الخميس يناير 29, 2026

أنبياء قتلهم بنو إسرائيل

     قال الإمام الهررى رضى الله عنه الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى جميع إخوانه من النبيين والمرسلين وسلام الله عليهم أجمعين.

     أما بعد فقد قال رسول الله ﷺ «من يرد الله به خيرا يصب منه» هذا الحديث صحيح رواه البخارى وغيره، ومعناه أن الله تعالى إذا أراد لعبده المؤمن درجة عالية ينزل عليه مصائب الدنيا، يحميه من مصائب الدين ويكثر عليه من مصائب الدنيا. ومن مصائب الدنيا المرض والفقر وأذى الناس وما أشبه ذلك، على اختلاف أصنافها، مصائب الدنيا كثيرة هذا الذى يتلف له ماله بسبب هذه القذائف أو ينهب ماله، الفساق والفجار والكفار ينهبون له ماله هذه مصيبة، والذى يجرح فى جسده مصيبة، إن أدى به إلى الموت وإن لم يؤد به إلى الموت لأنه يكون قاسى من ءالام الجرح ما قاسى ثم تعافى كل هذا مصيبة، هذه مصائب الدنيا.

     أما مصائب الدين فهى كالرجل الذى يبتلى بترك الصلاة أو بشرب الخمر أو بأكل المال الحرام أو بغير ذلك من المعاصى هذه مصائب فى الدين، الله تبارك وتعالى من أحبه من عباده من إنس وجن يكثر عليه المصائب الدنيوية ويحميه من مصائب الدين فلا ينبغى أن يتشاءم الرجل إذا بدأ بنشاط فى عبادة الله تعالى فى الإقبال إلى الدين ثم أصيب بالمصائب نزلت عليه المصائب لا يقل ما هنأت لى العبادة، إقبالى على الطاعة ما هنأ لى لأن المصائب كثرت على بعد أن أقبلت على الطاعة، لا يجوز هذا الكلام، هذا غرور انخداع بالشيطان، الشيطان يقذف فى قلبه ويقول له أنت ما كنت هكذا لما كنت غير مقبل على العبادة الآن لما أقبلت على العبادة أصابتك هذه المصائب، نزلت بك، ليرده إلى وراء كان مقبلا متقدما نحو الخير نحو التقرب إلى الله، ثم الشيطان صار يؤخره إلى خلف إلى وراء، هذه من جملة دسائس الشيطان، بل ينبغى للإنسان إن سلم له دينه وكثرت عليه المصائب أن يحمد الله إن كانت مصائبه فى المال والجسم وبتسلط الناس عليه ظلما ليحمد الله كلما زادت عليه المصائب ولا يتسخط على الله لأن هذه وإن كانت فى الدنيا ويتأذى بذلك ويتألم لكن هذا عند الله رفعة له وعلو درجات.

     كم من أنبياء قتلتهم بنو إسرائيل والأنبياء هم أفضل خلق الله وليسوا هينين على الله بل هم كرماء على الله، مع ذلك الله تعالى ابتلاهم فى الدنيا منهم من ابتلاهم بأذى الناس، قتلت كفار بنى إسرائيل عددا كثيرا من الأنبياء، هذا يحيى عليه السلام ابن خالة عيسى عليهما السلام أوذى أذى شديدا وبلغ به الأذى إلى أن قتل، ملك ظالم كان تزوج امرأة فهذه المرأة كبرت، ذهب جمالها الذى كان بها، وكان لها بنت تكون هى ربيبة هذا الملك ليست بنته، قالت له تزوج بنتى هذه حتى لا تكون بعيدة عن النعمة التى هى تتقلب فيها بسبب هذا الملك قال أستفتى يحيى أيجوز هذا أم لا فسأل نبى الله يحيى فقال له حرام فقال لها قال لى يحيى حرام فقالت له هذا اقتله كيف يحرم عليك كيف يحول بينك وبين ما تريده أنت فأخذ بكلامها فقتله. فحمل رأس سيدنا يحيى عليه السلام إليه فى طست وبعض دمه وقع على الأرض فظل الدم يغلى، ما كان يهدأ والأرض ما كانت تبلعه فسلط الله عليهم كافرا فجاء هذا الكافر من العراق فقتل منهم سبعين ألفا فهدأ دم يحيى، ظل يغلى حتى قتل من جماعة الملك الذى فعل هذا الفعل الخبيث سبعون ألف إنسان، هذا يحيى عليه السلام نبى كريم على الله، لم يكن هينا على الله، الله تعالى ما سلط عليه هذا الكافر حتى تمكن من قتله فحمل إليه رأسه لهوانه على الله، بل ليزيده الله تبارك وتعالى بهذا شرفا عنده، لذلك الآن يحيى عليه السلام يقال إن جسده بمكان ورأسه بمكان، فى صيداء يقال إن هناك مقاما يقال له مقام نبى الله يحيى، الناس يزورونه، ومكان ءاخر أيضا، وكذلك أبوه سيدنا زكريا عليه السلام نبى الله قتله الكفار من بنى إسرائيل هذان النبيان عرفا بأسمائهما، أما الذين قتلهم كفار بنى إسرائيل من الأنبياء فكثير لكن لم تعرف أسماؤهم، الله تبارك وتعالى ما سماهم بأسمائهم وإنما قال ﴿وقتلهم الأنبياء بغير حق [سورة ءال عمران] أى اليهود قتلوا أنبياء كثيرين.

     أما المصائب التى أصابت الأنبياء من غير القتل من مرض وأذى من الناس فشىء كثير، هذا نوح عليه السلام ظل صابرا يدعو إلى الله، يقول لقومه أسلموا ءامنوا اتركوا هذه الأوثان التى تعبدونها، تسعمائة وخمسين عاما عاش فيهم يقول لهم اعبدوا الله وحده واتركوا هذه الأشياء، ثم هم يستهزؤون به ويسبونه ويهينونه بين البشر، قاسى منهم ما قاسى، وكذلك سيدنا محمد ﷺ وعلى جميع إخوانه النبيين قاسى الكثير الكثير من أذى المشركين وقاسى الكثير من الأمراض، كان لما تصيبه سخونة تكون ضعفين، كانت حرارته وقوة كربها ضعفين، مثلى ما تصيب الناس الآخرين، كثير من الناس لما يقبلون إلى الطاعة والتقوى يصابون بقلة المال ولا يجوز أن يترك الإنسان الطاعة من أجل هذا، لا يجوز أن يقول ما هنأت لى العبادة، الطاعة ما هنأت لى بعدما أنا تعلقت بها أصبت بهذه المصائب، لا يجوز.

     والله سبحانه وتعالى أعلم.

     وسبحان الله والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد الأمين وءاله وأصحابه الطيبين.