الأربعاء فبراير 18, 2026

الدرس الثامن

بسم الله الرحمن الرحيم

أسماء الله تعالى

درس ألقاه المحدث الشيخ عبد الله بن محمد العبدري الحبشي رحمه الله تعالى في مسجد برج أبي حيدر يوم الأحد في الثاني من ربيع الثاني سنة خمس وتسعين وثلاثمائة وألف من الهجرة الموافق للرابع عشر من نيسان سنة خمس وسبعين وتسعمائة وألف ر وهو في بيان بعض أسماء الله تعالى وما لا يجوز تسمية الله به. قال رحمه الله تعالى رحمة واسعة:

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحابته وسلم.

أما بعد فقد قال الله تعالى في سورة الأعراف ﴿ولله الأسمآء الحسنى﴾([1]) أسماء الله تبارك وتعالى كلها حسنى أي كل اسم منها لا يدل على نقص، فلا يجوز تسمية الله تعالى ءاه، من ذكر الله تعالى بآه فقد عصى الله كبعض أهل الطرق يقولون ءاه اسم من أسماء الله ولا يجوز ذلك لأن ءاه لا يدل على كمال بل يدل على العجز والضعف وقد قال علماء اللغة إن ءاه كلمة تقال عند الشكاية والتوجع فكيف يذكر الله تعالى بلفظ وضع للشكاية والتوجع ولم يرد في كتاب الله ولا في حديث رسول الله أن ءاه اسم من أسماء الله بل ورد في حديث موضوع مكذوب على رسول الله أن الأنين اسم من أسماء الله. وقد وضع في اللغة للأنين اثنتان وعشرون كلمة من جملتها ءاه فكيف اختاروا هذه الكلمة من بينها.

وأما قول الله تبارك وتعالى في سورة التوبة: ﴿إن إبراهيم لأواه حليم﴾([2]) فمعنى الأواه الرحيم أي أن إبراهيم كان رحيم القلب وكان حليما كما وصفه الله.

فهؤلاء الذين يذكرون بآه خالفوا قول الله تعالى: ﴿ولله الأسمآء الحسنى﴾([3]) حيث ذكروا الله بلفظ ليس حسنا في حق الله.

وإذا كان الله تعالى لا يسمى عاقلا بل يسمى عالما وعليما ولا يسمى سخيا بل يسمى كريما فكيف يجوز أن يسمى ءاه.

وقد بالغ بعضهم أي بعض هؤلاء الذين يذكرون بآه بالافتراء على دين الله فقال إن ءاه أسرع فتوحا من الله وهذا بهتان عظيم هذا من شدة افترائه على شريعة الله. ما هذا إلا افتراء على الله، لا إله إلا الله. ما أعجبتهم الأسماء التسعة والتسعون حتى قالوا إن ءاه ذكر القلب نعوذ بالله العظيم.

وأنكر ذلك أي الذكر بآه شيخ الشاذلية بالمدينة المنورة الشيخ ظافر رد على هؤلاء الشاذلية الذين يذكرون بآه قال هذا ليس من أبي الحسن الشاذلي إنما شاذلية فاس أحدثوا ذلك قال هؤلاء هم الذين أحدثوا الذكر بآه ليست من أصل الطريقة الشاذلية، شاذلية فاس هم الذين أحدثوا الذكر بآه أما أبو الحسن الشاذلي لم يكن يذكر بآه. فاس مدينة قريبة من مراكش. والحديث الذي يحتج به هؤلاء رواه الرافعي في تاريخ قزوين بإسناد فيه كذاب من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندنا رجل مريض يئن فقلنا له اسكت فقال: دعوه يئن فإن الأنين اسم من أسماء الله تعالى، تمسكوا بهذا الحديث الموضوع الـمفترى. على أن العلماء اختلفوا في الأنين للمريض قال بعضهم مكروه وقال بعضهم إنه مباح، اختلفوا فيه بين التكريه والإباحة فكيف يتقرب إلى الله بذلك فكيف يجوز أن يذكر الله بلفظ اختلف العلماء فيه بين الإباحة والتكريه فلو كان اسما من أسماء الله لرفعوه عن هذا المقام لأنه ظهر لنا بالاتفاق أنه ليس سنة فإذا كان للمريض هو أقل من السنة فكيف ينبغي أن يذكر الله به. الذكر بآه لا ينزل عن درجة الحرام. ما الذي يدعو هؤلاء إلى صرف أنفاسهم بهذا اللفظ ويتركون ما هو أفضل الذكر وهو لا إله إلا الله التي سماها الله تعالى في القرءان الكريم كلمة التقوى بقوله في سورة الفتح ﴿وألزمهم كلمة التقوى﴾([4]) وقال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها أفضل الحسنات([5]) اهـ ثم إن بعض الناس يسمون الله تعالى بلفظ لا يجوز تسميته به وهو الـمضل وذلك حرام ومنهم من يسميه بالـمقيم ويقصدون بذلك أنه الذي يقيم عباده حيث شاء وذلك أيضا لا يجوز لأن الـمقيم في اللغة معناه من أقام بمكان فإنه يقال فلان مقيم وفلان مسافر فالمقيم خلاف المسافر هذا معناه الذي وضع له في اللغة فلا يغتر بما يسمع من بعض المشايخ من قولهم سبحان الـمقيم.

ثم من أسماء الله تبارك وتعالى ما هو مدح في حقه تبارك وتعالى وإذا أطلق ذلك اللفظ على غير الله كان ذما كالجبار فإنه مدح في حق الله تعالى فإن معناه إذا أطلق على الله الذي ينفذ على عباده مشيئته فلا يخرج أحد منهم عن مشيئة الله وهو ذم في حق العباد إذا قيل فلان جبار معناه أنه ظلوم غشوم وكذلك المتكبر فمعناه في حق الله تعالى الذي هو أكبر قدرا من كل كبير وهو مدح له تبارك وتعالى وإذا أطلق على العبد فقيل فلان متكبر كان ذما ففي الحقيقة كل اسم من أسماء الله تعالى يكون إذا أطلق على الله بمعنى غير ما إذا أطلق على العبد، بيان ذلك أن اللطيف إذا أطلق على الله كان معناه الذي احتجب عن الأوهام فلا تدركه لأنه لا يشبه العالم بوجه من الوجوه فكيف تدركه الأوهام وكيف تتصوره القلوب وهو لا شبيه له وأما إذا أطلق اللطيف على غير الله تعالى فمعناه ما كان خفيفا يقال عود لطيف أي خفيف غير كبير الحجم. وأما النور فقد ورد إطلاقه على الله تعالى اسما ويفسر بالهادي ويصح تفسيره بالـمنير لأنه أنار قلوب عباده المؤمنين بالإيمان قال تعالى في سورة النور ﴿الله نور السموات والأرض﴾([6]) أي هادي أهل السموات والأرض كذلك فسر الإمام عبد الله بن عباس ترجمان القرءان رضي الله عنهما فأما تفسيره بالنور الذي هو الضوء فلا يجوز لأن الضوء مخلوق كما أن الظلمات مخلوقة قال الله تعالى في سورة الأنعام ﴿وجعل الظلمات والنور﴾([7]) أي خلق الظلمات والنور فأفهمنا الله تعالى أن النور مخلوق كما أن الظلمات مخلوقة لله فمن اعتقد أن الله تعالى نور بهذا المعنى فقد جهل خالقه ولم يؤمن به.

وأما ما ورد من قول الله تعالى في سورة الزمر ﴿وأشرقت الأرض بنور ربها﴾([8]) في صفة يوم القيامة فالمعنى أن الله تعالى يشرق الأرض أي يضيئها وينيرها يوم القيامة بنور مخلوق لله تعالى ليس كما يتوهم بعض الناس أن الله تعالى يشع منه ضوء كما يشع من الشمس.

وكذلك ما ورد في حديث أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له السموات والأرض([9]) اهـ فليس المعنى أن الله جسم نوراني يشع منه أشعة نورانية تضيء منه السموات والأرض كما يزعم بعض الناس حين يسمعون هذا اللفظ، كثير من الناس لما يسمعون أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له السموات والأرض يظنون ويتصورون ويتوهمون أن الله تعالى جسم نوراني تشع منه أشعة نورانية فهذا جهل وضلال وإنما المعنى نور طاعتك أي نور طاعة الله تعالى لأن هذه الطاعات لها أنوار في العرش وغيره لها أنوار والوجه يطلق على الطاعة كما يقال عملت هذا لوجه الله أي لطاعة الله والقربة إليه. وهذا الذي أراده بعض المشايخ في هذه الصيغة المشهورة في الصلاة على النبي اللهم إني أسألك بنور وجه الله العظيم الذي ملأ أركان عرش الله العظيم وقامت به عوالم الله العظيم أن تصلي على سيدنا ومولانا ذي القوة العظيم، يسمونها الصلاة العظيمية، عرفت بالصلاة العظيمية، ومعنى ذلك نور طاعة الله الذي ملأ نواحي العرش.

وجاء في حديث المعراج من طريق أبي ذر رضي الله عنه أنه قال قلت يا رسول الله هل رأيت ربك قال نور أنى أراه اهـ([10]) فالمعنى منعني وشغلني نور أي شغل بصري نور مخلوق لله تعالى فكيف أراه أي إني لم أره بعيني فقد نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيته لربه بعينه وهذا هو الحق الذي لا محيد عنه ولم ينف رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيته بفؤاده أي بقلبه فيجب علينا الإيمان بأن الله تبارك وتعالى لا يراه العباد بأبصارهم في الدنيا وإنما يراه المؤمنون بأبصارهم في الآخرة فقط وذلك لأن هذه الأعين كتب الله عليها الفناء فلا ترى الحي الباقي الذي لا شبيه له. ومن ادعى من المنتسبين إلى الصوفية ذلك فقد شذ فقد اتفق أئمة الصوفية على أن الله تعالى لا يرى في الدنيا ومن ادعى من المنتسبين إليهم ذلك فقد شذ.

انتهى والله تعالى أعلم.

 

 

[1])) سورة الأعراف/الآية 180.

[2])) سورة التوبة/الآية 114.

[3])) سورة الأعراف/ الآية 180.

[4])) سورة الفتح/الآية 26.

[5])) رواه أحمد في مسنده باب حديث أبي ذر الغفاري.

[6])) سورة النور/الآية 35.

[7])) سورة الأنعام/الآية 1.

[8])) سورة الزمر/الآية 69.

[9])) رواه الطبراني في المعجم الكبير باب ما انتهى إلينا من مسند عبد الله بن جعفر.

[10])) رواه مسلم في صحيحه باب في قوله عليه السلام نور أنى أراه.