السبت فبراير 14, 2026

الرد العلمي على ضلالات محمد راتب النابلسي-9

الجزء الثاني من المسئلة الرابعة
المسئلة الرابعة
إنكار النابلسي الصريح للقدر وأن الله لم يخلق الشر

اعتقادنا أن الله تعالى إذا عذب العاصي فبعدله من غير ظلم، وإذا أثاب المطيع فبفضله من غير وجوب عليه، لأن الظلم إنما يتصور ممن له ءامر وناه، ولا ءامر لله ولا ناهي له، فهو يتصرف في ملكه كما يشاء لأنه خالق الأشياء ومالكها، وقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد في مسنده والإمام أبو داود في سننه وابن حبان عن ابن الديلمي قال (أتيت أبي بن كعب فقلت يا أبا المنذر، إنه حدث في نفسي شىء من هذا القدر فحدثني لعل الله ينفعني)،
قال (إن الله لو عذب أهل أرضه وسمٰواته لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولو مت على غير هذا دخلت النار)،

قال (ثم أتيت عبد الله بن مسعود فحدثني مثل ذلك، ثم أتيت حذيفة ابن اليمان فحدثني مثل ذلك، ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني مثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم).

وفي البخاري عن علي رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة فأخذ شيئا فجعل ينكت به الأرض [أي يضربها بطرفه] فقال (ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة) قالوا: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟
قال (اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاوة”) ثم قرأ (فأما من أعطى واتقى (5) وصدق بالحسنى (6) فسنيسره لليسرى (7) وأما من بخل واستغنى (8) وكذب بالحسنى (9) فسنيسره للعسرى (10)) [الليل 5-10].

وقالوا: الله خالق لأفعال العباد كما هو خالق لأعيانهم كما قال الله تعالى (قل الله خالق كل شىء) [الرعد 16]، وقالوا: لا خالق إلا الله كما قالوا لا إله إلا الله (والله خلقكم وما تعملون (96)) [الصافات 96] وكلمة (ما) مع الفعل للمصدرية بإجماع أهل اللغة، وما يعمل ابن ءادم إنما هو حركاته وأكسابه وقد حكم الله بأنه خلقنا وخلق ما نعمله، وفي الحديث (إن الله صانع كل صانع وصنعته)، فالله تعالى خلق القادر وخلق قدرته.

قال النسفي: فإذا ضرب إنسان زجاجا بحجر فكسره فالضرب والكسر والانكسار بخلق الله فليس للعبد إلا الكسب أما الخلق فليس لغير الله قال الله تعالى (هل من خالق غير الله) [فاطر 3] فالعبد يكتسب الفعل فقط قال الله تعالى (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) [البقرة 286]، وقال تعالى (جزاء بما كانوا يكسبون (82)) [التوبة 82]، وقال عز وجل (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) [الأنفال 17] فأثبت للعبد الرمي كسبا ونفاه عنه خلقا.

وروى مسلم في صحيحه والبيهقي في كتاب القدر عن أبي الأسود الدؤلي قال: قال لي عمران بن الحصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، أشىء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقلت بل شىء قضي عليهم ومضى عليهم، قال: فقال: أفلا يكون ظلما، قال ففزعت من ذلك فزعا شديدا، وقلت: كل شىء خلقه وملكه بيده لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قال: فقال لي: يرحمك الله إني لم أرد بما سألتك إلا لأحزر عقلك، إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله فقالا: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشىء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقال (بل شىء قضي عليهم ومضى عليهم)، ومصداق ذلك قول الله تبارك وتعالى (ونفس وما سواها (7) فألهمها فجورها وتقواها (8)) [الشمس 7-8] (1).

ومعنى قوله (أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه) أي يسعون إليه أي أعمالهم حركاتهم وسكناتهم،
وقوله (أشىء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق) معناه هل هو شىء قدره الله تعالى أنه سيحصل منهم أي باختيارهم ومشيئتهم الحادثة بعد مشيئة الله الأزلية وعلمه الأزلي الأبدي،
وقوله (أو فيما يستقبلون به) معناه أم هو شىء جديد لم يسبق به قدر ولم يسبق في علم الله في الأزل أنه يحصل منهم إنما هو من تلقاء أنفسهم من غير أن يكون لله تصرف فيه يعملون، أو هل هم ليس لهم اختيار بل هم مسلوبو الاختيار بالمرة،
ومعنى قوله (مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم) أي أريد منك نصا شرعيا.

(1) (457/3) يدعي النابلسي أن الخير مراده من الله أما الشر فليس مرادا.
(384/2) ينفي عن الله أنه أراد الضر بإنسان مخالفا صريح الآية (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو (107)) [يونس 107].

يتبع الجزء الثالث من المسئلة الرابعة.