ومن المفتريات التي طالت سيدنا إبراهيم عليه السلام اتهامه أنه كان يعبد الكواكب هذا ظاهر البطلان إذ فيه نسبة الشرك والكفر لنبي كريم صانه ربه منذ الصغر من متاهات الكفر، وعصمه من الزيغ والضلال.
وتوضيحا لهذا الأمر فلنبدأ من بدايته فنقول: كان قوم سيدنا إبراهيم عليه السلام يعبدون الكواكب من دون الله سبحانه، فأراد سيدنا إبراهيم أن يبين لقومه أن عبادتهم لها فاسدة باطلة، وأنها لا تصلح للعبادة أبدا، لأنها مخلوقة مسخرة يطرأ عليها التغيير، فتطلع تارة وتغيب تارة أخرى، وما كان كذلك لا يكون إلـها، لأنه بحاجة إلى من يغيره وهو الله تبارك وتعالى الدائم الباقي الذي لا يتغير ولا يزول ولا يفنى ولا يموت لا إله إلا هو ولا رب سواه.
قال الله تعالى: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الـموقنين (٧٥) فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هـذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين (٧٦) فلما رأى القمر بازغا قال هـذا ربي فلما أفل قال لئن لـم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين (٧٧) فلما رأى الشمس بازغة قال هـذا ربي هـذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مـما تشركون (٧٨) إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من الـمشركين} [الأنعام: 75 – 79]، فقول سيدنا إبراهيم عن الكوكب: هذا ربي هو على تقدير الاستفهام الإنكاري، فكأنه قال: أهذا ربي كما تزعمون، لذلك لـما غاب الكوكب قال: {لا أحب الآفلين}، أي: لا يصلح أن يكون هذا الكوكب ربا؛ لأنه يأفل ويتغير فكيف تعتقدون ذلك. وعندما لم يفهموا مقصوده وظلوا على ما كانوا عليه، قال حين رأى القمر مثل ذلك، فعندما لم يجد بغيته أظهر لهم أنه بريء من عبادته، أي: من القمر لأنه لا يصلح للعبادة ولا يصلح للربوبية، ثم لـما أشرقت الشمس وظهرت قال لهم مثل ذلك، فعندما لم ير منهم بغيته أيضا ووجد أنهم أصحاب عقول سقيمة مستغلقة وقلوب مظلمة مستكبرة، أيس منهم وأظهر براءته من هذا الإشراك الذي وقعوا به وهو عبادة غير الله تعالى.
وأما سيدنا إبراهيم فقد كان مؤمنا عارفا بربه كجميع الأنبياء فهو رسول الله ونبيه لا يشك بوجود الله طرفة عين، وكان يعلم أن الربوبية لا تكون إلا لله، وأنه لا خالق إلا الله ولا معبود بحق إلا الله، ولم يكن كما يفتري عليه بعض أهل الجهل والضلال من قولهم إنه مر بفترات وأوقات شك فيها بوجود الله، لأن الأنبياء والرسل جميعهم يستحيل عليهم الكفر والضلال قبل النبوة وبعدها، لأنهم بعثوا هداة مهتدين ليعلموا الناس الخير من مصالح دينهم ودنياهم، فالحق أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان قبل مناظرته لقومه وإقامة الحجة عليهم وقبل دعوتهم إلى الإسلام والإيمان يعلم علما يقينا لا شك فيه أن له ربا وهو الله تبارك وتعالى الذي لا يشبه شيئا وخالق كل شيء، والدليل على ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم} [الأنعام: 83]. وممن ضل في هذه المسألة فاتهم نبي الله إبراهيم عليه السلام أنه كان يطرأ عليه الشك في ربه – والعياذ بالله – سيد قطب المصري([1]) حيث قال: «وإبراهيم تبدأ قصته فتى ينظر في السماء فيرى نجما فيظنه إلهه فإذا أفل قال لا أحب الآفلين، ثم ينظر مرة أخرى فيرى القمر فيظنه ربه ولكنه يأفل كذلك فيتركه ويمضي ثم ينظر إلى الشمس فيعجبه كبرها ويظنها ولا شك إلها ولكنها تخلف ظنه هي الأخرى»([2]).اهـ.
[1])) سيد قطب بن إبراهيم (ت1387هـ)، كاتب مصري، تخرج بكلية دار العلوم بالقاهرة سنة 1934م وعمل في جريدة الأهرام. وكتب في مجلتي (الرسالة) و(الثقافة) وعين مدرسا للعربية، فموظفا في ديوان وزارة المعارف. ثم مراقبا فنيا للوزارة. وأوفد في بعثة لدراسة برامج التعليم في أميركا 1948م – 1951م، ولـما عاد انتقد البرامج المصرية وكان يراها من وضع الإنجليز، وانضم إلى ما يسمى حزب الإخوان، فترأس ما يسمى قسم نشر الدعوة وتولى تحرير جريدتهم 1953م – 1954م وسجن معهم، فعكف على تأليف الكتب ونشرها وهو في سجنه، إلى أن صدر الأمر بإعدامه، فأعدم. من كتبه – المشحونة بالكفر والضلال والفساد ومخالفة الإسلام ما أسماه – : (العدالة الاجتماعية في الإسلام)، و(التصوير الفني في القرآن)، و(في ظلال القرآن)، و(معالم في الطريق). الأعلام، الزركلي، (3/147، 148).
[2])) الكتاب المسمى التصوير الفني في القرآن، سيد قطب، (ص133).