إثبات أن السلف كانوا على أنّ كلامه الذاتي ليس حرفًا وصوتًا ردًّا على أدعياء السلفية
قال الإمام أبو حنيفة الذي هو من رؤوس السلف فإنه توفي سنة مائة وخمسين في «الفقه الأبسط» [(406)]: «ويتكلم لا ككلامنا، نحن نتكلم بالآلات من المخارج والحروف والله متكلم بِلا ءالة ولا حرف» اهـ.
وقال في الفقه الأكبر [(407)]: «وصفاته في الأزل غير محدثة ولا مخلوقة فمن قال إنها مخلوقة أو محدثة أو توقف فيها أو شك فيها فهو كافر بالله تعالى». اهـ
وقال في «الوصيّة» [(408)]: «والقرءان كلام الله غير مخلوق، ووحيه وتنزيله على رسول الله. وهو صفته على التحقيق. مكتوب في المصاحف مقروء بالألسنة محفوظ في الصدور غير حالّ فيها. والحبر والكاغَد والكتابة والقراءة مخلوقة لأنها أفعال العباد. فمن قال بأن كلام الله مخلوق فهو كافر بالله العظيم» اهـ. يعني إذا قال ذلك بقصد اتصاف الله تعالى به ولا يعني ما إذا قصد اللفظ المنزّل.
قال الشيخ كمال الدين المعروف بابن أبي شريف المقدسي الشافعي المتوفى سنة تسعمائة وخمس من الهجرة ما نصه [(409)]: «وقد عقد حجة الإسلام الأصل السادس في كونه تعالى متكلمًا والسابع في كون كلامه قديمًا. ومما يدل على المدَّعى وهو كونه تعالى متكلمًا إجماع الرسل عليهم الصلاة والسلام فإنه قد تواتر عنهم أنهم كانوا ينسبون له الكلام فيقولون إنه تعالى أمر بكذا ونهى عن كذا وأخبر بكذا وكل ذلك من أقسام الكلام فثبت المدَّعى. فإن قيل إنَّ صدق الرسل موقوف على تصديق الله إياهم إذ لا طريق إلى معرفته سواه وتصديقه تعالى إياهم إخبار عن كونهم صادقين والإخبار كلام خاص به تعالى فقد توقف صدقهم في إثبات كلامه على كلامه تعالى وذلك دَور، قلنا لا دَور لأن تصديقه تعالى إياهم بإظهار المعجزة على وَفق دعواهم فإنه يدل على صدقهم ثبت الكلام بأن كانت المعجزة من جنسه كالقرءان الذي نعلم أوّلاً أنه معجز خارج عن طوق البشر ثم نعلم به صدق الدعوى أم لم يثبت كما إذا كانت المعجزة شيئًا ءاخر. وإثبات صفة الكلام له تعالى هو على ما يليق به سبحانه كسائر الصفات فهو متكلم بكلام (ليس بحرف ولا صوت هو) تعالى (به) أي بذلك الكلام (طالب) لفعل أو ترك (مخبر) لعباده بما كان وبما يكون بالنسبة إلى وقت وجودهم. (أما أنه) يعني الكلام الذي هو صفة له تعالى (قديم فلأنه) يمتنع قيام الحوادث بذاته تعالى. وقوله هو به طالب مخبر إشارة إلى أن الكلام متنوع في الأزل إلى أمر ونهي وخبر واستخبار ونداء والأولان والرابع والخامس أنواع للطلبِ، وتنوعه هذا لا ينافي كونه واحدًا لأنها ليست أنواعًا حقيقيةً إنما هي أنواع اعتبارية تحصل له بحسب تعلقه بالأشياء فذلك الكلام الواحد باعتبار تعلقه بشىء على وجه مخصوص يكون خبرًا وباعتبار تعلقه بشىء ءاخر أو على وجه ءاخر يكون أمرًا وكذا الحال في البواقي.
واعلم أن كلامه النفسي لا يوصف بأنه متبعض ولا متجزئ ولا يوصف بأنه عبري ولا سوري ولا عربي إنما العبري والسوري والعربي هو اللفظ الدال عليه. ثم المخالف في صفة الكلام فِرَقٌ منهم مبتدعة الحنابلة قالوا كلامه تعالى حروف وأصوات تقوم بذاته وهو قديم وبالغوا حتى قال بعضهم جهلًا الجلد والغلاف قديمان فضلًا عن المصحف وهذا قول باطل بالضرورة، ومنهم الكرامية فإنهم وافقوا الحنابلة في أن كلامه تعالى حروف وأصوات لكنهم سَمَّوْا ذلك قولا له وسَلَّمُوا أنه حادث وقالوا قائم بذاته لتجويزهم قيام الحوادث به تعالى عما يقولون، وزعموا أن كلامه هو قدرته على التكلم وهم يثبتون قدم القدرة، ومنهم المعتزلة قالوا كلامه تعالى أصوات وحروف يخلقها في غيره كاللوح المحفوظ أو جبريل أو الرسول وهو حادث عندهم خلافًا للحنابلة وهذا الذي قالته المعتزلة لا ننكره نحن بل نقول به ونسميه كلامًا لفظيًّا ولكنا نثبت أمرًا وراء ذلك وهو المعنى القائم بالنفس ونقول هو الكلام حقيقة فهو قديم بذاته وهو غير العبارات كما قدمناه إذ قد تختلف العبارات بالأزمنة والأمكنة والأقوام ولا يختلف ذلك المعنى النفسي وغير العلم إذ قد يخبر الرجل بما لا يعلمه بل يعلم خلافه أو يشك فيه» اهـ.
تنبيه إذا قالت المشبهة الصوتية قد ورد قرءانًا ﴿ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ ياإِبْرَاهِيمُ *قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ *﴾ النداء صوت، يقال لهم: المراد نداء الملك له بأمر الله كقوله تعالى في حق ءادم وحواء ﴿ … وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ … *﴾ وكذلك ﴿ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ ياإِبْرَاهِيمُ *قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ *﴾ فليس المراد بذلك أن الله تعالى أسمعهما صوتًا قائمًا به. وكذلك يقال للمشبهة في تعلقهم لإثبات الصوت من الله بحديث النزول وهو حديث [(410)]: «ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فينادي هل من داع فيستجاب له» الحديث، يقال معنى الحديث أن الله يأمر مناديًا من الملائكة فيبلغ الملكُ عن الله بذلك يبلغ عن الله هل من داع فيستجاب له بدليل رواية النسائي [(411)]: «إن الله يمهل حتى إذا انتصف الليل أمر مناديًا» وقد تقدم. وبهذا يجاب عن قول مشبه وهابي حيث قال إن هذا قول من الله بالصوت لأنه لا يجوز أن يقول الملك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له وإنما هو لفظ من الله، يقال له إنما يقول الملَك ذلك تبليغًا عن الله وقد ورد ما يدل على ما قلنا من أن هذا اللفظ نداء من الملك بأمر الله فقد ورد عند البخاري [(412)] في حديث فرض الصلوات على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج: «فلما جاوزت نادى مناد قضيتُ فريضتي وخففتُ عن عبادي» لأن هذا صريح في أن المنادي بهذه العبارة الملك مبلغًا عن الله بأمره تعالى. وبهذا انهدم بناء المشبهة الصوتية ولله الحمد.
ـ[406] إشارات المرام (ص/177 – 179).
ـ[407] إشارات المرام (ص/179).
ـ[408] إشارات المرام (ص/181).
ـ[409] قال الأشعري: «إن الله تعالى أسمعه الكلام القديم الذي ليس بحرف ولا صوت» (انظر إشارات المرام ص/182). وقال الغزالي: «إنه سمع الكلام الأزلي بلا صوت ولا حرف كما يرى ذاته بلا كم ولا كيف المؤمنون في الجنة» (انظر إشارات المرام، ص/183). وقال الماتريدي: «أفهمه كلامه بصوت تولى تخليقه من غير كسبٍ لأحدٍ من خلقه» (انظر إشارات المرام ص/183). وزيَّف البيهقي هذا الرأي.
ـ[410] رواه الحاكم في المستدرك (4/ 490)، والطيالسي في مسنده (ص/301)، وعبد بن حميد بسند صحيح كما في فتح الباري (13/ 107).
ـ[411] صحيح البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء: باب قصة يأجوج ومأجوج.
ـ[412] انظر الإحسان (8/ 292)، والسنن الكبرى: كتاب التفسير: تفسير سورة الأنبياء.