الخميس يناير 29, 2026

أولا: تأويل السلف:

نذكر في هذا السياق بعض الأمثلة لنصوص تاولها السلف([1])، منها تاويل ابن عباس رضي الله عنهما كما هو ثابت عنه بسندين حسنهما الحافظ ابن حجر قال([2]): «واما الساق فجاء عن ابن عباس في قوله تعالى: يوم يكشف عن ساق {42} (القلم) قال: عن شدة من الامر، والعرب تقول: قامت الحرب على ساق اذا اشتدت، ومنه: [مشطور السريع]

قد سن اصحابك ضرب الاعناق

وقامت الحرب بنا على ساق

وجاء عن ابي موسى الاشعري في تفسيرها: عن نور عظيم. قال ابن فورك: معناه ما يتجدد للمؤمنين من الفوائد والالطاف. وقال الحافظ الخطابي: تهيب كثير من الشيوخ الخوض في معنى الساق، ومعنى قول ابن عباس ان الله يكشف عن قدرته التي تظهر بها الشدة. واسند البيهقي الاثر المذكور عن ابن عباس بسندين كل منهما حسن، وزاد: اذا خفي عليكم شىء من القران فابتغوه من الشعر. وذكر الرجز المشار اليه، وانشد الخطابي في اطلاق الساق على الامر الشديد: [الرجز]

في سنة قد كشفت عن ساقها

واسند البيهقي من وجه اخر صحيح عن ابن عباس قال: يريد يوم القيامة» اهـ.

ومنه تاويل الامام احمد، فقد اخرج الحافظ البيهقي في كتابه مناقب الامام احمد: «عن الحاكم عن ابي عمرو بن السماك([3]) عن حنبل([4]) ان احمد ابن حنبل تاول قول الله تعالى: وجاء ربك والملك صفا صفا {22} (الفجر)، انه: جاء ثوابه. ثم قال البيهقي: وهذا اسناد لا غبار عليه»([5]) اهـ.

وقال صالح الفوزان ـ وهو من رووس مشبهة هذا العصر ـ تعليقا على ذلك([6]): «ما نسبه البيهقي الى الامام احمد لم يثبت عنه ولم يوثقه من كتبه او كتب بعض اصحابه، وذكر البيهقي لذلك لا يعتمد لان البيهقي عنده شىء من تاويل الصفات فلا يوثق بنقله في هذا الباب لانه ربما يتساهل في النقل» اهـ.

فتامل كيف ان الحافظ البيهقي نقله بسند صحيح لا غبار عليه، فلا يحتاج مع هذا الاسناد الى توثيقه من كتبه او كتب بعض اصحابه، ولم نسمع يوما ان هذا التوثيق من شرائط صحة النقل المعتبرة عند المحدثين. وانظر الى قوله هذا الذي ضعف به ثبوت هذا النقل عن الامام احمد وهو احتمال تساهل البيهقي. فاي قيمة لهذا الاحتمال مع تصريحه بان سنده لا غبار عليه؟ وتامل كيف يغيب الحد الادنى من المنهج العلمي في جوابهم! على ان محاكمة لعالم نحرير من حفاظ الحديث كالبيهقي من رجل متعالم يناقش بلا دليل وانما بمجرد هوى النفس، هذا وحده يستدعي التوقف والاستغراب وتامل ذلك ايضا في قول الفوزان([7]): «الحافظ ابن حجر اول الضحك بالرضا، والحافظ متاثر بمذهب الاشاعرة فلا عبرة بقوله في هذا!» وقوله([8]): «الخطابي ممن يتاولون الصفات فلا اعتبار بقوله ولا حجة برايه، وله تاويلات كثيرة، والله يعفو عنا وعنه!» وكلام الفوزان هذا دليل تشبع قلبه بالتجسيم لدرجة الطعن بعلماء الامة لاجل التشبيه والتجسيم الذي يتبع فيه شيخه ابن تيمية مما لا يقع به طالب علم. فما اقبح هذا التجرؤ الذي يقوده هوى النفس وعمى البصيرة.

وماذا يقول هذا الفوزان بتاويل الامام البخاري الضحك بالرحمة؟([9]) ففي صحيح البخاري([10]) عن ابي هريرة رضي الله عنه ان رجلا اتى النبي ﷺ فبعث الى نسائه، فقلن: ما معنا الا الماء، فقال رسول الله ﷺ «من يضم؟» او: «من يضيف هذا؟» فقال رجل من الانصار: انا. فانطلق به الى امراته فقال: اكرمي ضيف رسول الله ﷺ، فقالت: ما عندنا الا قوت صبياني! فقال: هيئي طعامك واصبحي سراجك ونومي صبيانك اذا ارادوا عشاء، فهيات طعامها واصبحت سراجها ونومت صبيانها، ثم قامت كانها تصلح سراجها فاطفاته، فجعلا يريانه انهما ياكلان، فباتا طاويين، فلما اصبح غدا الى رسول الله ﷺ فقال: «ضحك الله الليلة» او «عجب من فعالكما»، فانزل الله: ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون {9} (الحشر)، قال ابن حجر([11]): «ونسبة الضحك والتعجب الى الله مجازية، والمراد بهما الرضا بصنيعهما» اهـ.

وقد اول البخاري الضحك الوارد في الحديث بالرحمة، نقل ذلك عنه الخطابي([12]) فقال([13]): «وقد اول البخاري الضحك في موضع اخر على معنى الرحمة وهو قريب وتاويله على معنى الرضا اقرب» اهـ.

كما اول البخاري([14]) كذلك الاية: ما من دابة الا هو اخذ بناصيتها {56} (هود)، بقوله: «اي في ملكه وسلطانه» اهـ.

وما قول هذا الفوزان ايضا في ما نقله البخاري في خلق افعال العباد عن سفيان الثوري انه قال في قوله عز وجل: وهو معكم اين ما كنتم والله بما تعملون بصير {4} (الحديد) قال([15]): «علمه» اهـ. وما قوله في اختيار البخاري في صحيحه تاويل الوجه بالملك في قوله تعالى: كل شىء هالك الا وجهه {88} (القصص): «الا ملكه» اهـ. ومن طريق سفيان الثوري قال([16]): «الا ما ابتغي به وجه الله من الاعمال الصالحة» اهـ. فهذا شيخ الحديث الامام البخاري قد اول، فماذا يقول هذا الفوزان ومن كان على شاكلته هل الامام البخاري هو المخطئ اوهم؟!

وقال البيهقي([17]) رحمه الله: «قال رسول الله ﷺ([18]): «لا يتوضا احدكم فيحسن وضوءه ويسبغه ثم ياتي المسجد لا يريد الا الصلاة فيه الا تبشبش الله به كما يتبشبش اهل الغائب بطلعته»، ثم قال: «وللعرب استعارات في الكلام، الا ترى في قوله سبحانه: فاذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون {112} (النحل) بمعنى الاختبار وان كان اصل الذوق في الفم، والعرب تقول: ناظر فلانا وذق ما عنده اي تعرف واختبر، واركب الفرس وذقه، قال الشيخ: وقد مضى في حديث ابي الدرداء: «يستبشر»، وروي ذلك ايضا في حديث ابي ذر، ومعناه يرضى افعالهم ويقبل نيتهم فيها، والله اعلم» اهـ.

وقال الزبيدي([19]): «التبشبش من الله تعالى الرضا والاكرام وتلقيه بالبر وتقريبه اياه، عن ابن الانباري وهو مجاز، وبه فسر الحديث: «لا يوطن الرجل المساجد للصلاة والذكر الا تبشبش الله به كما يتبشبش الرجال بغائبهم اذا قدم عليهم» اهـ.

ونص الامام الحافظ المفسر عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي (ت 597هـ) على نفي التحيز في المكان والاتصال والانفصال والاجتماع والافتراق عن الله تعالى، ورد في كتابه دفع شبه التشبيه([20]) على ابن الزاغوني المجسم الذي قال: «فلما قال تعالى: ان ربكم الله الذي خلق السماوات والارض في ستة ايام ثم استوى على العرش {54} (الاعراف) علمنا اختصاصه بتلك الجهة!»، وقال ابن الزاغوني ايضا: «ولا بد ان يكون لذاته نهاية وغاية يعلمها!»، وقال ابن الجوزي في الرد عليه ما نصه: «قلت: هذا رجل لا يدري ما يقول، لانه اذا قدر غاية وفصلا بين الخالق والمخلوق فقد حدده واقر بانه جسم، وهو يقول في كتابه: انه ليس بجوهر، لان الجوهر ما تحيز، ثم يثبت له مكانا يتحيز فيه. قلت: ـ اي ابن الجوزي ـ وهذا كلام جهل من قائله وتشبيه محض، فما عرف هذا الشيخ ما يجب للخالق وما يستحيل عليه، فان وجوده تعالى ليس كوجود الجواهر والاجسام التي لا بد لها من حيز، والتحت والفوق انما يكون في ما يقابل ويحاذي، ومن ضرورة المحاذي ان يكون اكبر من المحاذى او اصغر او مثله، وان هذا ومثله انما يكون في الاجسام، وكل ما يحاذي الاجسام يجوز ان يمسها، وما جاز عليه مماسة الاجسام ومباينتها فهو حادث، اذ قد ثبت ان الدليل على حدوث الجواهر قبولها للمباينة والمماسة، فاذا اجازوا هذا عليه قالوا بجواز حدوثه، وان منعوا جواز هذا عليه لم يبق لنا طريق لاثبات حدوث الجواهر، ومتى قدرنا مستغنيا عن المحل والحيز ومحتاجا الى الحيز ثم قلنا: اما ان يكونا متجاورين او متباينين كان ذلك محالا، فان التجاور والتباين من لوازم التحيز في المتحيزات.

وقد ثبت ان الاجتماع والافتراق من لوازم المتحيز، والحق سبحانه وتعالى لا يوصف بالتحيز، لانه لو كان متحيزا لم يخل اما ان يكون ساكنا في حيزه او متحركا عنه، ولا يجوز ان يوصف بحركة ولا سكون ولا اجتماع ولا افتراق، ومن جاور او باين فقد تناهى ذاتا، والتناهي يختص بمقدار فيستدعي مخصصا، وكذا ينبغي ان يقال: ليس بداخل في العالم وليس بخارج منه، لان الدخول والخروج من لوازم المتحيزات، فهما كالحركة والسكون وسائر الاعراض التي تختص بالاجرام.

واما قولهم: خلق الاماكن لا في ذاته فثبت انفصاله عنها! قلنا: ذاته تعالى لا تقبل ان يخلق فيه شىء ولا ان يحل فيه شىء»، ثم قال: «وقد حملهم الحس على التشبيه والتخليط، حتى قال بعضهم: انما ذكر الاستواء على العرش لانه اقرب الموجودات اليه، وهذا جهل ايضا لان قرب المسافة لا يتصور الا في حق الجسم، وقال بعضهم: جهة العرش تحاذي ما يقابله من الذات ولا تحاذي جميع الذات، وهذا صريح في التجسيم والتبعيض. ويعز علينا كيف ينسب هذا القائل الى مذهبنا.

واحتج بعضهم بانه ـ اي الله سبحانه ـ على العرش بقوله تعالى: اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه {10} (فاطر)، وبقوله: وهو القاهر فوق عباده {18} (الانعام)، وجعلوا ذلك فوقية حسية، ونسوا ان الفوقية الحسية انما تكون لجسم او جوهر، وان الفوقية قد تطلق لعلو المرتبة فيقال: فلان فوق فلان، ثم انه كما قال: فوق عباده {18} (الانعام) قال: وهو معكم {4} (الحديد)، فمن حملها على العلم حمل خصمه الاستواء على القهر، وذهبت طائفة الى ان الله تعالى على عرشه وقد ملاه، والاشبه ـ اي على زعم هذه الطائفة المجسمة ـ انه مماس للعرش، والكرسي موضع قدميه. قلت: المماسة انما تقع بين جسمين، وما ابقى هذا في التجسيم بقية». انتهى كلام الحافظ ابن الجوزي، ولقد اجاد وشفى وكفى رحمه الله.

[1]) جمع ابن المعلم في كتابه نجم المهتدي ورجم المعتدي بابا سرد فيه جماهير المؤولين من الصحابة والتابعين وغيرهم. تعليق الكوثري على دفع شبه التشبيه ص66. وهناك امثلة منثورة في كتاب الاسماء والصفات للبيهقي ودفع شبه التشبيه لابن الجوزي وغيرها.

[2]) فتح الباري، ابن حجر، 13/428. راجع ايضا: الاسماء والصفات، البيهقي، ص 436. ايضاح الدليل، ابن جماعة، ص 135.

[3]) قال الذهبي في سير اعلام النبلاء، 15/444: «الشيخ الامام المحدث المكثر الصادق مسند العراق ابو عمرو عثمان بن احمد بن السماك» اهـ.

[4]) هو حنبل بن اسحاق بن حنبل، ابو علي الشيباني ابن عم الامام احمد، قال الخطيب في تاريخ بغداد، 8/286: «كان ثقة ثبتا» اهـ. وانظر ترجمته في المقصد الارشد في ذكر اصحاب الامام احمد، ابن مفلح، 1/365.

[5]) دفع شبه التشبيه، ابن الجوزي، ص 13. البداية والنهاية، ابن كثير، 10/327. واورده الكوثري تعليقا على السيف الصقيل للحافظ السبكي، ص 120، 121.

[6]) الكتاب المسمى تعقيبات على كتاب السلفية للبوطي، صالح الفوزان، ص33.

[7]) الكتاب المسمى تعقيبات على كتاب السلفية للبوطي، صالح الفوزان، ص 34.

[8]) الكتاب المسمى تعقيبات على كتاب السلفية للبوطي، صالح الفوزان، ص 36.

[9]) الاسماء والصفات، البيهقي، ص 378.

[10]) صحيح البخاري، البخاري، كتاب المناقب، باب قوله عز وجل: ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة {9} الحشر، 5/689.

[11]) فتح الباري، ابن حجر، 7/120.

[12]) الاسماء والصفات، البيهقي، ص 470.

[13]) فتح الباري، ابن حجر، 6/470.

[14]) صحيح البخاري، البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: وكان عرشه على الماء {7} (هود)، 6/92.

[15]) ضمن مجموعة عقائد السلف، ص 122.

[16]) فتح الباري، ابن حجر، 8/505.

[17]) الاسماء والصفات، البيهقي، ص 478.

[18]) مسند ابي داود، ابو داود الطيالسي، ص307. صحيح ابن حبان، ابن حبان، 3/67.

[19]) تاج العروس، الزبيدي، مادة ب ش ش، 17/81.

[20]) دفع شبه التشبيه، ابن الجوزي، ص129.