الثلاثاء أبريل 16, 2024

مجلس كتاب “سمعت الشيخ يقول” – 100

                          القبر أفظع من المزبلة لكثيرٍ من الناس

قال فضيلة الشيخ الدكتور جميل حليم الحسيني غفر الله له ولوالديه ومشايخه

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدِنا محمدٍ طه النبيِّ الأميِّ الأمين العالي القدْر العظيمِ الجاه وعلى آلِه وصحبِه ومَن والاه

وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له ولا ضدّ ولا ندَّ ولا زوجةَ ولا ولدَ له، ولا شبيه ولا مثيلَ له ولا جسمَ ولا جسدَ ولا حجمَ ولا جثةَ له ولا صورةَ ولا أعضاءَ ولا كيفيةَ ولا كميةَ له ولا أينَ ولا جهةَ ولا حيّزَ ولا مكانَ له، كان اللهُ ولا مكان وهو الآنَ على ما عليه كان، فلا تضربوا للهِ الأمثال، وللهِ المثلُ الأعلى، تنزّه ربي عن الجلوس والقعود وعنِ الحركةِ والسكون وعن الاتصال والانفصال لا يحُلُّ فيه شىء ولا ينحلُّ منه شىء ولا يحُلُّ هو في شىء لأنه ليس كمثلِه شىء، مهما تصوّرتَ ببالك فاللهُ لا يشبهُ ذلك ومَن وصفَ اللهَ بمعنًى من معاني البشر فقد كفر.

 

وأشهدُ أنّ حبيبًنا وعظيمَنا وقائدَنا وقرةَ أعيُنِنا محمًدا عبدُ اللهِ ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه وخليلُه صلى الله عليه وعلى كلِّ رسولٍ أرسلَه ورضي اللهُ عن جميعِ الأولياء والصالحين

 

*قال الإمام الهرري رضي الله عنه: القبرُ أفظعُ من المزبلة القبرُ ظلمةٌ وضيقٌ ووحشة لا ترى إنسانًا يؤنسُكَ على العادة أنتَ وعملُك عملُكَ يؤنِسُكَ أو يُهْلِكُكَ القبرُ بيتُ الضيق وبيتُ الوحشةِ وبيتُ الوحدةِ وبيتُ الدود وبيتُ الظلمةِ ما يُفَكِّرونَ في هذا؟

(هنا عندنا كلمات وعبارات لشيخِنا رحمه الله يبيِّنُ فيها هوْل وفظاعة أمر القبر.

في الدرس السابق إنْ كنتم تذكرون استعملَ عبارة “أنّ القبرَ مُخَوّف أكثر من الزوبعة” الزوبعة كم يبتعد منها الناس؟ الآن انظروا ماذا يقول، يقول “القبر أفظعُ من المزبلة” وأنتم تعرفون المزابل التي يجتمعُ فيها أوساخُ الناس والجِيَف والقذارات والمستقذَرات والأمور العفِنة والخَرِبة والتالفة وما يجتمع في ذلك وعلى ذلك من حشرات وديدان وروائح نتِنة عفِنة قذرة، كلّ ذلك يجتمع في المزابل.

يقول القبر بالنسبة للكفار –كما فصّلْنا في درس الأمس- ولبعض العصاة القبر أفظع أشدّ من المزبلة، أما الأنبياء والأولياء والأتقياء والصلَحاء والشهداء ومَنْ سلَّمَهم الله هؤلاء لا يدخلونَ في هذا كما بيّنا.

ثم في هذا التعبير الذي قالَه الشيخُ رحمه الله يريد أنْ يُعبِّرَ للناس ليعرفوا حقيقةَ الأمر.

الآن مثلًا هذا الذي اعتادَ كلّ يوم أنْ يغتسل، يوجد موظفين أو مدراء مؤسسات كل يوم يغتسل مع أنّ هذه ليست عادة الصحابة ولا هي عادة الأولياء الذين في زمن الصحابة ولا مَن بعدَهم ولا أولياء الأمم الماضية كانوا يرَفِّهونَ أنفسَهم لهذه الدرجة كلّ يوم يغتسل مع ما يستعمل من أدوية وروائح وسوائل للتنظيف وغير ذلك هذا ليس من عادة الأولياء لأنّهم لا ينظرون إلى تقاليد وعادات أهلِ الدنيا يعني الروتين الممل الذي عندهم والذين يمشون على الإيتيكيت، هؤلاء يعملون هذه الأعمال على خلافِ عادةِ الأولياء.

الشيخ رضي الله عنه عندما كان مقيمًا في المدينة المنورة تعلمون المدينة حرُّها حر، الرسول عليه الصلاة والسلام يقول [مَنْ صبرَ على لأوائِها كنتُ له شهيدًا أو شفيعًا]

يعني شدة الحر وشدة البرد، والذين ذهبوا إلى المدينة يعرفون شدة الحر وفي وقت البرد يعرفون البرد أيضًا، كان الشيخ مقيمًا هناك ودائمًا يتردد إلى هناك وفي بعض المرات كان يبقى في المدينة نحو ستة أشهر، شهران ثلاثة أربعة أكثر أو أقل، والشيخ رحمه الله متعلّقُ القلبِ بالرسولِ وبمشاهدِه وبمسجدِه وبقبورِ الصحابة، تعرفون المدينة أسرار وأنوار وبركات، فبسببِ العرق وكان الشيخ يمشي أحيانًا يذهب إلى سيّدِنا حمزة رضي الله عنه وكان يذهب أحيانًا مشيًا والبيت الذي كان يسكنُه هو في طريقِ سيّدِنا حمزة رضي الله عنه، فيذهب مشيًا ويزورُ الرسول عليه الصلاة والسلام فيعرق، واحد من الشباب كلّ ما يأتي الشيخ إلى البيت يقول له لو تغيّر هذه الكنزة التي تلبسُها –يعني الفانيلا التي كان يلبسها تحت القميص- فالشيخ لا يلتفت، أحيانًا هذا الشخص كان يُصرّ على الشيخ والشيخ يُطاوعُه كان سهلًا لينًا يجبرُ خواطرَ الذين حولَه، أحيانًا بعض الأشياء يكونُ لا يريدها لكنْ لأجلِ طلبِهم يفعل مما ليس محرّمًا هو يظنّ أنه يجبُرُ خواطرَهم، مرّات يغيّر –الفانيلا- ومرات لا يلتفت.

مرة من المرات هذا الشخص أصرّ قال للشيخ العرق عليك إذا جاء هواء قد تنضر وتبرد ويصير عندك أوجاع، الشيخ ما التفتَ، ثم رجعَ ذاك يريد مصلحة الشيخ، فأصرّ أصرّ فقال الشيخ له: لا أريد ما هذه العيشة كلّ يوم أغيّر؟

مع هذا الزهد ومع انكسارِه وتواضعِه وصلَ إلى أنْ تكلّم بهذه الكلمة قال لا أريد، ما هذه العيشة.

فهذه قصة أنّ بعض العمال والموظفين وبعض مدراء الشركات وأحيانًا لا يكونُ مديرًا يلبس قميصًا جديدًا فيظنُّ بنفسِه أنه صار مديرًا فيصير يقلّد المدير.

هذا الرجل يأتي كل يوم يغيّر ثيابَه يغتسل يستعمل العطور وأدوات التنظيف والجل ويحملونَ شنطًا في السيارات لأجل الروائح والشعر والتمشيط ونظارات الشمس ونظارات القراءة والنظر والمفاتيح وهاتفين أو ثلاثة وجزدانان ثلاثة، جزدان للبطاقات وجزدان للمال، هذا ليس مما يكون في القبر ولا ما يُشابهُه.

يقرف من الغبار ومن العرق ولو جاء صرصور على البيت يهرب من البيت، التشبيه بالمزبلة لماذا؟

انظر إلى العيشة التي تعيشها الآن وتخيّل، أخطر مخوِّف أخطر من المزبلة، هكذا القبر للكفار للفساق للفجار للعصاة لتارك الصلاة لآكل الربا للزاني لشارب الخمر للظالم للذي يعتدي على الناس ظلمًا وعدوانًا بغير حق للذي يأكل أموال الناس وأموال الأيتام بالباطل، للذي يأكل الحرام.

الرسول صلى الله عليه وسلم قال  [كلُّ جسدٍ –وفي لفظٍ- كلُّ لحمٍ نبتَ مِنْ حرام فالنارُ أوْلى به]

تخيّل عيشتك التي تعيشها في الدنيا وكم أنت تحبّ نفسكَ وتنظّف نفسك وتهتم بنفسك كل يوم تغيّر وتغتسل تخيّل القبر الذي ستنزلُ فيه أشد قذارةً ونُتنًا من المزبلة.

أنت الآن في الدنيا لو جاء مثلًا أربعة حملوك من يديك ورجليك ووضعوكَ على المزبلة ماذا يحصل بك؟ يمكن تتوتر أعصابه يمكن يتقايأ، هذه المزبلة كلا شىء بالنسبة لعذاب القبر، حتى لا يقول قائل لا يوجد تعبير غير هذا التعبير ويقول “أفظع من المزبلة”؟ الشيخ له قصد كي نفهم ونستيقظ من الغفلة ونعرف حقيقة القبر.

كلّ المزابل التي ترونَها في الدنيا مع الجيَف التي عليها مع البراز والقذارة مع المستقذرات والنجاسات التي فيها مجرد الواحد يقف عليها أو يقعد عليها كلا شىء بالنسبة لعذاب القبر.

الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أشرف وأعظم وأطهر خلق الله، وأزكى وأعلى خلقِ الله وأحبّ خلقِ الله إلى الله وأطهر العالمين صلى الله عليه وسلم قال [ما رأيتُ منظرًا قطُّ إلا والقبرُ أفظعُ منه]

هذا من الأحاديث التي صححها الحافظُ الضياء المقدسي.

الشيخ له مُستنَد حتى بهذه العبارة، أليس النبيّ قال [ما رأيتُ منظرًا قطُّ إلا والقبرُ أفظعُ منه]؟

النبيُّ في المدينة وفي مكة وما بينهما كم رأى من المناظر؟ كم رأى من الجيَف والأوساخ والنجاسات؟ حاشاه، في الطرقات، وقال إنّ القبرَ أفظع منظرٍ رآه يعني أفظع من المزابل، والشيخ له مُستنَد بهذه العبارة.

لما تقول الشيخ يعني عالم متبَحِّر جمعَ في صدرِه بحورًا من العلم يعلم ما يقول. حتى هذه العبارة له بها مُستنَد إذا أردْنا أنْ نشرحَ هذا الحديث فهي داخلةٌ تحت هذا الحديث وتحت هذا المعنى.

يا إخواني ويا أخواتي كيف تحفظ نفسَكَ من عذاب القبر؟ كيف تحفظين نفسكِ من عذاب القبر؟ كيف تحفظونَ أنفسَكم من عذاب القبر؟

كيف تُبعد نفسكَ عن ذلك الهوْل والمطلَع والمنظر المُخَوِّف والمُخيف والمُفزِع والمُريع الذي هو أشدُّ فظاعةً من المزابل وأشدُّ خوفًا من الزوبعة؟ بتقوى الله، تتقي اللهَ تعالى تسلمْ بذلك كما قلنا في البداية الأنبياء والأولياء والأتقياء والصلَحاء والشهداء لا يدخلونَ في ذلك.

يقول القبر فيه ظلمةٌ شديدة، أنت اليوم تكون قاعدًا في بيتِك تنقطع الكهربا ولا يوجَد موتور ولا شمعة ولا بروجكتور ولا أنتريك ولا كبريت ولا ضوء تلفون، يبقى أنْ ترى شيئًا من أضواء الجيران والخارج تستأنس تقول الآن تأتي الكهرباء، إذا كان القبرُ مُظلِمًا وقد جعلَه اللهُ مظلِمًا مليئًا بالظلمة مِنْ أينَ تأتيه الأنوار؟

لو أتى عشرين شركة كهرباء من الخارج يُسلطون عليه كل طاقات الكهرباء لا يصلون أنْ يُضيئوه في الداخل، الله عز وجل بقدرتِه يحجُبُه عنه لأنّ اللهَ شاء له أْن يكونَ مظلِمًا.

مَن سيُنير لك قبرَك شركة الكهرباء؟؟؟ وهم تركوا الناس بتخبّط وقلق وفزع؟ فليُضيئوا على أنفسِهم في الدنيا بالأول إن استطاعوا، لن يستطيعون أنْ يُضيئونَ لك قبرَك لو جاءوا وأتَوْا إليك بالبواخر وأوصلوا لك كابلات كهرباء من كذا دولة من قبرص وسوريا وتركيا ومن الأردن وفلسطين لن يستطيعونَ تنويرَ قبرِك إنْ كان اللهُ كتبَه مُظلِمًا، إن كان اللهُ شاء أنْ يكونَ مظلِمًا.

بالتقوى تنَوِّرونَ القبر وليس بالكهرباء، إذا كان هذا القبر مظلمًا وظلمة القبر أشدّ وأعظم من ظلمةِ الدنيا حيث كنتَ في المكان المظلم بكثير وبمرات، فلذلك اعملوا من الآن القبرُ ظلمةٌ القبرُ ضِيقٌ.

اليوم بعض الناس من شدة الحزن والفزع والألم والاضطرابات والمشاكل يضيق نفسه يقف قلبه يموت، في القبر الكافر تختلف أضلاعُه ويقال لها التئِمي فتلتئم ولا يموت من هذا الأمر، الملائكة تضربُه وتعذّبُه ولا يموت، الديدانُ والحشرات تأكلُه وتمزّقُهُ ولا يموت، رأيتم ماذا يعني القبر بيت الضيق؟

ليس كما يقول أحد رؤساء وزراء لبنان لما كنا نكون مع الشيخ نزار رحمة الله عليه في زيارة العيد والشيخ نزار هذا الرجل القائد العظيم الكبير المبارك يكون معه وفد كبير من المشايخ والدكاترة والمهندسين يكون أحيانًا وفد الشيخ نزار ثلاثون أربعون شخصًا وحسب إذا كان هناك أمورًا مهمة للبلد وللمجتمع وللمسلمين وقضية كبيرة يكون الوفد ثمانين شخصًا كلهم دكاترة ومهندسون محامون وخطباء وأئمة ودعاة ومشايخ ومدرّسين، مرةً كان في زيارة أحد رؤساء وزراء لبنان فقال هذا الرئيس لما رأى الشيخ نزار ومعه هذا الوفد قال له أهلين أهلين سماحة الشيخ تفضل، قال له بيت الضيق بساع ألف صديق، مرادُه هذا المكان لا يسع ليقعد فيه الوفد، هذا في الدنيا بيت الضيق، اذهب وانظر إلى القبر، يتكلم عن قصرِه ويقول بيت الضيق.

ليس الغرفة التي يقعد فيها أم وأب وسبع أولاد مترين بمترين ونصف، هذه مساحتها واسعة جدا بالنسبة للقبر، لأنه لو واحد كافر ودفنه جماعته بحفرة ألف متر طولًا وألف متر عرضًا تلتئم عليه، اشتغلوا كل هذا الشغل ووسّعوا له وعملوا له نصب تذكار ورخام وبروجكتورات وزهور وورود ليلًا نهارًا الجنود يغيّروهم ويكون هو في الجحيم في العذاب في الويلات في الحسرة والنكد والديدان والحشرات والعقارب والأفاعي والظلمة والرائحة الكريهة والرعب والفزع والقلق والاضطراب والعرض على النار، نسألُ اللهَ السلامة.

بيت الضيق هو القبر بالنسبة لبعض الناس، وبالنسبة للبعض هو أوسع من كلّ قصور الدنيا، انظروا إلى الفرق للأتقياء والصلحاء والأولياء هو أوسع من كل قصور الأرض، أوسع قصر في الأرض كم يكون الصالون فيه لاستقبال الضيوف؟

كم يكون؟؟؟؟

تعرفونَ بعض الأولياء يُوسَّع عليه القبر مدّ البصر؟؟ ويمتلىء بأنوار وأعطار الجنة بالخضرة كالريْحان هذا العشب الذي له رائحة زكية طيبة، بالنعيم بالفرح بالسعادة بالأنس.

هذا الإنسان الذي نوّرَ قبرَه ووسّعَ قبرَه قبل أنْ يموت إنما هو الوليُّ، إنما هو التقيُّ، إنما هو الصالحُ، إنما هو شهيد المعركة.

لأجل ذلك قال الشيخ عن القبر ظلمةٌ وضيقٌ ووحشةٌ لا ترى إنسانًا يؤنسُك.

هنا في الدنيا الواحد لو قعد يومًا لوحدِه يأخذ بالتفكير أين أصحابي أين أهلي، يومين يبدأ يتوتّر، ثلاثة أيام يبدأ يضوج، أربعة أيام يفتح الباب ويخرج ما عاد يستطيع التحمّل.

في الدنيا بحسب العادة تجد مَن يؤنسُك.

على قصة الأهل والأصحاب والأهل والأولاد والأقارب والدنيا، لا تنتظر أحدًا اسمع مني، لا تقل أين ابني أين أخي أين صاحبي ستبقى وحدَك، إذا كان في الدنيا لا يسألُ بعضُهم عن بعض انظروا كورونا ماذا فعل بهم، يبقى بعيدًا عن أمه ثلاثة أشهر وبعيد عن ابنتِه ستة أشهر وعن أخيه سبعة أشهر ولا يتزاورون ولا يسألون عن بعض.

وقد قلتُ لكم في الموجة الأولى من موجة كورونا حتى بعضُهم لا يتصل بالهاتف بقريبِه، إنْ كنتم وقتَها تذكرون قلتُ لكم كورونا تنتقل عبرَ الهاتف؟

حتى عن طريق الهاتف لا يطمئن عن أقاربِه؟ على جدتِه على جدّه على خالتِه على عمّتِه؟؟؟؟ ما هذه الحسرة؟

تخيّلوا الحسرة واحدة أولادها لا يزوروها، واحدة أولادها لا يسألون عنها.

بالأمس واحدة أرسلت لي وأظنها كانت تبكي بالتسجيل تقول لي أنا ابنتي عاقة لا تسأل عني منذ شهرين ما اتصلت بي لا تحكي معي، ابنة بنتي كذا بنتي كذا، سؤال يا إخواننا إذا كنا هكذا في الدنيا فكيف بالقبر؟ تنظرُهم ينزلون عندك على القبر؟

اجعلْ أنسَك في طاعةِ الله، اجعلْ أنسَك في الصلاة في تلاوة القرآن في ذكر الله، ولما تستطيع أنْ تدرِّس وأنت قادر درّس، لما ترى عزاءً فرحًا مناسبة قادر أنْ تدرّس درِّس، لا تترك بدون تدريس مهما صار، هذا إنْ كنتَ ضابطًا لمعلوماتِك كنتَ مستطيعًا قادرًا على التدريس ليس أنْ تفتي بدون علم أو تتكلم من عندك.

لا تتأملون في الدنيا كثيرًا ولا تقل عندي أصحاب كثُر، لا تقل انظر إلى هاتفي عندي 673 رقم ماذا يعني؟؟؟ بلحظة ينسوك ولا يعودونَ في هاتفك.

لا تنتظر في الدنيا فلان وفلان أخوك وأمك وصاحبك، سيتركوكَ لوحدكَ، من الآن عوِّدْ نفسَك على الوحدة وأْنَسْ بذكر الله، إذا كان ابنك حيًّا ولم يزركَ وابنتُكَ على قيد الحياة وما سألت عنك، وابنك الشاب الطويل العريض صاحب العضلات وصدر منفوخ لا يساعدك في حاجتك كيف في القبر؟ ماذا تنتظرون في القبر؟

اسمعوا مني اعتادوا على الوحدة واجعلوا أُنسَكم بطاعةِ الله، اعتادوا على الوحدة لأجلِ أنْ لا تنصدموا ولأجل أنْ لا تُصعَقوا.

إذا كان هم لم يأتوا أنت امشِ بطريق الآخرة، إذا هم لم يأتوا إليك أنت امشِ إلى القبر بالطاعة والعبادة، إذا هم هجروك أنت لا تهجر الطاعات، إذا هم نسوكَ أنت لا تنس الصلاة، إذا هم تخلَّوا عنك أنت لا تتخلّى عن العبادات، إذا كان أولادك وأصحابك ما اعتبروك ولا عملوا لك قيمة ولا وزن لا تنس أنك ستوزَن أعمالَك يومَ القيامة وهناك الفرحة إنْ كنتَ من الصالحين وقد يكونون هم في الخيبة والخسارة والندامة وقد تكون أنت إنْ عملتَ بما قلتُ لك ممّن قال اللهُ فيهم أنهم يقولون {هآؤُمُ اقرءوا كتابيَه}-سورة الحاقة/19-

لذلك عوّدْ نفسَك الوحدة الآن، انظروا المرض ماذا فعل بالناس، وقبل المرض لما بعض الناس يغنَوْنَ ينسَوْن أقرباءهم الفقراء وينسَوْنَ أمهم وأباهم الفقراء يخجلونَ بهم، فإذًا ماذا تنتظر؟ كل ساعة يأتون يؤنسونكَ ويخدمونك ويأتونَ إليك بالأغراض، لا تنتظر، أنت ليَكن توكّلُك على الله وثقتُك بالله ويقينُك أنّ الضار والنافع على الحقيقة هو الله، لا الأولاد ولا الأصحاب، ستبقى لوحدِك عوِّدْ نفسَك حتى لا تتفاجأ لمّا تصير لوحدِك، أنَسْ بطاعةِ الله وبعبادة الله.

رأيتم لماذا قال رحمه الله “لا ترى إنسانًا يؤنسُكَ على العادة”

بحسب العادة هناك أناس يتصل بهم الناس ويفتحون معهم فيديو كول كل الوقت أو يزورهم أحد كل شوي، أحيانًا بحسب الحاجات هؤلاء قد يكون له غرض مصلحة قضية واسطة سؤال موضوع متعلق به، فيترددونَ عليه، لما تنتهي حاجاتهم لن يرى منهم أحدًا، فأنت كن متيقّظًا منتبِهًا اعملْ لآخرِتك وعشْ كأنك وحيدًا واحدًا تعيشُ في هذه الدنيا تقدّم ما ينفعك في القبر، اعمل كأنك وحدَكَ كأنّ زوجتَك وأولادَك ماتوا إذا كانوا لا يسألون عنك لماذا تسأل عنهم من حيثُ  الحسرة، أما الدعاء ادع لهم واستغفر لهم وإن كنتَ تستطيع أنْ تنفعَهم فافعل، قادر أنْ تصلَهم بمال صِلْهم لا تعامِلهم بالمثل كنْ أفضل أحسن كن ممّن قال اللهُ فيهم {والكاظمينَ الغيظ والعافينَ عن الناس واللهُ يحبُّ المُحسِنين}-سورة آل عمران/134-

هم لو قاطعوكَ وهجروكَ ونسُوكَ أنتَ صِلْهم وادعُ لهم واعفُ عنهم واعملْ لقبرِك، لا تنتظرُهم إنْ هم نسُوكَ لا تنسَ نفسَك عن الآخرة، إذا هم ضيّعوكَ لا تضيِّعْ نفسَك، إذا هم رمَوْكَ لا ترمِ نفسَك بالمزبلة، يعني العذاب الهلاك والمعاصي والظلمات  والفسوق وترك الصلاة بالظلم والفساد والزنا وشرب الخمر، لأنّ هناك أناس أغبياء يقول إذا هم يعملون هكذا بي لن أصلي، ماذا تكون عملتَ بنفسك؟ تؤذي وتضر نفسك، يقول سأشرب الخمر كي أنسى، يا مغفّل الخمر لا تُنَسّيك بل تصيبك بالخبل وتصير مسخرة للناس ولما تستيقظ تقول أرجع للسكر، وبعدها؟ هذا عمل الجبناء أما عمل الرجال الأبطال يقوم فيصلي يتهجد في الليل يقرأ جزءًا من القرآن لا أقول خمسة عشر جزء، فلذلك انتبه واشتغل على أنْ توسِّعَ قبرَك قبل أن تموت.

بيت الوحشة بيت الدود بيت الضيق مُروِّع مفَزِّع مُخيف أكثر من الزوبعة أفظع من المزبلة، ماذا تريد؟

هذا الطريق عرفتَه فنوِّرْه، هذا الطريق عرَفتَه فزيِّنْه بتقوى الله.

هذه السيدة نفيسة رضي الله عنها الولية حفيدة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وكانت غنية، زوجُها من الأثرياء الأغنياء أصحاب الأموال والتجارات، كان يُكرِمُها ويُعطيها وهي تعطي الأموال للإمام الشافعي رضي الله عنه ليَصرِفَ على طلبة العلم.

هذه السيدة نفيسة كانت تحترم الإمام الشافعي وكانت تحبه وكانت تستمع له وللإمام مالك، وهما يحبانها ويطلبان منها الدعاء حفيدة الرسول صلى الله عليه وسلم، والمال الذي عندَها ما شغلَها عن طاعة الله ولا شغلَها عن تلاوة القرآن ولا عن أنْ تحفرَ قبرَها بيدِها، هي حفرَت قبرَها بيدِها المال الذي كان عندها ما شغلَها عن الصلاة ولا عن التهجد ولا عن الصيام ولا عن العبادات ولا عن العلم، تخيّلوا الذكاء الذي عندها كانت تعطي المال للإمام الشافعي وهو يعطي طلبة العلم ليَتَقَوَّوا على تحصيل العلم ويتفرّغوا، لأنّ الواحد لما يكون متفرِّغًا من حيثُ الرزق يكفي نفسَه أو أهله يكفونه أو الإمام الشافعي يكفيه هنيئا له، هذا يتفرّغ أكثر لتحصيل العلم.

أبو حنيفة رضي الله عنه كان غنيًّا تاجرًا يبيع الثياب والقماش ومع ذلك كان إمام المسلمين ويعطي المحتاج ويوزّع لطلبة العلم وكان إذا لبسَ ثوبًا جديدًا كان بقيمة هذا الثوب الجديد يشتري ثيابًا ويكسو العلماء والمشايخ ويعطي طلبةَ العلم، وكان إذا أكل طعامًا يوزّع أضعافًا عنه للناس والفقراء وطلبة العلم، وهذا أبو حنيفة رضي الله عنه صاحب المذهب المكرّم.

 انظروا كيف كان حالُهم وطريق عيشهم للخير وفي الخير وزيادةً من الخير وتحصيلًا للخير وسعيًا في طلب الخير.

لا تضيّعوا أوقاتَكم، عرَفتم خطورة القبر وشأن القبر، أخطر من الزوبعة ومُفزِع أكثر منها منظر أفظع من المزبلة بيت الضيق بيت الوحشة والظلمة والرائحة الكريهة القذرة النتنة، أنت لا تكن ممن ينزلون هذه الحفرة على هذه الصورة، جمّل وزيّن ونوّر قبرَك بتقوى الله.

فماذا كانت تعلم السيدة نفيسة؟

حفرَت قبرها وكانت تنزل فتقعد فيه فتختم القرآن، بعض العلماء يقول ختمَت ستة آلاف ختمة في هذا القبر، بعضهم يقول ألفي ختمة، مهما كان، ألفي ختمة بالنسبة لأهل هذا العصر شىء صعب المنال إلا على مَنْ يسّر اللهُ له.

إذا كان أبو حنيفة رضي الله عنه مع أشغالِه وإمام المسلمين وكل الأمور التي كانت على أكتافِه رضي الله عنه كان في الموضع الذي توفّيَ فيه ومات فيه يقال عمل فقط هناك في ذاك الموضع سبعة آلاف ختمة من القرآن.

إذا كان سيدنا عثمان بن عفان يختم القرآن بركعة الوتر، إذا كان الإمام الشافعي يختم القرآن بركعة الوتر، هؤلاء كيف تكون قبورُهم؟

ملئية بالأنوار والأعطار والفرح والأنس والسعادة والسرور والضياء والبهجة والحُبور والروائح الزكية الطيبة، لذلك نوّروا قبورَكم بتقوى الله بالعمل الصالح لا تبخلوا على أنفسكم استعدّوا قبل فواتِ الأوان.

“أنت وعملكَ عملُك يؤنسُكَ أو يُهلِكُكَ” لا زلنا نشرح عبارة الشيخ، يعني الذي يكونُ مؤنسًا لك في القبر، لن يأتيَ أشخاص ليزوروك، اليوم في العناية المشددة المركزة في المستشفيات –ولا أتكلم عن أقسام كورونا- هناك أوقات محددة فيها زيارات، مثلًا قسم العناية المركزة بقسم جراحة القلب يكونُ الوقت محصور وقليل وسريع وضيق يقول لك مثلًا من الرابعة إلا عشرة للساعة الرابعة، وعند المريض تقعد دقيقة واحدة ليدخل غيرك، هذا في الدنيا توجد زيارات لو كان مع الصعوبة والمشقات وبالمستشفيات ولو كنتَ أنت عملتَ جراحة يأتي ناس ويزورونك، لكنْ في القبر ليس هناك موعد للزيارات ولا وقت للزيارات، لا أحد يستطيع أنْ يُدخلَ لك قطرة من الماء، قلت لكم إذا كان الله قدّر لهذا القبر أنْ يكون مظلِمًا عشرين شركة كهرباء لا تستطيع أنْ تنوّرَه، مَن الذي يؤنسُك في قبرِك؟

ورد في بعض الأحاديث وفي بعض الآثار أنّ العملَ الصالحَ يُصَوِّرُه اللهُ بصورةِ إنسان جميل المُحَيّا ومنظرُه في الجمال يُلفت الأنظار ثيابُه بيضاء نقية رائحتُه زكية عطرة، برّاق بالأنوار يأتي إلى قبر هذا المسلم فيقول له: مَن أنت؟ فيقول أنا عملُك الصالح، ليُؤنَسَ بهذا العمل.

وإذا كانت الملائكة بشّروه ووُسِّعَ عليه القبر وإذا كان يرى مقعدَه في الجنة وإذا كانت رائحة الجنة تأتي إليه، مَن سيأتي لعندِه لا رئيس البلدية ولا مختار الشارع ولا رئيس الجمهورية ولا الخليفة ولا الزعيم، إذا كان قبرُه هكذا كما شرحنا يا سعدَه.

لا يجدُ مؤنسًا له على حسب العادة كما في الدنيا، الذي يؤنسُك في قبرِك عملُك الصالح الطيب الذي قدّمتَه قبل أنْ تموت.

بعض الناس يظنون أنّه يكون إنسان من العوام طيب ليس وليا يموت يقولون نال الولاية بموتِه، أنا سألت الشيخ رحمه الله قلت له بعض الناس يقولون كذا، قال لي: كيف هذا؟ الولايةُ تُنالُ بالعمل والعمل قبل الموت ليس في الموت، يعني ليس بمجرد الموت يصير وليا، هو قد يصير وليا قبل أنْ يموت.

كيف يصير وليا؟ بالعمل، ما هو هذا العمل؟ التقوى، يعني علمٌ وعمل وصلاح وتقوى ولاية، هذا يُنال بالجهد والاجتهاد بإتعاب النفس بمخالفةِ هوى النفس بالإعراض عن الدنيا وهواها.

لذلك يا إخواننا وأحبابنا من الآن عجّلوا هذا العمل الصالح هو الذي يؤنسُكم في القبر.

 واللهِ نحن في زمن العجائب لعل عقلَها خفيف قالوا لي مات خطيبَها فأتَت بشريط أغاني للمطرب الذي كان خطيبها يحبه ووضعته على القبر.

وأُريتُ فيديو أعجب من هذا ناس مات ولدهم أو حفيدهم عملوا له عيد ميلاد على زعمِهم على القبر أغاني وشموع ولبسوا الجديد ووضعوا كاتو عالقبر، حسبنا الله ونعم الوكيل.

هذا الصغير الذي أنتم جئتم تنهبلون عند قبره هو بفرح وسعادة ونعيم لأنه دون البلوغ ما عليه عذاب ولا نكد لا يُعذَّب ويدخل الجنة بلا عذاب وأنتم جئتم تهبلون فوق جهلِكم، جئتم عند القبر تعصوا رب العالمين؟

حسبنا الله ونعم الوكيل.

ليس ما يسمى عيد الميلاد وكاتوعلى القبر ولا المطرب والرقاصة عند القبر، حاشى، إنما هو الذي يزيّنُ قبرَك وينوّرُه تقوى الله.

بعض الناس يضعون البروجكتورات والتماثيل والحمامة عند القبر وصورة ملونة، الذي ينوّر قبرك هو تقوى الله العمل الصالح، زيّنوا قبورَكم الآن قبل أنْ تموتوا صدّقوني ارجعوا إلى قصة الوحدة وابق وحيدًا وعش وحيدًا لو أولادك أهملوك وضيّعوكَ ونسوك كن ذكيا نبيها فهيما واشتغل زيِّن قبرَك لا تتعس ولا تبأس ولا تترك الصلاة والعلم وتعصي ربك وتشرب خمر وتزني نكاية بهم، لا، كن ذكيا واشتغل بطاعة الله قبل أن تموت.

العمل يؤنسكَ أو يُهلِكُك، إذا كنتَ تاركًا للصلاة هذا يُهلِكُك، كن كذابا أشرًا ظالمًا خبيثًا آكلًا للربا يُهلِكُك، كن قاطعًا للرحم يُهلكُك، كن عاقا لوالديك يُهلكِك.

هذه العاقة لأمها أو العاق لأبيه أو الذين يتطاولون على أمهاتهم وآبائهم يسمعوا هذا الأمر:

إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول [ليس منا مَن لم يوَقِّرْ كبيرَنا]

أنتِ يا شابة يا امرأة وأنتَ يا شاب ويا رجل ويا مَنْ تظنّ في نفسِكَ كذا وكذا من الصفات أسألكم سؤالًا: تخيّلوا أنّ الرسولَ في وجوهِكم يقول لكم “أنتم لستم على طريقتي الكاملة أنتم لستم من أحبابي أنا لا أحبكم أنتم ظلمتُم الأمهات والآباء أنتم فسَقتم أنتم لم تعملوا بوصيّتي أنتم لستم على طريقتي ونهجي الكامل –تخيّلوا الرسول يقول لكم هذا الكلام أو يوم القيامة يراكم ويُعرض عنكم- وهو الذي قال [ليس منا مَنْ لم يُوَقِّرْ كبيرَنا]

أنتِ يا بنت وأنتَ يا شاب ما موقفك إذا كان الرسول يقول لكم هذا الكلام”لستم على طريقتي الكاملة لستم ممن يدخل الجنة مع الأولين ما عمِلتم بوصيتي”

تخيّلوا فقط هذا الموقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يا حسرَتكم يا خيبَتَكم ابكوا على حالِكم وتوبوا إلى الله وارضوا أمهاتِكم وآبائكم واستسمحوا وانتبهوا على أنفسكم وعلى حركاتِكم، نظرُك إلى أمك انتبه كيف تكون العين اللئيمة الحقودة من الذي ينظر لأمه ذاك النظرة اللئيمة كأنه يقول لها سأكسرُ لكِ عظامكِ سأكلُكِ سأفجّرُ لكِ رأسكِ، بعض الشباب هكذا ينظرون إلى أمهاتهم تلك النظرة الحادة وهذا ليس من الأدب ولا من الأخلاق ولا من برّ الأمهات والآباء، هذا غير رفع الصوت عليها غير ضربِها وسبّها، يا ويلكم إنْ لم يعفُ اللهُ عنكم يا ويلكم إنْ عذّبكم الله بعقوق الوالدين.

إخواني عجلوا إلى تزيين القبر وإضاءة القبر لتصرفوا تلك الوحشة والضيق والرائحة وتلك المناظر ولأجل أنْ لا يكونَ عليكم بيتًا للدود والآلام والحسرات والنِّقَم بل ليكونَ فرحًا وسعادةً وسرور.

والحمد لله رب العالمين