ومن أخلاقه عليه السلام: سئلت عائشة عنه([1]) فقالت: «كان خلقه القرءان يغضب لغضبه ويرضى لرضاه». ولا ينتقم لنفسه ولا يغضب لها إلا أن تنتهك حرمات الله فينتقم لله. وإذا غضب لم يقم لغضبه أحد.
وكان أشجع الناس وأسخاهم وأجودهم، ما سئل شيئا فقال: «لا».
ولا يبيت في بيته دينار ولا درهم، فإن فضل ولم يجد من يأخذه وفجأه الليل لم يرجع إلى منزله حتى يبرأ منه إلى من يحتاج إليه.
لا يأخذ مما ءاتاه الله إلا قوت أهله عاما فقط من أيسر ما يجد من التمر والشعر، ثم يؤثر من قوت أهله حتى ربما احتاج قبل انقضاء العام.
وكان [صلى الله عليه وسلم] أصدق الناس لهجة، وأوفاهم بذمة([2])، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، وأحلم الناس، وأشد حياء من العذراء في خدرها، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة([3]).
وكان أكثر الناس تواضعا، يجيبب من دعاه من غني أو فقير أو حر أو عبد. وأرحم الناس يصغي الإناء للهرة فما([4]) يرفعه حتى تروى؛ رحمة لها.
وكان أعف الناس وأشدهم إكراما لأصحابه، لا يمد رجليه بينهم، ويوسع عليهم إذا ضاق المكان، ولم تكن ركبتاه تتقدمان ركبة جليسه. من رءاه بديهة هابه، ومن خالطه أحبه، له رفقاء يحفون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا لأمره.
يبدأ من لقيه بالسلام، [ويتجمل]([5]) لأصحابه، ويتفقدهم ويسأل عنهم، فمن مرض عاده، ومن غاب دعا له، ومن مات استرجع فيه وأتبعه الدعاء([6])، ومن كان يتخوف أن يكون وجد في نفسه شيئا انطلق إليه حتى يأتيه في منزله.
ويخرج إلى بساتين أصحابه، ويأكل ضيافتهم، ويتألف أهل الشرف، ويكرم أهل الفضل، ولا يطوي بشره عن أحد، ولا يجفوا عليه، ويقبل معذرة المعتذر إليه، والقوي والضعيف عنده في الحق سواء.
ولا يدع أحدا يمشي خلفه، ويقول: «خلوا ظهري للملائكة»، ولا يدع أحدا يمشي معه وهو راكب حتى يحمله، فإن أبى قال: «تقدمني إلى المكان الذي تريد».
يخدم من خدمه، وله عبيد وإماء لا يترفع عليهم في مأكل ولا ملبس.
قال أنس [رضي الله عنه]: «خدمته [صلى الله عليه وسلم] نحوا من عشر سنين([7])، فوالله ما صحبته في حضر ولا سفر لأخدمه إلا كانت خدمته لي أكثر من خدمتي له، وما قال لي: «أف» قط، ولا قال لشيء فعلته: «لم فعلت كذا؟»، ولا لشيء لم أفعله: «ألا([8]) فعلت كذا».
وكان عليه السلام في سفر، فأمر بإصلاح شاة، فقال رجل: «يا رسول الله، علي ذبحها»، وقال ءاخر: «علي سلخها»، وقال ءاخر: «علي طبخها»، فقال صلى الله عليه وسلم: «وعلي جمع الحطب»، فقالوا: «يا رسول الله، نحن نكفيك»، فقال: «قد علمت أنكم تكفوني([9])، ولكني([10]) أكره أن أتميز عليكم، فإن الله يكره([11]) من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه»، وقام [صلى الله عليه وسلم] فجمع الحطب.
وكان في سفر، فنزل إلى الصلاة، ثم كر راجعا، فقيل: «يا رسول الله، أين تريد؟» قال([12]): «أعقل ناقتي»، قالوا([13]): «نحن نعقلها»، قال: «لا يستعن أحدكم بالناس ولو في قضمة من سواك».
وكان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث انتهى به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، وإذا جلس إليه أحدهم لم يقم عليه السلام حتى يقوم الذي جلس إليه إلا أن يستعجله أمر فيستأذنه، ولا يقابل [صلى الله عليه وسلم] أحدا بما يكره، ولا يجزي السيئة بمثلها بل يعفو ويصفح.
وكان يعود المرضى، ويحب المساكين ويجالسهم، ويشهد جنائزهم، ولا يحقر فقيرا لفقره، ولا يهاب ملكا لملكه، يعظم النعمة وإن قلت، لا يذم منها شيئا، ما عاب طعاما قط، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه.
وكان يحفظ جاره، ويكرم ضيفه.
وكان أكثر الناس تبسما، وأحسنهم بشرا، لا يمضي له وقت في غير عمل لله([14]) أو فيما لا بد منه، وما([15]) خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، إلا أن يكون([16]) فيه قطيعة رحم فيكون أبعد الناس منه.
يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويركب الفرس والبغل والحمار، ويردف خلفه عبده أو غيره، ويمسح وجه فرسه بطرف كمه أو بطرف ردائه.
وكان يحب الفأل ويكره الطيرة، وإذا جاءه ما يحب قال: «الحمد لله رب العالمين»، وإذا جاءه ما يكره قال: «الحمد لله على كل حال»، وإذا رفع الطعام من بين يديه قال: «الحمد لله الذي اطعمنا وسقانا وءاوانا وجعلنا مسلمين». وأكثر جلوسه مستقبل القبلة، يكثر الذكر، ويقل اللغو([17])، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويستغفر في المجلس الواحد مائة مرة.
وكان يسمع لصدره وهو في الصلاة أزيز كأزيز المرجل من البكاء.
وكان يصوم الاثنين والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، وعاشوراء، وقلما كان يفطر يوم الجمعة([18])، وأكثر صيامه في شعبان.
وكان عليه السلام تنام عيناه ولا ينام قلبه؛ انتظارا للوحي. وإذا نام نفخ([19]) ولا يغط([20])، وإذا رأى في منامه ما يكره قال: «هو الله لا شريك له»، وإذا أخذ مضجعه قال: «رب قني عذابك يوم تبعث عبادك»، وإذا استيقظ قال: «الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور».
([1]) وأما في «ب»: «سئلت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم» اهـ.
([3]) قال في «النهاية» (4/237): «هي مفاعلة من اللحظ، وهو النظر بشق العين الذي يلي الصدغ» اهـ.
([5]) وأما في أصولنا الخطية: «ويتحمل»، قال شهاب الدين النويري في «نهاية الأرب في فنون الأدب» (18/283): «فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يتجمل لأصحابه فضلا عن تجمله لأهله، ويقول: «إن الله يحب من عبده إذا خرج إلى إخوانه أن تهيأ لهم ويتجمل» اهـ.
([6]) وأما في «ج» زيادة: «له» اهـ.
([7]) في صحيحي البخاري ومسلم قال أنس رضي الله عنه: «خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال ليك «أف»، ولا: «لم صنعت»، ولا: «ألا صنعت»» واللفظ للبخاري اهـ.
([8]) قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (10/460): «بفتح الهمزة والتشديد بمعنى هلا» اهـ، وضبطها ناسخ «ج» كذلك ضبط قلم اهـ.
([9]) قال الزرقاني في شرحه على «المواهب اللدنية بالمنح المحمدية» (6/48): «تكفوني: بحذف إحدى النونين تخفيفا، والأصل: تكفونني» اهـ.
([10]) وأما في «ب»: «ولكن» اهـ.
([11]) قال الزرقاني في شرحه على «المواهب اللدنية» (6/48): «أي لا يثني عليه إذا رءاه متميزا» اهـ.
([12]) وأما في «ج»: «فقال» اهـ.
([13]) وأما في «ج»: «فقالوا» اهـ.
([14]) وأما في «أ» و«ب» و«د»: «عمل الله» اهـ.
([15]) وأما في «أ»: «ولا» اهـ.
([16]) وأما في «ج»: «تكون» اهـ.
([17]) سقط من «ج»: «ويقل اللغو» اهـ.
([18]) قال المناوي في «فيض القدير» (5/226): «يعني كان يصومه منضما إلى ما قبله أو بعده» اهـ.
([19]) قال الملا علي القاري في «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» (3/904): «أي: تنفس بصوت» اهـ، وقال المناوي في «فيض القدير» (5/162): «ليس بمذموم ولا مستهجن» اهـ.
([20]) كذا في أصولنا: «ولا يغط»، قال الشيخ محمد ابن الحاج حسن الآلاني الكردي في «رفع الخفا شرح ذات الشفا» (2/76): ««ولا يغط» بكسر الغين المعجمة، والغطيط: الصوت الذي يخرج مع نفس النائم وهو ترديده حيث لا يجد مساغا كما في النهاية، وفي مختصر ابن سيد الناس: «وإذا نام نفخ ولا يغط»، وتبعه الناظ [أي: ابن الجزري]، لكن في البخاري وغيره أنه صلى الله عليه وسلم نام حتى سمع غطيطه، فلعل ما ذكره الناظم غالبي» اهـ، قلنا: روى الترمذي والدارقطني وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد حتى غط أو نفخ، ثم قام يصلي اهـ.