الخميس فبراير 29, 2024

نَسَبُهُ وَنَسَبُ أُمِّهِ عَلَيْهِمَا السَّلامُ

 

   هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ وَهُوَ ءَاخِرُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَيْشًا فِي الأَرْضِ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ دِينُهُمْ وَاحِدٌ وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، كَمَا أَنَّ ءَاخِرَ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ جَمِيعًا هُوَ مُحَمَّدٌ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.

   فَسَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَصَوَّرَهُ فِي الرَّحِمِ كَمَا صَوَّرَ غَيْرَهُ مِنَ الْبَشَرِ، وَقَدْ خَلَقَهُ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ أَبٍ كَمَا خَلَقَ ءَادَمَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَأُمٍّ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سُورَةَ ءَالِ عِمْرَان/59].

   وَأُمُّ نَبِيِّ اللَّهِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ هِيَ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ مِنْ سُلالَةِ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، الصِّدِّيقَةُ الْوَلِيَّةُ الْبَتُولُ الْعَذْرَاءُ الطَّاهِرَةُ الَّتِي تَرَبَّتْ فِي بَيْتِ الْفَضِيلَةِ وَعَاشَتْ عِيشَةَ الطُّهْرِ وَالنَّزَاهَةِ وَالتَّقْوَى، وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهَا فِي الْقُرْءَانِ الْكَرِيـمِ فِي مَوَاطِنَ عَدِيدَةٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [سُورَةَ التَّحْرِيْم/12]، [مَعْنَى ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُّوحِنَا﴾ أَيْ أَمَرْنَا الْمَلَكَ جِبْرِيلَ فَنَفَخَ رُوحَ عِيسَى فِي فُتْحَةِ قَمِيصِ مَرْيَمَ، وَمَعْنَى «مِنْ رُّوحِنَا» أَيِ الرُّوحِ الَّتِي هِيَ مُشَرَّفَةٌ عِنْدَنَا وَمُطَهَّرَةٌ، فَهَذِهِ الإِضَافَةُ إِضَافَةُ الْمِلْكِ وَالتَّشْرِيفِ، وَلَيْسَتْ إِضَافَةَ الْجُزْئِيَّةِ لِاسْتِحَالَتِهَا فِي حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ].

   وَقَدْ كَانَ وَالِدُ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلامُ عِمْرَانُ رَجُلًا صَالِحًا عَظِيمًا وَعَالِمًا جَلِيلًا مِنْ عُلَمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانَتْ زَوْجَتُهُ عَاقِرًا لا تَلِدُ وَاسْمُهَا «حِنَّةُ» وَهِيَ مِنَ الْعَابِدَاتِ، وَكَانَ زَكَرِيَّا نَبِيُّ اللَّهِ زَوْجَ أُخْتِ مَرْيَمَ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ وَقِيلَ زَوْجُ خَالَتِهَا. وَقَدْ نَذَرَتْ حِنَّةُ لِلَّهِ إِنْ حَمَلَتْ لَتَجْعَلَنَّ وَلَدَهَا مُحَرَّرًا لِلَّهِ أَيْ خَالِصًا لِخِدْمَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ دُعَاءَهَا فَحَمَلَتْ بِمَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلامُ، فَلَمَّا وَضَعَتْ حَمْلَهَا كَانَ الْوَلَدُ أُنْثَى وَكَانَتْ تَرْجُو أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ ذَكَرًا لِيَخْدِمَ فِي بَيْتِ اللَّهِ عِنْدَئِذٍ تَوَجَّهَتْ بِالدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [سُورَةَ ءَالِ عِمْرَان/36]. وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [سُورَةَ ءَالِ عِمْرَان/37].