الثلاثاء يوليو 16, 2024

مجلس كتاب “سمعت الشيخ يقول” -88

                    الله خالق الإحراق – الروح مخلوقة لله تعالى

                      بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وصلى الله وسلم على سيدِنا محمدٍ رسول الله وعلى آل بيته وصحابته ومن والاه

يقول الشيخ جميل حليم الحسيني حفظه الله وغفر له ولوالديه

                                       الروح

*قال الإمام الهرري رضي الله عنه: الروح يرى ليس كرؤيةِ العين، الروح يَهيم تمتدُّ إلى الخارج من غير أنْ تنقطعَ عن الجسد ثم تعودُ عند الاستيقاظ عند رؤية المنام تعود كالشعاع الذي يمتد تشبهُ الشمس، الشمسُ تكونُ بمسافةٍ بعيدة لكنّ ضوءَها يتصل بالأرض.

(كنا في درس الأمس تكلّمنا عن قصة دوري وأنّ النار لم تُحرِقْه واسْتشهدْنا بذلك بقصة نبيِّ الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام وكنتُ قلتُ في آخر المجلس سنكمل في هذا الموضوع وقلتُ إذا سأل البعض أو تعجّبَ كيف أنّ دوري لم يحترقْ وذكرْنا لما حصل لإبراهيم عليه الصلاة والسلام ثم هنا قد البعض يقول لكن فرقٌ كبيرٌ بين نبيّ رسول وهو إبراهيم عليه الصلاة والسلام وبين دوري الذي كان وصل إلى التقوى والصلاح والولاية، فالجواب عن ذلك أنّ العلماءَ قالوا ما جاز أنْ يكونَ معجزةً لنبيّ جاز أنْ يكونَ كرامةً لوليٍّ إلا ما كان من خصائص النبوة.

يعني هذا النبي الكريم له معجزات وهذا الولي له كرامات هذا الأمر الخارق للعادة هو من الله عز وجل تأييدًا لنبيِّه أو لوليِّه، الله خرقَ العادات للأنبياء وهو خرق العادات للأولياء، فما جاز وصح أنْ يكونَ معجزةً لنبي وهذا ممكن ليس مستحيلًا جاز وصحّ أنْ يكونَ كرامةً لولي إلا ما كان من خصائص النبوة.

القرآن من خصائص النبوة وحي نزل على سيدِنا محمد صلى الله عليه وسلم فلا يحصل لوليٍّ من الأولياء أنْ ينزلَ عليه قرآن هذا لا يصير لأنّ هذا من خصائص النبوة، أما مسئلة خرق العادات في أمورٍ أخرى كعدمِ إحراق النار لهذا الولي الصالح فكما حصل لإبراهيم عليه الصلاة والسلام حصل لبعض الأولياء وقصة إبراهيم ثابتةٌ في القرآنِ الكريم، وكذلك ما حصل لبعض الأولياء الكبار المشاهير من أمة محمد مثل أبي مسلم الخولاني رضي الله عنه وأرضاه، هذا كان من كبار الأولياء الصالحين، وكذلك ما حصل لبعض الأولياء في الأمم الماضية من بني إسرائيل.

ثم حصل حادثة وهي أنّ عمر رضي الله عنه وأرضاه في زمنِ خلافتِه كان أحد التابعين أبو مسلم الخولاني كان في اليمن لكنْ لم يتمكن أنْ يأتي لرؤيةِ النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد ظهر في اليمن رجل كافر يقال له الأسود العنسي ادّعى النبوة لنفسِه وصار يدعو الناس ليؤمنوا به على زعمِه أنه نبيّ، هذا الرجل الذي هو من التابعين صار يكذّبُه ويحذّر منه ويشيع بين الناس أنّ هذا الرجل كذاب لا تصدّقوه لا تتّبعوه، فأُمسِكَ –أتباع الأسود العنسي أمسكوه- ثم وضعه في السجن وجاء إليه وقال له تؤمن بأني نبي؟ قال له: أذني في صممٍ عما تقول، بمعنى لا أعتبرُك ولا ألتفت إليك ولا إلى قولِك، قال تؤمن بأنّ محمدًا نبيّ رسول؟ قال نعم، فماذا فعل به؟

أضرم له نارًا عظيمة ألقاه فيها فخرجَ يمشي لا أحرقَتْه ولا مات فيها، ثم أمسكوه وضعوه في السجن، في اليوم الثاني أضرموا نارًا أقوى وأعظم من الأولى فألقَوْه فيها فلم يحترق، خرج يمشي أمسكوه، عملوا وأشعلوا نارًا أكبر من الأولى والثانية فأُلقيَ فيها فما أحرقَتْه ولا أحرَقَتْ ثيابَه خرجَ يمشي ثم قال أخرِجوه من أرضي، فزِع منه عرف أنه من أصحاب الكرامات والخوارق وانتشرَ خبرُه بين الأمة والناس.

مرةً من المرات كان  في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قد توفيَ الرسول وكان عمر هو الخليفة، فجاء إلى المسجد النبوي الشريف فدخل عمر قال له أنت فلان؟ قال نعم، قام إليه عمر وقبّل  بين عينيه وقال “الحمدُ لله الذي لم يُمِتْني حتى أراني في أمةِ محمد مَنْ فُعِلَ به مثلَ ما فُعلَ بإبراهيم الخليل” يعني النار لم تُحرقه ولا أثّرَت فيه وهذا في زمن الصحابة وهو من التابعين، وهذا ذكره كثير من العلماء والأئمة وأصحاب التراجم.

حوادث عديدة، ثم ما ذكره الأئمة والعلماء من قصة شمس الدين وتاج الدين السادة الرفاعية في تحدّي التتار جماعة هولاكو في مسئلة ركوب الأسود وأخذ الأفاعي ودخول النار، حتى إنّ الكثير من التتار دخلوا في الإسلام.

الله أعطى هذه المعجزة لإبراهيم عليه السلام وأعطى هذه الكرامة لبعض أولياء أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

ثم الذي يُنكر هذا الأمر أو يتعجب نقول له اليوم المواصلات سهلة والانتقال من بلد إلى بلد سهل أنت إنْ كنت تُنكر ذلك وتكذّب ذلك تعال وسافر إلى بلاد الحبشة، إلى اليوم وليس في أيام عمر والأسود العنسي حصل في زمن نبي الله إبراهيم حصل، أعطيك مثالًا الآن في عصرنا هذا تسافر إلى بلاد الحبشة وتذهب إلى عدد من الناس الذين نعرفهم هم يوصلونَك إلى ذرية الولي الكبير الشيخ عبد السلام الاسمر المدفون في ليبيا وله ذرية في الحبشة إلى اليوم في النصف من شعبان يوقِدونَ نارًا عظيمة بجذوع الشجر الضخم ويدخلون فيها الرجال والنساء حفاةً لا لحومُهم تحترق ولا ثيابُهم تحترق ولا شعورُهم تحترق، إلى اليوم هذا موجود.

والشيخ رحمه الله أرسل بعض الإخوة والأحبة ومنهم شخص من تلك البلاد وهو الحاج أحمد باشا ذهبوا إليهم وإلى بلدتِهم البعيدة والسي دي موجود عندنا وحتى لا نريك السي دي وتقول قد يُرَكّب ما فيه، اذهب بالطائرة ثم بالسيارة ثم على الدواب إلى أنْ تصل إلى قريتِهم وترى بعينِهم تشاهد وتحضر عندَهم.

الله تعالى أعطى هذا الأمر لغير الأولياء أيضًا، بعض المخلوقات ليست أولياء لكن لا تحترق بالدنيا الله يفعل ما يشاء مثل حشرات تشبه الأسماك الصغيرة بقدر ربع أو نصف الإصبع تعيش في قاع البراكين التي تذيب الجبال والصخور ولا تحترق ولا تموت، والذي يريد بعد أنْ إنهاء الدرس اعملوا بحث عن المخلوقات التي تعيش في قاع البراكين أو الحشرات…

هذه كم هي رقيقة وصغيرة لا تحترق بتلك البراكين التي تُحرق الجبال وتُذيبُها.

شىء آخر وهي النعامة تأكل المسامير المجمّرة والقطع الحديدية توضع في النار إلى أنْ تصير كالجمر، هذه النعامة تأكلها وتستلذ وتستمرِؤُها، الله تعالى أعطاها هذه الخاصية على أنها بهيمة لا هي إنسان ولا هي ولي إنما الله عزّ وجل هو فعّالٌ لما يريد.

هذه النعامة عندها لحم وعصب وجلد وعروق مع ذلك لا تحترق، لاحظوا شىء آخر وهو طير السمندل ويقال يوجد نوع آخر منه من الزواحف، عندما يتّسخ فرو طائر السمندل يقعد فيها فيذهب الوسخ عنه ولا يحترق ولا يموت ولا يخرب.

وفي الماضي كان الملوك والأغنياء يتّخذون من فروِه حزامًا أو شيئًا يضعونَه على الثياب فإذا اتّسخ يضعونَه في الزيت ثم في النار فالنار تأكل الوسخ الذي عليه أما هو فلا يحترق، يعني لا في حياتِه عندما يكون حيّا ولا فروُه بعد موتِه وسلخِه إذا وُضِع في النار لا يحترق، آمنت برب العالمين الله يفعل ما يشاء.

لا يُتعجَّب ولا يُستغْرَب أنّ دوري رحمه الله جاءت الشياطين وأشعلت عليه تلك الخيمة وذلك الخباء وذلك الكهف فلم يحترق وخرج من تلك النار وهو يقول الخشب يُحرق الخشب وأما أنا الله حفظني وسلّمني ونجاني.

إذًا لا مجال للاعتراض ولا مجال للإنكار أو الاستنكار هذا كله بمشيئة الله سبحانه وتعالى.

وهناك حوادث كثيرة في مسئلة الكرامات وما حصل للأولياء، هذه حادثة السادة الرفاعية وحدَها تكفي كانوا خمسمائة واحد من السادة الرفاعية.

التتار الذين كانوا يحكمون البلاد فيذبحون الكبار والصغار والنساء وجعلوا بعض البلاد فيها الدماء كالأنهار السادة الرفاعية هم الذين أوقفوهم بهذه الكرامة العجيبة التي أعطاهم الله تعالى وهذا ليس بعزيز على الله، الله تعالى قال في القرآن الكريم {واللهُ على كلِّ شىءٍ قدير}-سورة آل عمران/29-

ثم إنّ الأطوار والأحوال التي تكون في عمر الإنسان لأنّ العنوان السابق في درس الأمس كان أنّ العمر يكون أطوارًا، من هذه الأطوار لو نظرنا في سير بعض الأولياء والصالحين أنّ منهم مَنْ كان من زعماء الكفار ومنهم مَن كان يحارب الرسول صلى الله عليه وسلم والإسلام كيف أسلم وحسُن إسلامُه وصار صحابيا وصار مسلمًا مؤمنًا موحّدًا من أهل الحق والصدق وكان خدم الإسلام وجاهد في سبيل الله وقاتل الشرك والظلم ثم صار من الأولياء وله كرامات وهذا كثير في الصحابة ومَنْ بعد الصحابة.

وانظروا في قصة هذا الولي الصالح أبي بكر الهواري ماذا كان وكيف صار وحوادثُ كثيرة تدل وتُثبت أنّ الإنسان ينتقل من طوْرٍ إلى طور ومن حال إلى حال، وبعض الناس يكونون على التقوى والصلاح لكن لم يصلوا إلى الولاية فينقلبون يكفرون يحاربون الإسلام الدين وهؤلاء أيضًا لهم أمثلة كثيرة ومنهم بلعان بن باعوراء وقد حكيْنا قصتَه في ما مضى في هذه المجالس، هذا لم يصل إلى الولاية لكن كان إذا دعا يُستجاب له وكان يعرف الدعاء بمفتاح اسم الله الأعظم وكان يحصل له ما يطلب وما يدعو به، الله تعالى جعله عبرة للمعتبرين عندما قال له الكفار من بني إسرائيل ادعُ على موسى ونُعطيكَ ما تريد من الذهب، أعطَوْه طستًا مليئًا بالذهب وهو من الذهب وقطعًا ذهبية ووعدوه بأكثر، هذا اختصار القصة لكن الآن نأخذ الخلاصة، قال ويحَكم كيف أدعو على نبيِّ الله، فأغرَوْه بالمال والذهب عن طريق زوجتهِ حتى وافقهم فكفر، فلمّا اجمتعوا وأرادَ أنْ يدعو على موسى وموسى ما خاف منه لأنه نبي رسول مؤيّدٌ من الله بالمعجزات، انقلب لسانُه فصار يدعو على نفسه وعلى مَن معه، وهكذا موسى بن ظفر السامري أليس كان مدةً أسلم ثم بعد ذلك انقلب على عقبيه؟ وقصته معروفة بعدما جاوز موسى ببني إسرائيل البحر.

فالحاصل هذه الأمثلة كثيرة في التاريخ الماضي وفي الحاضر الناس ينقلبون من كافر إلى مسلم من مسلم إلى كافر من فاجر إلى تقي من تقي لم يصل إلى الولاية ينقلب فيرجِع إلى المعصية، نسأل الله السلامة والنجاة.

هذه الأطوار والأحوال في عمر الإنسان ينبغي أنْ تكونَ واعظًا لنا ومحرِّكًا للثبات على الإيمان والإسلام على طاعة الله إلى الممات، قال صلى الله عليه وسلم [إنما الأعمالُ بخواتيمِها]

هذا مما يتعلق بموضوع الأمس ومسئلة أنّ النار لا تُحرق الأنبياء وبعض الأولياء –بعض الأولياء لأنّ الولي إذا كان سبق في تقدير الله أنْ يموتَ محترِقًا سيموتُ محترقًا- يعني مَنْ أعطاه كرامة ليس كل الأولياء يُلقَوْنَ في النار فلا تُحرقُهم.

أليس تعرفون ما جاء في القرآن الكريم في قصة أصحاب الأخدود؟ أليس أُلقيَ في النار في الأخدود الذي حفره الملِك والكفار وصاروا يَعرضون المؤمنين على النار مَنْ أصرَّ على الإيمان ألقَوْه في تلك النار؟ أصرّ على الإيمان فيموتُ شهيدًا وفيهم الأتقياء والصلَحاء، ومَن كفر تركوه والعياذ بالله.

الوليُّ قد يموتُ قتلًا شنقًا حرقًا خنقًا هذا قد يحصل، لكن إذا حصل للولي أنْ لا يحترق بالنار فهي تأييدٌ من الله كرامة اللهُ تعالى يُظهرُ صدقَه في اتّباعه للنبي محمد صلى الله عليه وسلم أو للأنبياء السابقين، يعني إذا كان هذا الولي من الأمم السابقة فتكون هذه الكرامة دليلًا على صدقِ هذا الولي في حُسن اتباعِه لنبيِّ زمانِه.

أما المسئلة الثانية مسئلة الروح، الروح أمرُها عجيبٌ وغريب لكنْ قبل أنْ ندخل بشىء من التفصيل نقول يجب الإيمان والاعتقاد والتصديق والجزم بوجود الروح، ويجب أنْ نؤمن بأنّ الروح شىء حادث ليس أزليًّا، هي مخلوقة.

وقد نقل الإمام الحافظ المجتهد الكبير المتبَحّر في معرفة اختلاف مذاهب العلماء وهو من السلف أبو عبد الله محمد بن نصرٍ المَروَزيّ  رضي الله عنه وأرضاه، كان من الأئمة الكبار، له كتاب يُعرَف باسم اختلاف العلماء وله اسم آخر طُبع بعنوانيْن: اختلاف العلماء واختلاف الفقهاء، وقد قرأنا هذا الكتاب بالتلقي والإسناد والحمد لله، وقال لنا الشيخ رحمه الله هذا يُعجبُني خذوا منه مؤلِّفُه مجتهدٌ إمامٌ كبيرٌ.

هذا الإمام الكبير كان مجتهدًا اجتهادًا مطلَقًا كالإمام الشافعي ولو كان الشافعي له شهرة أوسع وأكبر، قال “أجمعت الأمة على حدوثِ الروح”

يعني هذه عقيدة الأنبياء والملائكة والأولياء والسلف والخلف وكل المسلمين أنّ الروح مخلوقة. لأنّ الفلاسفة وبعض مَنْ يدّعون التصوّف من الملاحدةِ الزنادقة يقولون الله روح الروح أزلية ليست مخلوقة، هؤلاء كفار ليسوا مسلمين جعلوا اللهَ روحًا.

قال الإمام الفقيه المحدّث الشيخ عبد الغنيّ بن إسماعيل النابلسي “مَنْ سمّى اللهَ روحًا كفر”.

الذي يقول أنّ الله روح أو الروح أزلية أو ليست مخلوقة أو حالة في الله هذا كافر ليس من المسلمين لو هو ادّعى الإسلام.

والإجماع الذي نقلَه أبو عبد الله محمد بن نصر المروَزيّ على أنّ الروحَ حادثة مخلوقة.

الله قال في القرآن {ويسألونَك عن الروح قل الروحُ منْ أمرِ ربي}

أؤكّد على مسئلة أنّ الروح ليست أزلية لأنّ في بعض الكتب يقولون هي أزلية وهذا إشراك وتكذيبٌ لله، الله يقول في القرآن عن ذاتِه المقدّس {هو الأولُ والآخر}-سورة الحديد/3- يعني وحدَه،  لما يأتي شخص يقول الروح أزلية جعل لله شريكًا في الأزلية.

الروح شىءٌ موجود وهي حقيقة شىء ثابت، الملائكة لهم أرواح الجن لهم أرواح البهائم لهم أرواح الإنس لهم أرواح الحشرات لها أرواح لأنّ المخلوقات منها ما هي من ذَوي الأرواحِ والعقول ومنها مَنْ هي من ذوي الأرواح بلا عقول، ومن المخلوقات ما هي جمادات لا عقول ولا أرواح.

مثلًا الإنس والجن والملائكة من ذوي الأرواح والعقول، والبهائم من ذوي الأرواح بلا عقول، هي ليست مكلفة، والدليل على أنّ فيها روح قول الله تعالى {وإذا الوحوشُ حُشِرَتْ}-سورة التكوير5-

ثم ورد في الأحاديث ومنه ما رواه القرطبي أنّ الأسماك والدجاج والخرفان كل هذه الأشياء التي نأكلُها من ذوي الأرواح يُعيدُها اللهُ يوم القيامة، وهذا أيضًا ذكره بعض مفسري القرآن عند قولِ الله تعالى {وإذا الوحوشُ حُشرَت}-سورة التكوير/5-

الأسماك التي أكلِتْ بتاريخ الدنيا إلى قيام الساعة والطيور والعصافير والحمام الدجاج الغنم البقر الإبل وما شابه، كل هذا يبعثُه اللهُ يومَ القيامة ليس لتعذيبِه إنما ليُقتَصَّ من بعضِها لبعضٍ هي لا تدخل الجنة ولا تدخل النار.

بعض الناس يقولون بقرة بني إسرائيل تدخل الجنة، هدهد سليمان يدخل الجنة على زعمِهم، كلب أهل الكهف يدخل الجنة على زعمهم، حوت يونس يدخل الجنة على زعمِهم، وهكذا… ليس صحيحًا ليس شيئًا ثابتًا مع وجودِها في بعض الكتب لكن هذا ليس حديثًا ثابتًا وليس قرآنًا وليس إجماعًا هو قول لبعض العلماء.

فبهائم الدنيا أي التي خُلقَت في الدنيا لا شىء منها يدخل الجنة ولا النار، إنما الذي يدخل الجنة البراق الذي جلَبَه جبريل ليلة الإسراء والمعراج من الجنة فعاد إلى الجنة بعدما انتهى الرسول صلى الله عليه وسلم من الإسراء وطلع إلى السماء على المرقاة.

قد يسأل سائل إذا كان الإسراء على البراق والمعراجُ على المرقاة وانتهى الرسول عليه الصلاة والسلام من رحلة المعراج العظيمة المباركة كيف رجع إلى مكة؟

قال العلماء بطريقِ خرقِ العادة، إذًا البراق لأنه من الجنة رجع إلى الجنة أما بهائم الدنيا لا شىء منها يدخل الجنة، إنما تُحشَر.

قال عبدُ الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ومعه أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه، عند قول الله تعالى {ويقولُ الكافرُ يا ليتني كنتُ ترابًا}-سورة النبأ/40- “قالا إذا رأى الكافرُ ذلك –أنّ البهائم يُعيدُها الله ليُقتَصَّ لبعضِها من بعض ثم تعود ترابًا- فإذا رأى الكافرُ ذلك تمنّى مثلَه له ولا يكون” لأنّ الكافر يُخلّد في جهنم أما هذه البهائم تُحشَر إظهارًا لعدلِ الله مع أنها ليست مكلفة.

إذا كانت البهائم تُحشر ليُقتَصَّ بعضها لبعض فهل تُترَك حقوق بني آدم؟

البهائم لا تدخل الجنة ولا النار بدليل قول الله تعالى {وكنتم أزواجًا ثلاثة}-سورة الواقعة/7- معناها أصناف البشر أنبياء أولياء أتقياء مسلم عاصي وكافر، ليس بينهم بهائم لأنها ليست في الجنة ولا في النار –بهائم الدنيا- إنما هذه الأصناف الثلاثة التي ذكرها القرآن منها إلى الجنة ومنها إلى النار.

أما الإجماع فينطبق تمام الانطباقِ مع هذه الاحاديث والآيات التي ذكرْناها أنّ البهائم تُحشَر إظهارًا لعدل الله.

مثلًا لو سمكة صغيرة ضربَت سمكة أخرى بأنْ عضّتْها مثلًا الله يُعيدُها يومَ القيامة، المضروبة ترد ضربَتها من التي ضربتها في الدنيا وتعودان ترابًا، آمنت بالله.

مثلًا الجمال البقر الغنم الأسماك والذر –النمل الصغير- يعيده الله يبعثُه يوم القيامة بدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم [لَتُؤَدَّنَّ الحقوق يومَ القيامة لأهلِها حتى يُقادَ منَ الشاةِ القرْناء للشاةِ الجَلْحاء ومن الذرةِ للذرة]-رواه مسلم-

الشاة التي ليس لها قرون وضربَتها الشاة التي لها قرون في الدنيا الله يعيدُهما يوم القيامة فالمضروبة التي بلا قرون في الدنيا ترد ضربتَها من القرناء التي نطحَتها ولا تتجرأ القرناء أنْ تضربَها ثم تعودانِ ترابًا.

من الذرة للذرة أي من النملة للنملة.

رأيتم عرفتم لماذا الوحوش والبهائم تُحشَر؟

فإذًا المخلوقات التي لها أرواحٌ وعقول الإنسُ والجنّ والملائكة أما المخلوقات التي لها أرواح وليس لها عقول البهائم. أما الجمادات فهي لا منْ ذواتِ العقول ولا من ذوات الأرواح مثل النجوم الشمس والقمر، هي جسم كامل من الجمادات ليست لها أرواحٌ ولا عقول.

الشمسُ والقمر يُرميان في جهنم ليس تعذيبًا لهما بل إهانةً  لمَنْ عبدهما في الدنيا.

جهنم فيها عقارب وأفاعي، العقرب في جهنم كالوادي، هذه العقارب لا تُعذَّب في جهنم هي ليست مكلّفة، وهذا دليل على أنّ بعض المخلوقات تكون في جهنم ولا تحترق، عندنا أدلة في الدنيا وفي الآخرة بالنسبة لمسئلة النار لأن النار بذاتِها لا تخلق الإحراق ولا تُحرِق بذاتِها وحاشى أنْ تكونَ خالقةً، بل هي مخلوقة والمخلوقُ لا يخلق بل اللهُ إنْ أرادَ يخلق الإحراق في النار.

فهذه العقارب والأفاعي التي في النار والملائكة الذين في النار لا يحترقون ولا يتعذبون وهم يُعذَّبون الكفار في جهنم، الله قال {عليها تسعة عشر}-سورة المدثر/30- وقال {سَندعُ الزبانية}-سورة العلق/18-

الشمس والقمر يُرمَيانِ في جهنم إهانةً للمشركين الذين عبدوهما في الدنيا ليس لأنهما مكلفيْن وعليهم مسؤولية، والبهائم تُحشَر إظهارًا لعدلِ الله تعالى.

فإذًا الجمادات ليس لها عقول كالشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر، الشجر فيه صفة النموّ وهذا ليس روحًا.

 الرسول صلى الله عليه وسلم حرّم علينا أنْ نعذّبَ ذي روح.

لو سأل سائل ما معنى النمو؟ نقول له كما أنّ البحر فيه تموّج النبات فيه نمو ولا البحر فيه حياة ولا النباتات فيها حياة وروح.

بعض المعاصرين والعياذ بالله في تفسير له أنكر أنْ يكونَ للبهائم أرواح، شيخنا رضي الله عنه بعث له رسالة قال له في تفسيرِك فلان الفلاني في الجزء كذا صحيفة كذا تقول إنّ البهائم لا أرواحَ لها، ردّ عليه الشيخ من القرآن  {وإذا الوحوشُ حُشِرَتْ}-سورة التكوير/5- وبالحديث الذي في صحيح مسلم وشرحناه، عندما وصلت إليه الرسالة قال: في لبنان يوجد مَن يُكفّر الناس أيضًا؟

انظروا إلى الكبر والانتفاخ والتعجرف، هذا عالم؟ كيف عالم ويُنكر أنّ في البهائم أرواح؟ يعني على زعمِه الدجاجة يجوز أنْ تُشوى وهي على قيد الحياة؟ يجوز أنْ تأتي بالغنمة وهي على قيد الحياة بدون أنْ تذبَحها وتضعها بالنار وتشويها، هل هذا يجوز على زعمِه؟

وإلا ما الفرق بين الجمادات وذوي الأرواح؟ كيف يعني على زعمِه البهائم ليس لها أرواح؟ على زعمِه هذا كأنه يقول والعياذ بالله كذب القرءانُ حيثُ فيه {وإذا الوحوشُ حُشرَتْ}-سورة التكوير/5- يُعيدُها الله وتعود إليها الأرواح وهذا الحديث الصحيح الذي في مسلم والإجماع على أنّ البهائم لها أرواح.

هل يجوز أْنْ يُضرَب الحمار كما يضرب الجدار؟

إذا كان هذا الشخص يبيح ذلك فليسمعْ قول الرسولِ صلى الله عليه وسلم في الذي كوى الحمار بحديدةٍ مُحَمّاة في وجهِه قال [لعنَ اللهُ مَنْ فعلَ هذا]

يعني أنت يا جاهل تبيح أنْ تفعل ما تنزل بسببه عليك اللعنات وتبيح للناس ما يكونون بسببه ممن لعنهم الرسول، كيف تبيح مَنْ يكونُ ملعونًا بفعله؟ ما هذا التناقض؟

ثم أليس في الصحيح أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال في امرأةٍ حبسَت هرة لا هي أطعمَتها ولا تركتَتها تأكل من خشائش الأرض حبسَتها حتى ماتت من الجوع قال الرسول [فهي تُعذَّبُ بها في النار]

كيف يدّعي هذا أنه شيخ ويقول بهذا الكلام؟ أي شىء له في المشيخة؟ كل هذه الآيات والأحاديث والإجماع يُنكرُه؟

فإذًا البهائم لها أرواح لكنْ ليس لها عقول وهي ليست مكلفة، أما الملائكة عليهم السلام فهم من ذوي الأرواح والعقول وهم أجسام لطيفة وأرواحُهم ألطف من أجسامِهم لأّنه ليس هناك مانع أنْ يكونَ جسمٌ لطيف وجسم ألطف.

الله قال في سورة البقرة {وعلّمَ ءادمَ الأسمآءَ كلَّها ثمّ عرَضَهم على الملآئكةِ فقال أنبِئوني بأسمآءِ هؤلآءِ إنْ كنتم صادقين قالوا سبحانَك لا علمَ لنآ إلا ما علّمْتَنا}-سورة البقرة/31-

لو كانوا جمادات بلا أرواح كيف علّمهم الله؟ كيف حفظوا كيف فهموا كيف بلّغوا كيف نقلوا كيف تكلموا؟ إذًا من ذوي الأرواح والعقول وهم مكلفون بالعقائد الإيمانية، ليس بالزكاة ولا بالصيام لأنهم لا يأكلون ولا يشربون، بالصلاة نعم هم مكلفون ولا يوجد ملَك لا يصلي كلّهم يصلون ويحجّون وهم ليسوا ذكورًا ولا إناثًا لا يأكلون لا يشربون لا ينامون لا يتوالدون لا يتناكحون لا يتزوّجون لا يبولون لا يمتَخِطون لا يتغَوَّطون لا يتعبون من طاعةِ الله.

الله يقول في القرءان الكريم عن الملائكة {وهم بأمرِه يعملون}-سورة الأنبياء/27- يعني بأمر الله ينفِّذون ما يؤمَرون به، {بل عبادٌ مُكرَمون}-سورة الأنبياء/26- وقال {لا يعصونَ اللهَ مآ أمرَهم ويفعلونَ ما يؤمَرون}-سورة التحريم/6-

إذا كانوا غير مكلفين وليس لهم أرواح وعقول كيف أمرَهم؟

هم ممن يتلَقَّوْن الأوامر، ولهم إرادة ولا يختارون إلا الطاعةَ بمشيئةِ الله، هم ليسوا كورق الشجر أو ورق المنديل التي تطير في الهواء شمال ويمين بدون إرادة، بل لهم إرادة واختيار، يعملون بأمرِ الله ليسوا مُجبَرين.

والملائكة كلّهم أولياء صلَحاء أخيار أطهار لا يعصونَ اللهَ ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

ومن عجائب هذا الزمان على نسق هذا الذي قال إنّ البهائم لا أرواح لها واحد قال والعياذ بالله الملائكة لا إرادة لهم، ما هذا الجهل العريض؟

كيف ليس لهم إرادة وهذه الآيات تُثبت أنّهم أهلكوا قريةَ كذا فعلوا كذا أمرهم الله بكذا يعملون كذا ينزلون على الأنبياء، ارجعوا إلى آيات القرآن فترونَ كم من الآيات تُخبرُنا عن أعمالِ الملائكة وعما أُمِروا به.

فالملائكة مكلّفون بالعقائد الإيمانية يعني أركان الإيمان الستة هم يعتقدونَها، الإيمان بالله وملائكتة وكتبه ورسلِه وباليوم الآخر وبالقدر خيرِه وشرّه، هم مكلفون بكل ذلك، يصلّون يحجون، أما الزكاة والصيام فلا، ليسوا ذكورًا وليسوا إناثًا.

فالذي يقول الملائكة ليس لهم إرادة كفر كالذي يقول البهائم ليس لها أرواح كذّب القرآن، فليس من المسلمين.

الله أجرى العادة أنْ تكونَ الروح في الجسد فإذا خرجت هذه الروح ماتت هذه البهيمة أو الإنسان أو الجني، والملائكة يوم القيامة عند النفخِ في الصور، كلنا نموت {كلُّ نفسٍ ذآئقةُ الموت}-سورة آل عمران/185-

إذًا الروح موجودة جسمٌ لطيف الملائكة أجسامٌ لطيفة وأرواحُهم ألطف من أجسامِهم، ومن الدليل على ذلك الملك الموكّل بأرحام النساء، المرأة الحامل هل تحس وتشعر بأنّ الملَك أدخلَ يديه من بطنِها مثلًا إلى رحِمها ليشتغل بتصوير الجنين؟ يصوّره على حسب ما يؤمَر إنْ كان ذكرًا أو أنثى إذا كان في كل يد خمسة أصابع أو ثلاثة أو سبعة، في كل رجل إصبعين أو عشرة، برجل واحدة أو رجلين، بيد واحدة أو يدين، بيد بدون كف أو بدون مرفق، برأسين مثلًا، هذا العمل الذي يعمله الملَك الموكل بأرحام النساء عندما يُدخل يديه من بطن المرأة إلى رحِمها مثلًا وقد يُدخل رأسَه من بطنِها إلى رحِمها، هل يوجد امرأة في الدنيا أنها ترى ذلك وتشعر به، لا يوجَد، هذا من شدةِ لطافة الملَك، إذا كان جسمُه كذلك روحُه كم تكون لطيفة؟ هذا مثال يدل على أنّ المَلَك جسمٌ لطيف وله روح وروحُه ألطف من جسمِه.

فالحاصل عندما تخرج الروح من جسد الإنسان يموت يصير هذا الجسد كقطعة الخشب، والله أمرُها عجيب إذا رأى الإنسان النائم المنام الروح كما قال العلماء تمتد إلى حيثُ ترى الرؤية من غير أنْ تنفصل عن الجسد.

وبعض العلماء قالوا إذا نام الإنسانُ على طهارة على وضوء روحُه تمتد تصير كالسلك إلى العرش لكنْ لا تنفصل عن الجسد يعني لا يموت موتًا حقيقيًّا، لأنّ النائم من حيثُ الظاهر يشبه الميّت لكن روحُه متصلة بجسدِه.

لاحظ معي الشمس كم هي بعيدة أثرُها أليس يصل إلينا؟ بلى، نحن ننتفع البهائم تنتفع الزرع ينتفع الهواء ينتفع بأشعة الشمس، الماء تنتفع بأشعتِها، مع أنها بعيدة جدا عن الأرض، وهكذا الروح إذا امتدت إلى مكانٍ بعيد تبقى متصلةً بالجسد لكنْ  لا تنقطع وتنفصل كليًّا  لأّن الإنسان ليس كل يوم يموت موتًا حقيقيًّا وتعود إليه الروح، الله قال {قالوا ربَّنا أمَتّنا اثْنَتَيْن وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْن}-سورة غافر/11- إنما النوم يشبه الموت، عند الموت الروح تخرج من الجسد كليا أما عندما ننام ونرى الرؤية الروح تبقى متصلةً بالجسد.

إذًا يجب الإيمان والاعتقاد بوجود الروح وأنها ليست أزلية بل هي حادثةٌ مخلوقة وأنّ البهائم لهم أرواح وأنّ الملائكة لهم أرواح وأنّ مَنْ أنكرَ ذلك فقد كذّب القرآن ومَنْ قال بأزليةِ الروحِ فقد كفر لأنّه جعل للهِ شريكًا في الأزلية ومَنْ قال بأنّ اللهَ هو روح أو له روح أو يشبه الأرواح فقد كذّب قولَ اللهِ تعالى {فلا تضربوا للهِ الأمثال}-سورة النحل/74-

والحمد لله رب العالمين