سعى نبي الله زكريا إلى طلب الولد، وقد احتاج إليه لكبر سنه، ووهن عظمه، ولأنه خشي أن يضعف أمر دين الإسلام إذا هو مات، لأن أقاربه وبني عمه وعصبته كان فيهم من أهمل الدين وسعى فسادا في بني إسرائيل، فخاف أن لا يحسنوا الخلافة بعده. فدعا زكريا ربه: {فهب لي من لدنك وليا *يرثني ويرث من ءال يعقوب واجعله رب رضيا} [مريم: 5، 6] الآية ليس معناها إرث المال بل إرث النبوة والعلم. بين زكريا ويعقوب زمن طويل.
هل يمكن أن يقول إني أرجو الولد الذي ترزقني يا رب أن يكون ورث من ءال يعقوب؟! لا، إنما معناه ورث علم الدين الذي كان عليه أولئك. وقال تعالى إخبارا عنه أيضا: {رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء} [آل عمران: 38]. فأجاب الله دعاءه ورزقه على الكبر كما رزق إبراهيم على الكبر.
وبعدما دعا زكريا عليه السلام ربه أن يرزقه ولدا صالحا تقيا بشره الله تبارك وتعالى بواسطة الملائكة، فبينما هو قائم يصلي في محراب المسجد أتاه سيدنا جبريل عليه السلام يلبس البياض ويحمل البشرى برفقته الملائكة، وأحدقوا بسيدنا زكريا قائلين له: {يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيىٰ} [مريم: 7] وسمي بهذا الاسم لأن الله أحياه بين شيخ وامرأة عجوز ولم يسم أحد قبل يحيى بهذا الاسم قال تعالى: {لم نجعل له من قبل سميا} [مريم: 7].
فلما بشر بالولد تساءل مستخبرا لا مستنكرا عن كيفية الأمر الذي يكون منه الولد، شرع يستعلم على وجه التعجب وجود الولد له وليس على وجه الشك في قدرة الله تعالى على ذلك، فالأنبياء كلهم عارفون بالله تعالى ويعلمون يقينا أن الله عز وجل على كل شيء قدير.
فقال: رب كيف يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر، أيولد لي وعمري مائة وعشرون سنة، وامرأتي عاقر قد بلغت سن من لا تلد وعمرها ثمانية وتسعون سنة؟ أم أعاد أنا وامرأتي إلى سن الشباب وهيئة من يولد له؟ أم أتزوج من غيرها وأرزق بولد؟ فأجيب بأنه يولد له على هذه الحال من زوجته إيشاع أخت السيدة مريم، فالله يفعل ما يشاء ولا يعجزه شيء. قال له الملك الذي يوحي إليه بأمر الله ما أخبر الله به في قوله: {قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا} [مريم: 9]، أي: أن إيجاد الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها هين يسير وسهل على الله تعالى الذي هو على كل شيء قدير.
ثم طلب زكريا من ربه أن يجعل له علامة على وجود الحمل {قال رب اجعل لي ءاية} [مريم: 10] تدل على وقوعه عند زوجته لزيادة اطمئنانه واستعجالا للسرور، فأجابه الله أن علامته ستكون أن لا يكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا من غير علة ولا خرس ولا مرض ولا ءافة وسيحبس لسانه إلا عن ذكر الله وشكره على قضاء حق تلك النعمة العظيمة. قال الله تعالى: {قال ءايتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا} [مريم: 10].
ولما حملت إيشاع بيحيى خرج زكريا من محرابه صبيحة تلك الليلة، وهو لا يتكلم فأشار إلى الناس بالرمز والإشارة وليس بالكلام، فعلموا أنه قد حصل ما بشر به، وكان في هذا الأمر معجزة له وهي قدرته على التكلم بالتسبيح والذكر بشكل جيد مع عدم التكلم مع الناس بأمور الدنيا طيلة الأيام الثلاثة، وإخباره بأنه متى ما حصلت هذه الحالة من منع الكلام الدنيوي فقد حصل الحمل بالولد عند زوجته وهذا ما حصل.
ولما حان وقت الولادة ولدت إيشاع ابنها يحيى عليه السلام طاهرا مباركا، وكان يضيء البيت لنوره وحسن وجهه وجماله عليه السلام. ولما كبر يحيى وبلغ سبع سنين، علمه والده التوراة وأرسله إلى بيت المقدس محررا أي متفرغا لعبادة الله وخدمة بيت المقدس، وكان يصلي ويصوم في حال طفولته، ويدعو إلى الله بقوة وجد، وكان الصبيان يقولون له في صغره: اذهب بنا نلعب، فيقول: ما للعب خلقنا.
وكان طعامه العشب المباح، ولباسه الوبر، وكان عليه السلام حسن الوجه، كثير العبادة قويا في طاعة الله، ومنذ صغره كان يعظ الناس ويقف لهم في أعيادهم وجمعهم يدعوهم إلى دين الإسلام ويعلمهم الأحكام. ولما كبر كان قد اشتهر بقوة العلم، حتى أحصى مسائل التوراة الأصلية وأحاط بأصولها وفروعها، وعرف بين الناس أنه جريء في الحق، شديد على الباطل، لا يخشى في الله لومة لائم، ولا صولة عات ظالم.
اللهم علمنا ما جهلنا وذكرنا ما نسينا واجعل القران ربيع قلوبنا ونورا لأبصارنا وجوارحنا وتوفنا على هديه وأكرمنا بحفظه واحفظنا ببركته إنك سميع قريب مجيب الدعوات