الدرس الخامس
أولياء الله تعالى
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه وسلم. أما بعد فقد قال الله تعالى فى سورة يونس ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾. وقد روى البخارى من حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر اهـ [أخرجه البخارى].
الله أخبر فى كتابه المبين بأن أولياءه لا خوف عليهم أى ليس عليهم عقاب فى المستقبل لا فى القبر ولا فى الآخرة ولا نكد ولا يحزنون على ما مضى بعد مفارقتهم للدنيا فهم ءامنون لهم البشرى فى الدنيا وفى الآخرة، فسر العلماء بشراهم فى الحياة الدنيا بأنه ينزل عليهم ملائكة قبل موتهم يبشرونهم برحمة الله ورضوانه فيستبشرون بفضل الله، وهؤلاء ملائكة الرحمة يأتون إلى أولياء الله عند موتهم حتى يذهب عنهم خوف الموت فإن الولى من حيث طبعه يخاف الموت ويكرهه لأن طبيعته مجبولة على حب الدنيا وخوف الموت إلى أن تنزل عليه ملائكة الرحمة فتبشره وعندئذ يذهب الخوف عنه، ومنهم من ينزل عليهم خمسمائة من ملائكة الرحمة منظرهم حسن كأن وجوههم الشمس، وهؤلاء أى ملائكة الرحمة يأتون إلى الولى قبل مجىء عزرائيل ثم يأتى عزرائيل فيبشره. ومنهم من يرى تلك الملائكة ويرى كثيرا من الأنبياء والأولياء، ومنهم من يرى رسول الله ﷺ ضاحكا إليه يبشره بالجنة، ورؤية الولى للرسول ﷺ تلك الساعة تحتمل وجهين أن يأتيه رسول الله ﷺ [بعد ذلك رجع الشيخ رحمه الله عن هذا القول وصار يجزم بأن الرسول ﷺ لا يغادر قبره الشريف] أو أن يرى الله هذا الولى بعينه رسول الله ﷺ وهو فى قبره الشريف فيراه مع بعد المسافة كأنه أمامه لأن الله يخرق العادات لمن شاء.
ومن الأولياء من يرى ملائكة الرحمة وهم فى حال الصحة فقد جاء عن كثير من أولياء الله ما يشهد بذلك، كان بعض الأولياء المعروفين بالكرامات يحدث عن نفسه أنه يأتيه كل عام اثنان من الملائكة يزورانه، ثم قال فى العام الذى توفى فيه إنه زاره أربعة من الملائكة قال ولعل ذلك لقصر مدة حياتى بعد هذا فتوفى فى ذلك العام. ويشهد لذلك ما صح فى الحديث أنه ﷺ أخبر فاطمة بنته رضى الله عنها قال لها فى مرض وفاته يسارها بذلك إن جبريل كان يعارضنى بالقرءان [قال ابن الأثير أى كان يدارسه جميع ما نزل من القرءان من المعارضة المقابلة كما فى لسان العرب] كل عام مرة واحدة وإنه عارضنى هذا العام مرتين وأرى أن ذلك لحضور أجلى اهـ [انظر السنن الكبرى للنسائى]. وقد كان تمام نزول القرءان فى ذلك العام الذى دارسه القرءان مرتين فيه.
هكذا شأن الأولياء الذين فازوا بالزلفى عند الله [فى مختار الصحاح الزلفى القربة والمنزلة] بمتابعتهم للرسول ﷺ اتباعا كاملا ولولا اتباعهم الكامل للرسول ﷺ ما حصل لهم ذلك الفضل. وأما بشراهم بعد موتهم فمن ذلك أن الملكين الكريمين منكرا ونكيرا يأتيان عباد الله الصالحين أولياء الله فيسألان الولى فيثبته الله تعالى للجواب بسهولة بلا فزع مع أنه ثبت فى الحديث أن منكرا ونكيرا أسودان أزرقان لكن هؤلاء الأولياء لا يهولهم ولا يروعهم هذا المنظر ثم يبشران ولى الله يقولان نم نومة العروس الذى لا يوقظه إلا أحب الأهل إليه فينام. ولا تفارق روحه الجسد حالا بعد السؤال بل تثبت مع الجسد وتلازمه فلا يرى نكدا ولا وحشة ولا ظلمة فقد صح فى الحديث عن رسول الله ﷺ أن الله تبارك وتعالى يوسع القبر على المؤمن الكامل سبعين ذراعا فى سبعين ذراعا وأنه يملأ خضرا ونورا فينور كنور القمر ليلة البدر والله قادر على كل شىء فهذه ليلة القدر يراها واحد من أهل بيت ثم هذا الذى يراها قد يوقظ من معه ثم لا يرون هذا النور أما هو فيراه ويشاهده، يشاهد نورا عظيما، وهكذا فى القبر ينور الله لأوليائه قبورهم ثم لو فتح الإنسان قبورهم قد يحجب الله بصر هذا الذى فتح القبر فلا يرى ذلك النور الذى خلقه الله فى قبر الولى ولا يرى هذا الإنسان الخضر الذى يملأ قبره. الله تعالى يضيق الواسع فى نظر من شاء من عباده ويكثر القليل فى نظر من شاء من عباده ويقلل الكثير فى نظر من شاء من عباده كما حصل ذلك لأصحاب رسول الله ﷺ فى بعض غزواتهم فقد كان الكفار ثلاثة أضعاف أصحاب رسول الله ﷺ المجاهدين فكثر الله هذا العدد القليل فى أنظار الكفار وقلل عدد الكفار الذى هو كثير فى أعين المؤمنين. والله لا يعجزه شىء فيجب الإيمان بكل ما ثبت عن رسول الله ﷺ وإن خالف العادة فالعقل السليم يقبله. ومع هذا فإن عباد الله الصالحين الأولياء قد يريهم الله حال قبر ولى الله، يريهم اتساعه سبعين ذراعا فى سبعين وامتلاءه بالنور وغير ذلك بالصفة التى وردت فى الحديث من دون أن يفتحوا القبر مع وجود طبقة التراب بينهم وبين القبر، والله تعالى يجعل هذا الحاجز الكثيف كالبلور لمن شاء من عباده. ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فلا أحد يمنع نفاذ مشيئة الله تعالى.
وقد ورد فى جامع الترمذى من حديث عبد الله بن عباس رضى الله عنهما أن رجلا ضرب خيمة على قبر [أى نصب خيمة] فصار يسمع من القبر قراءة تبارك الذى بيده الملك حتى ختمها فذهب إلى رسول الله ﷺ فأخبره بما حصل له فقال مصدقا له هى المانعة هى المنجية اهـ [رواه الترمذى فى سننه والطبرانى فى المعجم الكبير].
هذا ما حصل لبعض الصحابة فى زمن الرسول ﷺ وحصل بعد ذلك مثل هذا فقد تواتر أن عالما من علماء الصومال كان من أولياء الله الفقهاء العلماء الورعين الزاهدين الناسكين واسمه محمد إدريس لما توفى كان له طالب صالح من الأتقياء يقرأ على الشيخ فى كتاب وتوفى الشيخ ولم يختم دراسة ذلك الكتاب فحزن حزنا شديدا فرأى شيخه فى المنام فقال له ائت القبر ومعك الكتاب ثم استيقظ وحمل معه الكتاب الذى كان يدرس فيه ولم يختمه بعد فجلس أمام الشيخ على القبر وبدأ الشيخ يشرح كعادته من القبر حتى ختم الكتاب، ثم بعد ذلك حمل معه كتابا ءاخر فذهب إلى القبر وجلس أمام الشيخ وبدأ يقرأ فلم يسمع صوت شيخه لأن هذا من الأسرار فالله تعالى خرق له العادة فاستطاع أن يختم ذلك الكتاب بمشيئة الله وفضله وإحسانه لكن الأسرار لا تستمر فى الغالب والتى هى من هذا القبيل لا تدوم بل تنقطع. فإذا كان هذا حال أولياء الله فينبغى معرفة شرط الولاية حتى إذا أراد واحد أن يسلك مسلكهم ويصل إلى ما وصلوا إليه عرف كيف يقتدى بأفعالهم وأقوالهم واعتقاداتهم الموافقة للقرءان والحديث.
فالولى هو المؤمن الذى ءامن بالله ورسوله وتعلم من علوم الدين ما هو فرض ضرورى ولو بالتلقى الشفوى بحضور مجالس أهل العلم، حصل القدر الذى لا بد منه لصحة العقيدة ولتصحيح الأعمال من صلاة وصيام وعرف معاصى القلب كالرياء والعجب والحسد والكبر وعرف معاصى السمع كالاستماع إلى الغيبة والنميمة عمدا وعرف معاصى اليد كضرب المؤمن ظلما وعرف معاصى اللسان كالشتم والغيبة والكفر اللفظى وعرف معاصى الرجل كالمشى إلى المحرمات وعرف معاصى الفرج كالزنى وعرف معاصى البطن كأكل المحرمات وغير ذلك مما يجب عليه تعلمه ثم طبق ذلك على نفسه بأن تخلى عن المعاصى الظاهرة والباطنة وتحلى بأداء الفرائض وأفضلها الإيمان بالله ورسوله ثم الصلاة ثم أكثر من النوافل لكن ليس شرطا للولاية أن يأتى بجميع أنواع النوافل بل إذا أكثر من نوع أو نوعين من النوافل يكفى ذلك لثبوت الولاية. والنوافل التى يكون من شأن الولى أن يكون مكثرا منها التهجد بالليل ومنها كثرة الذكر اللسانى والتهليل أفضله ومنها التسبيح وهو بعد لا إله إلا الله بالفضل. كان أبو هريرة رضى الله عنه أحد علماء الصحابة المكثرين من رواية أحاديث رسول الله ﷺ له ورد يفعله كل يوم أنه كان يسبح اثنتى عشرة ألف تسبيحة كل يوم [ذكر ذلك ابن عساكر فى تاريخ دمشق].
هذا شرط الولاية. ثم الولى لا يشتغل بما تفعله السحرة وأصحاب العزائم من ضرب المندل وقراءة الكف وأى إنسان يفعل ذلك هو فاسق ليس بولى. وأولياء الله تعالى نور الله بصائرهم ومكنهم تمكينا فى تقواهم فليس من شأنهم أيضا الاشتغال بكتابة الطلاسم وقد تكون فى الواقع أسماء ورموزا لعظماء الشياطين الذين يقدسونهم فإذا كتبت هذه الطلاسم وطبقت على الترتيب الذى يشترطونه يحصل بقدرة الله الأثر الذى يراد من أجله كتابة هذه الطلاسم أحيانا. وليس من أولياء الله الذين يشتغلون بطريق صحبة الجن على حسب الشروط الفاسدة التى يشترطها هؤلاء الجن عليهم، على أنه يجوز أن يكون عند بعض أولياء الله أصحاب من الجن مؤمنون يطلبون صحبة هؤلاء البشر الصلحاء ليستفيدوا من صحبتهم فى الدين، ولا يتعارض كونه بشرا وليا مع تردد جنى إليه يستفيد منه فى الدين لكن الذى يتعارض مع الشرع فعل هؤلاء الذين يقولون نحن مؤاخون للروحانى ثم من شأن هذا الذى يسمونه روحا أو روحانيا أن يدخل فى الرجل أو فى الأنثى ثم يتكلم على لسانهم فهؤلاء ليسوا من أولياء الله تعالى والجنى الذى معهم فاسق مع فاسق، ولا يستطيع هؤلاء أن يحضروا روح إنسان بشر ميت ولو كان كافرا. وولى الله لا يطلب الجن ليدخل فيه ويتكلم على لسانه ولو بقراءة القرءان ولو زعم هذا الجنى أنه روح الشيخ الرفاعى أو الجيلانى فإن هذا جنى خبيث، ومن يدخل جنى فيه برضاه خبيث بعيد من الولاية بعد السماء من الأرض لأن هذا محرم حرمه الله تعالى.
ويوجد جن أولياء كما يوجد إنس أولياء.
والمبتلى بالعارض إن تحصن بآيات الله تبارك وتعالى يقيه ذلك أذى الجن، فقد كان رسول الله ﷺ يتعوذ بأشياء من ذكر الله ثم لما أنزلت عليه المعوذتان كان يتعوذ بهما، لذلك سن رسول الله ﷺ لأمته قراءة المعوذتين مع سورة الإخلاص مع تصحيح الحروف مساء ثلاثا وصباحا ثلاثا، صباحا أى من طلوع الفجر إلى ما بعد طلوع الشمس بنحو ساعتين ومساء من غروب الشمس إلى نحو ثلاث ساعات فمن حافظ على هذا فقد تحصن بحصن عظيم من ضرر الإنس والجن والسحر.
كذلك علم رسول الله ﷺ ما يدفع به ضرر الوسوسة بأن يتفل ثلاث مرات عن يساره إذا أحس بها ويستعيذ بالله فيقول اللهم أعوذ بك من شر الشيطان وفتنته اهـ ولا يتمادى فيها ويصرف فكره إلى غير ذلك، وذلك أن الشيطان يحب أن يعكر على المؤمن ويضايقه فيفتح عليه باب الوسوسة حتى يحزن وينشغل عن الأمور المهمة.
وهناك أمر أخف من قراءة المعوذات ثلاث مرات صباحا ومساء وهو أن يقول حسبى الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات بعد الفجر وبعد الغروب فمن واظب على ذلك حفظه الله من كثير من المهالك كإصابة العين أو السحر.
ورسول الله ﷺ كان يتعوذ بالمعوذتين [انظر سنن أبى داود باب فى المعوذتين] وهو أطهر خلق الله وأنورهم بصيرة فكيف لا يحتاج غيره أن يتعوذ. لم يقل أنا نبى الله ينزل على الوحى صباح مساء والملائكة أحبابى وأنصارى فلا أستفيد من التعوذ، فمن تعود على التحصن بهذا الحصن فى حال صحته كان ذلك أحفظ له عند التعرض لأذى الجن أو الإنس، ولولا أن الله له عناية بعبده المؤمن وأمته المؤمنة كان للشياطين شأن أشد مما هو عليه فلولا حفظ الله لتخطفونا من الأرض.
الشياطين لم يتركوا محاولة إيذاء رسول الله ﷺ فقد كان إبليس على جبل مرة قبالة باب الكعبة وسيدنا محمد ﷺ ساجد فى الكعبة فحلف إبليس ليطأن محمدا ﷺفركض جبريل وضربه ضربة طيرته إلى العراق، وجاء ذات يوم جنود من الشياطين وكان فيهم من يحمل شعلة من نار ليرميها فى وجه رسول الله ﷺ فأعطى الله تعالى رسوله مقدرة على أن أمسك أحدهم وخنقه فهزمهم الله تعالى، وكذلك جاء إبليس مرة إلى المشركين بصورة إنسان من نجد وكانوا يتآمرون على الرسول ﷺ إما لقتله وإما لحبسه وإما لنفيه من مكة فدخل معهم إبليس فى المؤامرة وفضل رأى القتل على غيره من الآراء لكن الله رد كيدهم ومكرهم وأخبر نبيه بالوحى فذهب رسول الله ﷺ قبل الفجر من بيته وغادر ذلك المكان فلم يجدوا إلا على ابن أبى طالب كرم الله وجهه فنجاه الله من مكرهم الذى كان إبليس معهم فيه.
والله تعالى كلف بنا ملائكة يتعاقبون ليل نهار يحفظوننا مما لم يقدر الله أن يصيبنا وما قدره الله لا يحفظوننا منه.