أهميَّة مُناظرة أهل الباطل وعدم السُّكوت لهم لمُجرَّد الخشية مِن فسادهم
يُحكى أنَّ ملِكَ الدَّيلمِ كانَ يجمعُ العُلماءَ على اختلافِ مِللهِم حتَّى انتبَه إلى خُلُوِّ مجلسِه مِمَّن يُناظِرُ عن أهلِ السُّنَّةِ. وكانَ قاضيهِ مُعتزليًّا فأرادَ ثنيَه فقالَ الملِكُ: مُحالٌ أنْ يخلوَ مذهب طِبْقُ الأرضِ مِن ناصرٍ لهُ. ثُمَّ أمرَ بإحضارِ أبي الحَسَنِ الباهليِّ وأبي بكرٍ الباقلَّانيِّ، فلمَّا وصلَ كتابُه إليهِما قالَ الباهليُّ ما معناه: إنَّ الدَّيلمَ مِن أهلِ الأهواءِ فلا نطأُ بِساطَهم، ولو كانَ غرَضُ الملِكِ خالصًا للهِ، لنهضتُ إليهِ.
فقالَ الباقلَّانيُّ: كذا قالَ ابنُ كلابٍ والمحاسبيُّ ومَنْ في عصرِهم: إنَّ المأمونَ فاسقٌ، لا يُحضَرُ مجلسُهُ، حتَّى ساقَ أحمدَ بنَ حنبلٍ إلى طرسوسَ، وجرى عليهِ بعدَه ما عُرِفَ. ولو ناظرُوه لَكَفُّوْهُ عن هذا الأمرِ وتبيَّنَ لهُ ما هُم عليهِ بالحُجَّةِ، وأنتَ أيضًا أيُّها الشَّيخُ تسلكُ سبيلَهم حتَّى يجريَ على الفُقهاءِ ما جرى على أحمدَ إلى أنْ قالَ: وها أنا خارجٌ إنْ لم تخرُج. فقالَ الشَّيخُ: أمَّا إذَا شرحَ اللهُ صدرَك لهذا، فاخرُج.
فانظروا إلى حكمةِ الباقلَّانيِّ كيفَ آثرَ المُناظرةَ على السُّكوتِ لأنَّه عَلِمَ أنَّ قمْعَ أهلِ البِدَعِ يكونُ بإقامةِ الحُجَّةِ عليهِم. وقد دخلَ الباقلَّانيُّ مجلسَ الملِكِ فاختارَ أنْ يجلسَ إلى يمينِه كي لا يُرَخِّصَ لهُم في إذلالِهِ فاغتاظَ الملِكُ حتَّى إذَا ناظرَ الباقلَّانيُّ الخصومَ وقمعَ شُبُهاتِ مذاهبِهم قالَ الملِكُ لقاضِيه: <فكَّرتُ بأيِّ قتلةٍ أقتلُه بجلوسِه حيثُ جلسَ بغيرِ أمري. وأمَّا الآنَ، فقد علمتُ أنَّه أحقُّ بمكاني منِّي> ودفعَ إليهِ ابنَه يعلِّمُه مذهبَ أهلِ السُّنَّةِ.