الخميس يناير 29, 2026

أسرار التّحاب في الله وثمراته الطيّبة

يا عُشّاق الحبيب محمد… ويا أحباب الله ورسوله

إنّ التّحاب في الله تعالى فيه أسرار عظيمة ومنافع كثيرة وهو يورث ويثمر ثمرات طيبة، إنه يورث التحاب والتآلف والمحبة والمودة بين المسلمين ويجعلهم أقوياء، ويزيل من نفوسهم التنافر والبغضاء والضغائن والأحقاد، ويجعل المجتمع الإسلامي متماسكاً قوي البنيان كالجسد الواحد يشد بعضه بعضاً.

يقول الرسول الأعظم ﷺ: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” متفق عليه.

وقال عليه الصلاة والسلام: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً” وشبّك ﷺ بين أصابعه. متفق عليه.

يا أحباب الله ورسوله… يا عُشّاق النبي مُحمّد

لقد أوصى الله تعالى عباده المؤمنين بأن يكونوا إخواناً أي متحابين ومتعاونين متعاضدين فقال سبحانه وتعالى: { إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } [سورة الحجرات/10].

وقال عزّ ول: { مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } [سورة الفتح/29].

هذا وإن من أعظم من يكتسبه الإنسان في الحياة الدنيا وأنفعه ثمرات في الآخرة هو محبة المسلم لأخيه المسلم، هذه المحبة القائمة على التعاون على ما يرضي الله تعالى ورسوله المصطفى ﷺ ، وليس على الهوى والغش والمداهنة والفساد.

هذه المحبة السامية هي التي تجعل صاحبها ذا درجات عالية، وناجياً آمناً يوم القيامة حيث يكون مكانه في ظل العرش لا يصيبه حر شمس يوم القيامة الشديد، حيث تدنو الشمس كثيراً من رؤوس الناس.

يا عُشّاق الحبيب مُحمّد… ويا أحباب الله ورسوله

إن التّحاب في الله معناه أن يتعاون المسلم مع أخيه المسلم على ما يحب الله ويرضاه، ويتصافا الحب فلا يغش أحدهما الآخر أي لا يزين لأخيه المعصية ولا يغشه في المعاملة، بل يبذل له النصح، ويحب له ما يحب لنفسه، أي الخير الذي يحبه لنفسه يحبه لأخيه، والشر الذي يكرهه لنفسه مما هو شر في شرع الله يكرهه لأخيه، وهذا الأمر هو الكمال بالنسبة للمسلم، فالمسلم لا يكون مؤمناً كاملاً أي في الدرجة العليا إلا إذا كان بهذه الصفة أي يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير، وهذا هو معنى قول النبي الأعظم ﷺ:  “لا يؤمن احدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه”. رواه مسلم.

يا عُشّاق الحبيب مُحمّد… ويا أحباب الله ورسوله

لقد أرشد الرسول الأعظم ﷺ  أمته في أحاديث كثيرة إلى كل ما يقوي أواصر المحبة والمودة فيما بينهم ويثمر بينهم التحاب ويجعلهم أقوياء، وحذرهم من كل ما من شأنه أن يؤدي بهم إلى التنافر والتباعد والتخاصم فيما بينهم ويورث فيهم الضغائن والأحقاد والبغضاء.

يقول حبيبنا المصطفى ﷺ: “لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً” رواه البخاري في الصحيح.

وقال عليه الصلاة والسلام: “المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلماً ستر الله يوم القيامة” متفق عليه. ومعنى “لا يسلمه” أي لا يتركه يظلم وهو يستطيع دفع الظلم عنه. ومعنى “من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته” أي من سعى في قضاء حاجة أخيه المسلم قضى الله تعالى حاجته.

وقال الحبيب المصطفى ﷺ: “لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله، التقوى ها هنا- ويشير ﷺ  إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه” رواه مسلم.

والنّجش هو أن يزيد في ثمن سلعة لا ليشتري بل ليغرّ الناس كما يفعل بعض الناس فيما يسمونه “بالمزادات”.

يا عشّاق الحبيب مُحمّد… ويا أحباب الله ورسوله

اسمعوا كلام سيد الأولين والآخرين وحبيب رب العالمين، سيدنا محمد ﷺ  وهو يرشد أمته إلى ما فيه التحاب في الله فيما بينهم، ويحذرهم أشد تحذير من التباغض والحسد اللذين يؤديان إلى اتنافر والتباعد والضعف فيما بينهم. يقول نبينا وحبيبنا الأعظم عليه الصلاة والسلام: “دبّ إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء هي الحالقة حالقة الدين لا حالقة الشعر،والذي نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا (أي لا يكون إيمانكم كاملاً) حتى تحابوا أفلا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم” رواه أحمد والترمذي.

قوله ﷺ “دبّ إليكم” أي سار إليكم، وقوله: “داء الأمم قبلكم” أي عادة الأمم الماضية.. الحسد والبغضاء.

ثم قال ﷺ: “هي الحالقة حالقة الدين لا حالقة الشعر”. ثم أرشد الحبيب المصطفى ﷺ أمته إلى ما يزيل الضغائن ويورث ويثمر التحاب فيما بين المسلمين فقال: “أفشوا السلام بينكم”.

وفي حديث آخر أرشد فيه النبي المصطفى ﷺ أمته إلى ما يجلب المحبة فيما بينهم فقال عليه الصلاة والسلام: “تصافحوا يذهب الغل وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء”([1]). رواه الإمام مالك في الموطأ.

يا عشّاق الحبيب محمد… ويا أحباب الله ورسوله

إن التّحاب في الله بين المسلمين بمعانيه السامية فيه سر عظيم، فهو يقوي أواصر المحبة بين المسلمين ويعمل على تآلف القلوب وإلى توثيق عرى المحبة بين المسلمين، والمتحابون في الله تعالى يحبهم الرحمن ويرضى عنهم، ويجلسهم يوم القيامة تحت العرش على كراسيّ من ياقوت إكراماً لهم، فهم يكونون على منابر من نور وعلى وجوههم نور ممتلئين سروراً ورضى، يغبطهم على حسن مظهرهم هذا الأنبياء والشهداء والصديقون، وهم في أمان وطمأنينةلا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن.

يقول الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: “وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتباذلين فيّ” حديث صحيح رواه مالك في الموطأ.

يا أحباب الله ورسوله… يا عُشّاق الحبيب مُحمّد

حقاً إنّ التحاب في الله فيه أسرار عظيمة، فالتحاب في الله والتناصح والتزاور والتباذل من صفات أولياء الله وعباده الصالحين، وهي خصال وصفات حميدة يحبها الله تبارك وتعالى في عباده المؤمنين ويرضى بها عنهم ويجعلهم بها أصحاب درجات عالية يوم القيامة، وهي خصال وصفات عظيمة تقوي المحبة بين المؤمنين وتعمل على تآلف قلوبهم، وتجعل العبد المؤمن التقي المتصف بها محبوباً عند الله تعالى ذا مقام كبير ودرجات عالية في الآخرة. فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى، فأرصد الله تعالى على كل مدرجته (أي طريقه) ملكاً (أي وكل الله تعالى ملكاً يحفظه) فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية. قال: هل لك عليه من نعمة تربها عليه؟ قال: لا،  غير أني أحببته في الله تعالى، قال: “فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه” رواه مسلم.

وقال الرسول الأعظمﷺ: “من عاد مريضاً أو زار أخاً له في الله، ناداه مناد بأن طبتَ وطابَ ممشاك، وتبوأتَ من الجنة منزلاً” رواه الترمذي.

يا عُشّاق الحبيب محمّد… ويا أحباب اللهِ ورسولهِ

ومما أرشدنا إليه حبيبنا ونبينا المصطفى ﷺ لتقوية المحبة في قلوب المؤمنين وتآلفها أن يعلم ويخبر المسلم أخاه المسلم إذا أحبه أن يحبه، فعن أنس رضي الله عنه أن رجلاً كان عند النبي ﷺ فمر رجل به فقال يا رسول الله إني لأحب هذا، فقال له النبي ﷺ: “أأعلمته” قال: لا، قال: “أعلمه”. فلحقه فقال: “إني أحبك في الله”. فقال: “أحبك الله الذي أحببتني له” رواه أبو داود بإسناد صحيح. ومعنى “أحبك الله” أي جعلك الله خالياً من الذنوب.

يا أحباب الله ورسوله… يا عاشقي الحبيب مُحمّد

إن مما يقوي أواصر المحبة في قلوب المؤمنين التزاور في الله، وما أحوجنا اليوم أن نقتدي في ذلك بحبيبنا محمد ﷺ وصحابته الأعلام أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما فنتواضع ويزور بعضنا بعضاً في الله، ابتغاء للثواب من الله ونيل مرضاته.

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “قال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما بعد وفاة رسول الله ﷺ : “انطلق بنا إلى أم أيمن رضي الله عنها (وكانت حاضنة الرسول ﷺ في صغره) نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهيا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك، أما علمين أن ما عند الله تعالى خير لرسول الله ﷺ، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيّجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها” رواه مسلم.

 

يا عُشّاق الحبيب مُحمّد… ويا  أحباب الله ورسوله

إنّ التّحاب في الله فيه سر عظيم وثمر ثمرات طيبة، وإن التراكم فيما بين المسلمين وكذلك الشفقة والرحمة والرفق واللين والانكسار والتواضع والبشاشة والبشر وحسن الخلق كل هذه الصفات تجلب دوام التآلف والتحاب بين المسلمين وتؤدي إلى ترك التنافر والتباعد فيما بينهم، قال الله تعالى: { مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } [سورة الفتح/29].

يا أحباب الله ورسوله… ويا عاشقي الحبيب مُحمّد

إنّ التواضع لله عبادة عظيمة وهو سبب عظيم من أسباب التحاب بين الإخوة المسلمين، كما أنه سبب للخلق الحسن والتواصف والتزاور والتباذل والتناصح فيما بينهم، وهذا يجلب التآلف والتحاب فيما بينهم، وإن ترك التواضع مجلبة للتنافر والتباعد وعدم التآلف. ولقد بيّن لنا النبي الأعظم ﷺ عظيم فضل التواضع فقال: “إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة التواضع” رواه الحافظ ابن حجر في الأمالي، يعني أنّ التواضع من أفضل الحسنات.

يا عُشّاق الحبيب محمد… ويا أحباب الله ورسوله

ما أجمل التواضع والتحابّ والتناصح والتزاور والتباذل في الله تعالى، وما أحوجنا يا إخوتي أن نتحلى بهذه الأوصاف الحميدة التي تقوي المحبة في قلوبنا وتعمل على تقوية بنياننا ومجتمعنا الإسلامي ونكون بذلك في الدار الآخرة من اصحاب الدرجات العالية في جنّات النعيم على سرر متقابلين. وما أجمل ما قيل في التواضع يا إخوتي:

إنّ التّواضع من صِفاتِ المُتّقي

 

 

وبه التَّقيُّ للمعالي يرتقي

 

دُعاء ومُناجاة

اللهُمَّ إنا نسألك حُبّك وحُبّ من يحبك والعمل الذي يبلغنا حبّك، اللهمَّ اجعل حبّك أحبّ إلينا من أنفسنا وأهالينا ومن الماء البارد.

اللهُمّ اجعلنا فيما بيننا من المتحابين ابتغاء مرضاتك، ومن المتراحمين والمتزاورين والمتباذلين والمتناصحين لأجلك حتى نكون يوم القيامة آمنين مطمئنين في ظل عرشك، ويكون على وجوهنا نور، ونكون على منابر من نور، ونكون من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون…

اللهُمّ اجعل قلوبنا مشغولةً ومجذوبةً بحبك وحبّ نبيّك المصطفى ﷺ وحب اخوانه النبيين وعبادك الصالحين وأوليائك العارفين، وعطف قلوبهم علينا يا عليّ يا عظيم، وأمدّنا بأمدادهم وبركاتهم يا أرحم الراحمين.

([1] ) الشحناء هي العداوة.