الأربعاء يناير 28, 2026

أقوال المذاهب الأربعة في كيفية ثبوت رمضان

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد الذي تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد، فإن صيام شهر رمضان عبادة عظيمة يكفي في بيان فضلها الحديث القدسي الذي رواه البخاري (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) فهو من أفضل الطاعات وأجل القربات وأحد أهم أمور الإسلام كما جاء في حديث الشيخين (بني الإسلام على خمس) وعد منها (وصوم رمضان)، وقد اتفق علماء المذاهب الأربعة وغيرهم على أن الأصل في تحديد أول رمضان هو التالي:
يراقب الهلال بعد غروب شمس التاسع والعشرين من شعبان فإن رئي الهلال كان اليوم التالي أول رمضان، وإن لم ير الهلال يكون اليوم التالي الثلاثين من شعبان والذي بعده هو أول أيام رمضان، على ذلك درج المسلمون في كل بلاد الدنيا وبذلك أفتى الفقهاء ونصوا أن العمدة على هذا وأنه لا التفات إلى أقوال أهل الحساب والفلكيين ولا عبرة بكلامهم لتحديد ابتداء الصيام أو انتهائه.

فقد روى أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه والنسائي وابن ماجه في سننهما من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوما) وروى البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) وفي رواية مسلم (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين) وفي رواية لمسلم (فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن أغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين) وروى الإمام مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له) قال أبو الوليد سليمان بن خلف القرطبي الباجي الأندلسي رحمه الله (ولا يقبل في هلال شوال أقل من شاهدين وقال أبو ثور وقبله الشافعي يقبل في ذلك الشاهد الواحد والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور أن هذه شهادة فلم يقبل فيها أقل من اثنين أصل ذلك سائر الحقوق).

وقوله (فإن غم عليكم فاقدروا له) يريد منعكم من رؤيته سحاب أو غيره من قولهم غممت الشيء إذا سترته فاقدروا له يريد قدروا للشهر وتقديره إتمام الشهر الذي أنت فيه ثلاثين لأن الشهر إنما يكون تسعة وعشرين يوما بالرؤية فأما بالتقدير فلا يكون إلا ثلاثين).
ثم قال رحمه الله (إن من خالف في ذلك فالإجماع حجة عليه وإن من يصوم ويفطر على الحساب فإنه لا يقتدى به ولا يتبع فإن فعل ذلك أحد فإنه لا يعتد بما صام منه على الحساب ويرجع إلى الرؤية وإكمال العدد فإن اقتضى ذلك قضاء شيء من صومه قضاه).

من أقوال المذهب الحنفي:
قال الفقيه الحنفي ابن عابدين المتوفى سنة 1252 هـ في حاشيته على الدر المختار وهي من أشهر كتب السادة الحنفية ج 3 – 354 (دار الكتب العلمية) كتاب الصوم (لا عبرة بقول المؤقتين أي في وجوب الصوم على الناس بل في المعراج لا يعتبر قولهم بالإجماع ولا يجوز للمنجم أن يعمل بحساب نفسه).

من أقوال المذهب المالكي:
في الدر الثمين والمورد المعين للشيخ أبي عبد الله محمد بن أحمد ميارة المالكي المتوفى سنة 1072 هـ (دار الفكر) ص 327 قال ما نصه (فرع) قال الشهاب القرافي المتوفى سنة 684 هـ عن سند المتوفى سنة 541 هـ ولو كان إمام يرى الحساب فأثبت به الهلال لم يتبع لإجماع السلف على خلافه).
وفي كتاب الشرح الكبير للشيخ أحمد الدردير المالكي الأزهري المتوفى سنة 1201 هـ ج 1 – 462 في مذهب مالك ما نصه (ولا يثبت رمضان بمنجم أي بقوله في حق غيره ولا في حق نفسه).

من أقوال المذهب الشافعي:
في كتاب أسنى المطالب شرح روض الطالب للشيخ زكريا الأنصاري المتوفى سنة 925 هـ في مذهب الإمام الشافعي ج 1 – 410 (المكتبة الإسلامية) ما نصه (ولا عبرة بالمنجم أي بقوله فلا يجب به الصوم ولا يجوز والمراد بآية (وبالنجم هم يهتدون) (النحل 16) الاهتداء في أدلة القبلة وفي السفر).

من أقوال المذهب الحنبلي:
قال البهوتي الحنبلي المتوفى سنة 1051 هـ في كشاف القناع ج 2 – 302 (دار الفكر) ما نصه (وإن نواه أي صوم يوم الثلاثين من شعبان بلا مستند شرعي من رؤية هلاله أو إكمال شعبان أو حيلولة غيم أو قتر ونحوه كأن صامه لحساب ونجوم ولو كثرت إصابتهما أو مع صحو فبان منه لم يجزئه صومه لعدم استناده لما يعول عليه شرعا).

فنصيحتنا لكل مسلم أن يتمسك بما قاله فقهاء المذاهب الأربعة الذين أجمعت الأمة على علو شأنهم وأن يدرس أحكام الصيام قبل دخول شهر رمضان على إنسان جمع بين المعرفة والعدالة وتلقى هذا العلم عن مثله وهكذا بإسناد متصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
آمين
وسبحان الله وبحمده والله تعالى أعلم.