». اهـ.
وذكر مثل ذلك المفسر محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي في تفسيره «الجامع لأحكام القرءان»، والمفسر الحسين بن مسعود البغوي في تفسيره المسمى «معالم التنزيل»، والمفسر الإمام أبو الفرج ابن الجوزي الحنبلي في تفسيره «زاد المسير»، والخازن في تفسيره، والرازي في «التفسير الكبير».
وقال الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني في «فتح الباري» ما نصه([2]): «قوله – أي البخاري – باب الخوف من الله عز وجل: هو من المقامات العلية وهو من لوازم الإيمان، قال الله – تعالى – {وخافون إن كنتم مؤمنين} وقال – تعالى – {فلا تخشوا الناس واخشون} وقال – تعالى – {إنما يخشى الله من عباده العلماء} وتقدم حديث «أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية» وكلما كان العبد أقرب إلى ربه (القرب المعنوي) كان أشد له خشية ممن دونه، وقد وصف الله – تعالى – الملائكة بقوله: {يخافون ربهم من فوقهم} – فوقية القهر والغلبة فالله موجود بلا مكان -، والأنبياء بقوله: {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله} [الأحزاب: 39]». اهـ.
وقال الحافظ يحيى بن شرف أبو زكريا النووي في شرحه على صحيح مسلم ما نصه([3]): «قال الله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}، وكأن المراد قوم غلب عليهم الخوف كما جاء عن جماعات من السلف في شدة خوفهم، وقيل: المراد متوكلون. والله أعلم». اهـ.
وهذا هو الصحيح الذي لا محيد عنه، وهو أن العلماء الأتقياء هم أشد خشية لله من غيرهم، وليس كما حرف معنى هذه الآية بعض الزنادقة من أدعياء الولاية والتصوف من أمثال رجب ديب الدمشقي الذي قال «إن الله يعتذر من العلماء يوم القيامة» وافترى على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسب إليه ما لم يقله، وهو قوله والعياذ بالله: «إن الله يستحي من العلماء»، وهذا وأمثاله من التحريفات خروج عن الحق ومروق من الدين، فالله أزلي أبدي وصفاته أزلية أبدية، فلا يستحي من أحد ولا يخاف أحدا، ألا له الخلق والأمر فعال لما يريد والله على كل شيء قدير.
([1]) تفسير الطبري (طبعة دار الجيل – بيروت، المجلد العاشر الجزء 22 ص87).
([2]) فتح الباري (طبعة دار الريان للتراث القاهرة، الطبعة الأولى سنة 1407هـ في كتاب الرقاق، باب الخوف من الله، الجزء الحادي عشر ص319).
([3]) صحيح مسلم (طبعة دار الكتاب العربي، سنة 1407هـ بيروت، المجلد التاسع الجزء السابع عشر ص177، في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، في باب «يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير»).