الإثنين يونيو 24, 2024

مِنْ أحبِ الصلاةِ إلى اللهِ

إنَّ اللهَ خلقَ الخلقَ وأمرَهُمْ بعبادتِهِ لا لينتفعَ بعبادتِهم ولا ليدفعَ بهم ضررًا عنهُ، يقولُ اللهُ في القرءانِ الكريمِ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [سورة البقرة: 21]، ومِنْ فضلِ اللهِ على عبادِهِ أنْ نوَّعَ لهم العباداتِ فشرَع لهم صلاةً مِنْ أفضلِ الصلواتِ بعدَ الفريضةِ، قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: «أفضلُ الصلاةِ بعدَ الفريضةِ صلاةُ الليلِ» رواهُ مسلمٌ. واللهُ يُحبُّها، قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: «أحبُّ الصلاةِ إلى اللهِ صلاةُ الليلِ» متفقٌ عليه.

إنَّ الْقِيَامَ فِي اللَّيْلِ دَأْبُ الصَّالِحِينَ، وَقُرْبَةٌ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَنْهَاةٌ عَنِ الإثْمِ، وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيئَاتِ، فَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «ألا أَدُلُّكَ عَلَى َأبْوَابِ الْخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ»، أي: تُطْفِئُ أيضًا الخطيئةَ كما يُطفِئُ الماءُ النارَ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه.

وصلاةُ الليلِ سببُ رحمةِ اللهِ للعبدِ، قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: «رحِمَ اللهُ رجلًا قامَ مِنَ الليلِ فصلَّى» رواهُ أبو داودَ. وهيَ مِنْ أسبابِ دخولِ الجنّةِ، قالَ عبدُ اللهِ بنُ سلامٍ : أولُ شيءٍ سمِعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم تكلَّمَ بهِ حينَ قدِمَ المدينةَ: «يا أَيُّها الناسُ أفشُوا السلامَ وأطعِموا الطعامَ وصِلُوا الأرحامَ وصلُّوا بالليلِ والناسُ نِيامٌ تدخُلوا الجنّةَ بسلامٍ» رواهُ الترمِذيُّ.

بل مَنْ أدَّاها كانَ في أعلَى منازِلِ الجنّةِ، قالَ عليه الصلاةُ والسلامُ: «إنَّ في الجنةِ غُرَفًا تُرَى ظهورُها مِنْ بُطونِها، وبُطونُها مِنْ ظهورِها». فقامَ أعرابيٌّ فقالَ: لمَنْ هي يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: «لمن أطابَ الكلامَ وأطعمَ الطعامَ وأدامَ الصيامَ وصلَّى بالليلِ والناسُ نِيامٌ» رواهُ أحمدٌ.

وقيامُ الليلِ كما هو مسنونٌ للرجالِ فهو سُنَّةٌ أيضًا للنساءِ، فقد وردَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم طرقَ ابنتَهُ فاطمةَ رضي الله عنها وزوجَها عليَّ ابنَ أبي طالبٍ ليلاً – أي: زارهما -، وقالَ لهما: «ألا تُصلِّيَانِ؟» متفقٌ عليهِ.

ودعا النّبيُّ صلى الله عليه وسلم بالرحمةِ لمن أيقظَ أهلَهُ ليُصلِّيَها، قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: «رحِمَ اللهُ رجلًا قامَ منَ الليلِ فصلَّى وأيقظَ امرأتَهُ» رواهُ أبو داودَ.

وصلاةُ الليلِ رِفعةٌ للشابِّ كما هي نورٌ ووقارٌ للكبيرِ، قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ لعبدِ اللهِ ابنِ عمرَ وكانَ إذ ذاكَ شابًّا: «نِعمَ الرجلُ عبدُ اللهِ لو كانَ يُصلِّي مِنَ الليلِ» متفق عليهِ. قالَ ابنُهُ سالِمٌ: «فكانَ عبدُ اللهِ بعدَ ذلكَ لا ينامُ منَ الليلِ إلا قليلًا».

وحذَّرَ النّبيُّ صلى الله عليه وسلم عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو أنْ يترُكَ قيامَ الليلِ وهو غُلامٌ، فقالَ لهُ: «يا عبدَ اللهِ لا تكُنْ مثلَ فلانٍ كان يقومُ الليلَ فتركَ قيامَ الليلِ» رواهُ البخاريُّ. وكلُّ الليلِ مِنْ بعدِ صلاةِ العشاءِ إلى الفجرِ زمنٌ لصلاةِ الليلِ، وأقلُّهُ ركعةٌ ولا حدَّ لأكثرِهِ. وءاخرُ الليلِ أفضلُهُ، قال عليهِ الصلاةُ والسلامُ: «صلاةُ ءاخرِ الليلِ مشهودةٌ» رواهُ مسلمٌ.

فالدُّنيا زمنُها قصيرٌ والْمُكثُ فيها يسيرٌ، والليلُ بما فيهِ مِنْ صلاةٍ وتلاوةٍ ودُعاءٍ وتسبيحٍ واستِغفارٍ مِنْ خيرِ ما يعمُرُ بهِ الـمُسلمُ ءاخرتَهُ. ومِنْ أعظمِ ما يدَّخِرُهُ مِنَ الأعمالِ الصالحةِ لِلقاءِ ربِّهِ، واللَّبيبُ مَنْ يغتنِمُ ءاخرَ الليلِ لإصلاحِ دينِه ودُنياهُ.

اللَّهُمَّ إنّا نسألُكَ حبَّكَ وحُبَّ مَنْ يحبُّكَ والعمَلَ الذي يبلّغُنَا حُبَّكَ