الأربعاء يناير 28, 2026

إحياء ليلة النصف من شعبان جماعة في المساجد

ذكر الحافظ زين الدين ابن رجب البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي في لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف أن بعض علماء السلف استحب إحياءها جماعة في المساجد، فقد كان خالد بن معدان ولقمان بن عامر وغيرهما يلبسون فيها أحسن ثيابهم ويتبخرون ويكتحلون ويقومون في المسجد ليلتهم تلك ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك وقال في قيامها في المساجد جماعة ليس ببدعة، نقله عنه حرب الكرماني في مسائله، وذهب بعض السلف إلى أنه لا يسن تخصيص هذه الليلة بالاجتماع فيها في المساجد للصلاة والقصص والدعاء ولكن لا يكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه. اهـ

قلنا:
فمن أراد أن يعمل بالقول الأول فلا اعتراض عليه سيما في مثل هذا العصر الذي اشتدت فيه حاجة الناس إلى علم الدين فيغتنم العالم أو الواعظ اجتماع الناس لتذكيرهم بما ينفعهم في آخرتهم، وهذا يدل على أن الذين يضللون ويحرمون إحياءها في المساجد لم يوافقوا أحد القولين وشذوا عما كان عليه السلف الصالح.

فائدة:
قال النووي في المجموع (الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب وهي اثنتا عشرة ركعة تصلى بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة في رجب وصلاة ليلة نصف شعبان مائة ركعة وهاتان الصلاتان بدعتان ومنكران قبيحتان ولا يغتر بذكرهما في كتاب قوت القلوب وإحياء علوم الدين ولا بالحديث المذكور فيهما فإن كل ذلك باطل ولا يغتر ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة فصنف ورقات في استحبابهما فإنه غالط في ذلك وقد صنف الشيخ الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي كتابا نفيسا في إبطالهما فأحسن فيه وأجاد رحمه الله).

وفي المدخل لأبي عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي المالكي الشهير بابن الحاج (المتوفى 737 هـ) فصل من العوائد الرديئة ما يفعله النساء في المواسم المرتبة الثانية المواسم التي ينسبونها إلى الشرع وليست منه من البدع المحدثة صلاة الرغائب في الجمعة الأولى من رجب (من البدع المحدثة صلاة الرغائب في الجمعة الأولى من رجب) ومن البدع التي أحدثوها في هذا الشهر الكريم أن أول ليلة جمعة منه يصلون في تلك الليلة في الجوامع، والمساجد صلاة الرغائب، ويجتمعون في بعض جوامع الأمصار ومساجدها ويفعلون هذه البدعة ويظهرونها في مساجد الجماعات بإمام وجماعة كأنها صلاة مشروعة… إلخ.

وقال فصل من العوائد الرديئة ما يفعله النساء في المواسم المرتبة الثانية المواسم التي ينسبونها إلى الشرع وليست منه فصل من البدع المحدثة في ليلة النصف شعبان (وقد تقدم الكلام على صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من رجب، وصلاة ليلة النصف من شعبان تزيد على ذلك كله لما فيها مما لا ينبغي، وقد تقدم أن فعل صلاة الرغائب في جماعة بدعة، ولو صلاها إنسان وحده سرّا لجاز ذلك، ومذهب مالك رحمه الله تعالى كراهية ذلك لقاعدة مذهبه في كراهية تكرار السورة في ركعة واحدة لاتباع السلف في ذلك… إلخ)

فائدة:
في مواهب الجليل في شرح مختصر خليل لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي المعروف بالحطاب الرعيني المالكي 2 – 193، كتاب الصلاة، فصل صلاة العيدين (وندب إحياء ليلته) قال في جمع الجوامع للشيخ جلال الدين السيوطي من أحيا ليلتي العيدين وليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه يوم تموت القلوب.

وجاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير لمحمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي (المتوفى 1230 هـ) 1 – 399 (قوله وندب إحياء ليلته) أي لقول عليه الصلاة والسلام (من أحيا ليلة العيد وليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) ومعنى عدم موت قلبه عدم تحيّرِه عند النزع والقيامة بل يكون قلبه عند النزع مطمئنا، وكذا في القيامة، والمُراد باليوم الزمان الشامل لوقت النزع ووقت القيامة الحاصل فيهما التحيّر (قوله وذكر) من جملة الذكر قراءة القرآن (قوله ويحصُل بالثلث الأخير من الليل) واستظهر ابن الفرات أنه يحصل بإحياء معظم الليل وقيل يحصل بساعة، ونحوُه للنوي في الأذكار وقيل يحصل بصلاة العشاء والصبح في جماعة، وقرر شيخنا أن هذا القول والذي قبله أقوى الأقوال فانظره.

وألف الإمام الحافظ أبو الخطاب بن دحية رسالة سماها (ما وضح واستبان في فضائل شهر شعبان) والمحدث عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري له رسالة اسمها (حسن البيان في ليلة النصف من شعبان).