أقوال الإمام الشافعي رضي الله عنه (ت 204هـ)
قال ابن المعلم القرشي([1]): «وهذا منتظم من كفره مجمع عليه، ومن كفرناه من أهل القبلة كالقائلين بخلق القرآن([2])، وبأنه ـ أي الله تعالى ـ لا يعلم المعدومات قبل وجودها، ومن لا يؤمن بالقدر، وكذا من يعتقد أن الله جالس على العرش، كما حكاه القاضي حسين([3]) عن نص الشافعي» اهـ.
وقال كذلك([4]): «ثبت أن الشافعي قال: من قال: الله جالس على العرش كافر» اهـ.
وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه([5]): «واعلموا أن خالق العالم واحد لا شريك له، فرد لا ثاني له، ومعنى الوحدانية في صفاته أنه يستحيل عليه التجزئة والتبعض وهما أو تقديرا، واعلموا أن الحد والنهاية لا تجوز على الله تعالى، ومعنى الحد طرف الشىء ونهايته.
واعلموا أن البارئ تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض، ومحال أن يكون جسما لأن الجسم هو المجتمع المؤتلف، ومنه قول أهل اللغة: هو جسيم وذلك أجسم منه فيصفونه بالمبالغة إذا كثر تأليفه واجتماعه، وقد ورد هذا المعنى في قوله تعالى: وزاده بسطة في العلم والجسم {247} (البقرة)، أي في عظم الجثة والشخص، والبارئ سبحانه ليس بذي أجزاء وأبعاض، بل هو واحد أحد، والمجتمع المؤتلف لا يكون واحدا، ومحال أن يكون عرضا، لأن العرض ما يستحيل عليه البقاء أو يقل بقاؤه.
واعلموا أن الصورة والتركيب يستحيلان على الله للمعنى الذي ذكرناه في الجسم، واعلموا أنه لا يجوز على الله تعالى اللون والطعم والرائحة والبرودة ونحو ذلك، لأن هذه صفات الحوادث وعلامات الصنع، والموصوف بشىء منها مع جواز غيره لا يختص به إلا بمخصص هو جاعله وخالقه، وذلك من سمات الحدوث» اهـ. أي من صفات المخلوقات.
وقال رضي الله عنه([6]): «إنه تعالى كان ولا مكان، فخلق المكان وهو على صفة الأزلية كما كان قبل خلقه المكان، لا يجوز عليه التغيير في ذاته ولا التبديل في صفاته» اهـ.
وقال عليه رضوان الله: «من انتهض لمعرفة مدبره فانتهى إلى موجود ينتهي إليه فكره فهو مشبه([7])، ومن انتهى إلى العدم الصرف فهو معطل([8])، ومن انتهى إلى موجود واعترف بعجزه عن إدراكه فهو موحد([9])» اهـ. رواه البيهقي وغيره([10]). لذلك نهى السلف الصالح عن التفكر في ذات الله تعالى للوصول إلى حقيقته، لأنه لا يعلم اللـه على الحقيقة إلا اللـه، إنما معرفتنا بالله هي بمعرفة ما يجب له تعالى وما يستحيل في حقه وما يجوز في حقه. وكل من يتفكر في ذاته تعالى فيتخيل بخياله صورة أو يتوهمها بوهمه ويعتقد أن ما تخيله وتوهمه هو الله فهو ليس مسلما موحدا إذ لا فرق بينه وبين عابد الصنم، فعابد الصنم عبد صورة منحوتة وهذا عبد صورة متخيلة، وأما المؤمن المصدق فيعبد من لا شبيه له ولا مثيل.
وقال الشافعي رضي الله عنه كذلك([11]): «المجسم كافر» اهـ. أي أن المشبه المجسم الذي اعتقد في الله الجسمية والحجم غير مسلم ولا مؤمن، بل هو تائه في المعتقد لأنه خالف الشرع والعقل بقوله: إن الله جالس على العرش، ومنهم من يقول: إنه مستقر عليه، ومن المجسمة من يقول([12]): إن الله ترك مكانا يجلس فيه معه محمدا يوم القيامة، ومنهم من يقول([13]): إن الله متحيز في مكان فوق العرش بذاته، ومنهم من يقول([14]): إن الله يتحرك كل ليلة بنزوله من العرش إلى السماء الدنيا، حتى إن بعض هؤلاء قال: إن الله يضع رجله في جهنم لكنها لا تحترق والعياذ بالله تعالى، وغير ذلك من أقوالهم المؤدية إلى التشبيه والتجسيم، وهذا لقياسهم الخالق على المخلوق واتباعهم الوهم، وكله كفر وضلال.
[1] ) نجم المهتدي ورجم المعتدي، ابن المعلم القرشي، مخطوط، ص551.
[2] ) أي من قال: إن صفة الله مخلوقة، أو قال: إن لله شفتين وأسنانا ولهاة أو إن كلامه الأزلي أصوات وحروف، فهذا مجمع على كفره، والعياذ بالله تعالى.
[3] ) القاضي حسين بن محمد بن أحمد المروروذي، ت 462هـ، من كبار فقهاء الشافعية، له التعليقة المشهورة، روى الحديث عن أبي نعيم عبد الملك الأسفراييني، وروى عنه عبد الرزاق المنيعي وتلميذه البغوي وغيرهما، وتفقه على القفال المروزي، قال الرافعي: «وكان يقال له: حبر الأمة» اهـ. طبقات الشافعية الكبرى، السبكي، 3/155.
[4] ) نجم المهتدي ورجم المعتدي، ابن المعلم القرشي، مخطوط، ص 555.
[5] ) رسالة الفقه الأكبر، تنسب للإمام الشافعي، ص 11.
[6] ) إتحاف السادة المتقين، الزبيدي، 2/24.
[7] ) أي انتهى إلى شىء له صورة وهيئة، فهو مشبه غير مؤمن.
[8] ) أي أودى به تفكيره إلى نفي وجود موجد خالق للعالم، فهو كذلك غير مؤمن.
[9] ) أي سلم وصدق بوجود موجد لا يشبه أحدا هو خالق هذا العالم برمته، وشهد بلسانه وصدق بنبوة سيدنا محمد ﷺ، فهو مؤمن.
[10] ) شرح الفقه الأكبر، ملا علي القاري، ص152. البرهان المؤيد، أحمد الرفاعي، ص16.
[11] ) الأشباه والنظائر، السيوطي، 1/744.
[12] ) الفتاوى، ابن تيمية، 3/229.
[13] ) الكتاب المسمى منهاج السنة النبوية، ابن تيمية، 3/205.
[14] ) الكتاب المسمى منهاج السنة النبوية، ابن تيمية، 1/210. موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، ابن تيمية 2/26، 2/4، 5. شرح حديث النزول، ابن تيمية، ص23، 66.