الأربعاء يناير 25, 2023

مجلس قراءة كتاب “سمعت الشيخ يقول ” (رقم 4)

قال فضيلة الشيخ الدكتور جميل حليم الحسيني حفظه الله

قال الإمام الهرري رضي الله عنه: معرفةُ الله ومعرفةُ الرسولِ صلى الله عليه وسلم هو أفضلُ الأعمال لأنّ هذا هو مفتاحُ باب السعادةِ الأبدية. منْ هنا يدخلُ الإنسان بابَ السعادةِ الأبدية السعادةِ الأُخرَوِية في الحياةِ الدائمة ينجو منْ عذابِ اللهِ الدائمِ المُقيمِ الذي لا انقِطاعَ له، لهذا صارَ أفضلَ الأعمال.

(معرفةُ اللهِ سبحانه وتعالى ومعرفةُ رسولِه عليه الصلاة والسلام، يعني بعبارةٍ أخرى الإيمانُ باللهِ ورسولِهِ صلى الله عليه وسلم، هذا أفضل الأعمالِ على الإطلاق، هنا الأفضلية يعني الأفضلية المُطلَقة لأنهُ صلى الله عليه وسلم قال [أفضلُ الأعمالِ إيمانٌ باللهِ ورسولِه].

والإيمانُ باللهِ ورسولِه هو شرطٌ أساسٌ لا بدَّ منه لصِحّةِ وقبولِ الأعمالِ الصالحة لأنَّ اللهَ عزّ وجلَّ قال في القرآنِ الكريم {ومَنْ لمْ يؤمِنْ باللهِ ورسولِهِ فإنّآ أعْتَدْنا للكافرينَ سعيرًا}[الفتح/١٣].

 

إذًا هذا الشرط الأول، اللهُ عزّ وجلَّ يقولُ في القرآنِ الكريم {قلْ أطيعوا اللهَ والرسولَ فإنْ تَوَلَّوْا فإنَّ اللهَ لا يحبُّ الكافرين}[آل عمران/٣٢]

{قلْ أطيعوا اللهَ والرسولَ} أي بالإيمانِ بهما، فمَنْ أعرضَ عنِ الإيمانِ بالرسولِ هذا لمْ يؤمنْ بالله، ومَنْ لمْ يؤمنْ بالرسولِ هو كافرٌ واللهُ لا يحبُّهُ لكُفرِه.

إذًا الإيمانُ باللهِ والرسولِ هو أفضلُ الأعمالِ على الإطلاقِ. في حديثٍ آخَر قال صلى الله عليه وسلم [أفضلُ الأعمالِ إيمانٌ لا شكَّ فيه] واللهُ قال في القرآنِ {إنّما المؤمنونَ الذين ءامنوا باللهِ ورسولِهِ ثمَّ لمْ يَرْتابُوا}[الحجرات/١٥]

واللهُ يقولُ في القرآنِ في بيانِ أنّ الإيمانَ هو الأصل وهو الأساس {إنَّ الذين ءامنوا وعملوا الصالحات}[البقرة/٢٧٧]

الإيمانُ هو الأساسُ الذي لا بدَّ منه وهو الأصل وهو الرّكن الرّكين.

وفي آيةٍ أخرى قال ربُّنا سبحانه وتعالى {ومَنْ يعملْ منَ الصالحاتِ مِنْ ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن فأولئكَ يدخلونَ الجنّةَ ولا يُظلَمونَ نَقِيرًا}[النساء/١٢٤]

آياتٌ كثيرةٌ وآياتٌ عديدة {الذين يؤمنونَ بالغيبِ ويُقيمُونَ الصلاة}[البقرة/٣]

إذًا هذا شرطٌ أساسٌ ولا بدَّ منه لصِحّةِ وقَبولِ الأعمالِ الصالحة. فقبلَ الوضوء وقبلَ الصلاةِ وقبلَ الغُسلِ وقبلَ قراءةِ القرآنِ وقبلَ الجهادِ وقبلَ كلِّ الأعمالِ الإيمانُ باللهِ ورسولِهِ.

أليسَ وردَ في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كانَ تهيَّأَ للمعركة فجاءَهُ أحدُ المشركينَ وقدْ تقَنَّع فقال له يا رسولَ الله أَأُسلِم أمْ أُقاتِل؟ قال: أَسْلِمْ ثمّ قاتِلْ. فأسلمَ الرجل وكان صادقًا في إيمانِه تركَ الكفرَ تشهَّدَ دخلَ في الإسلامِ قاتلَ فقُتِلَ فقالَ عليه الصلاة والسلام [عِملَ قليلًا وأُجِرَ كثيرًا]

بسببِ الإسلام، بسببِ أنهُ تركَ الكفرَ ونطقَ بالشهادتين، ماذا حصل؟ كانَ مُشرِكًا منَ الكافرين صارَ موَحِّدًا مومنًا، كان منَ الكافرينَ الذين لعَنهم اللهُ وأبعَدَهم صار صحابيًّا لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ونالَ شرفَ الجهادِ مع رسولِ اللهِ وبينَ يَدَي رسولِ اللهِ ونالَ شرفَ الشهادةِ في أرضِ المعركة ومع الرسولِ ونالَ شرفَ شهادةِ الرسولِ له قال [عمِلَ قليلًا وأُجِرَ كثيرًا]

كلُّ هذا بالإسلام، أمّا لو بقيَ على كفرِهِ وقاتلَ ولوْ دفاعًا عنِ الرسولِ وعن المسلمين وماتَ على الشركِ لكانَ في جهنم. إذًا انظروا ببركةِ الإسلام لأنّ الإسلامَ هو الأصلُ هو الأساس كانَ مشرِكًا صارَ موَحِّدًا كان كافرًا صار مسلمًا كان عدُوًّا لله صارَ صاحبًا  لرسولِ اللهِ ونالَ شرفَ الجهادِ والشهادةِ وشهادةَ الرسولِ له بأنهُ [وأُجِرَ كثيرًا] هذا كلُّهُ ببركةِ الإسلام. فالإيمانُ الإسلامُ هو الأساسُ هو الشرط لا بدَّ منْ ذلك لصِحّةِ وقَبولِ الأعمالِ الصالحة).

 

وقال الإمامُ الهرريُّ رضي الله عنه: كلُّ شىءٍ منَ العالَمِ اللطيفِ والكثيفِ ما كان شيئًا موجودًا قبلَ أنْ يخلُقَهُ اللهُ إنّما وُجِدَ بعدَ أنْ خلَقَهُ الله. هذه العقيدةُ هي عقيدةُ التوحيدِ التي جاءَ بها القرآن {ليس كمثلِه شىء}[الشورى/١١]

هذه الآيةُ معناها هذا الذي قالَهُ سيّدُنا أحمدُ الرفاعيّ رضي الله عنه وأرضاه “غايةُ المعرفةِ  باللهِ الإيقانُ بوجودِهِ تعالى بِلا كيفٍ ولا مكان” وهذا الذي يشرحُهُ علماءُ أهلِ السنّةِ في الشرقِ والغرب.

(هذه العبارة فيها فوائد كثيرة أولًا الأشياء الأجسام الأحجام اللطيفة هي ما لا يُضبَطُ باليدِ كالهواء كالروحِ كالريحِ كالظل – الخَيال – كالرائحة، هذا كلُّه يُقالُ له حجمٌ لطيفٌ يعني لا يُضبَطُ باليدِ.

وأمّا الحجمُ الكثيفُ فهو ما يُضْبَطُ باليدِ كالإنسان، الإنسانُ يُضبَطُ باليدِ، الشجر الحجر الجبل الأرض الشمس القمر، كلّ هذا يُقالُ له حجمٌ كثيف.

 

الشمسُ حجمٌ كيفٌ لكنْ ضوؤُها جِرمٌ لطيف حجمٌ لطيف، القمر حجمٌ لطيف لكنْ ضوؤُهُ حجمٌ لطيفٌ لا يُضْبَط باليدِ. اللهُ عز وجل قال في القرآنِ في أولِ آيةٍ منْ سورةِ الأنعام {الحمدُ لله الذي خلقَ السمواتِ والأرض وجعلَ الظلماتِ والنور}[الأنعام/١] في آيةٍ واحدةٍ أخبرَنا سبحانه وتعالى أنه خلقَ الأحجامَ الكثيفة، السموات والأرض أحجامٌ كثيفة والأحجام اللطيفة قال تعالى {وجعلَ الظلماتِ والنور} هذه أيضًا منَ الأحجامِ اللطيفة، مَنْ خالق الأحجام الكثيفة والأحجام اللطيفة؟ الله، والخالقُ لا يشبهُ المخلوق.

إذًا في آيةٍ واحدة أخبرَنا سبحانه أنه هو خالق الأحجام الكثيفة والأحجام اللطيفة وخالقُها لا يُشبِهُها لأنهُ لوْ كانَ يُشبِهُها ما استطاعَ أنْ يخلُقَها، لوْ أشْبَهَها لكانَ مِثلَها ولوْ كانَ مِثلَها لكانَ مخلوقًا والمخلوقُ لا يخلُق، وبما أنَّ العالَمَ موجود فخالقُهُ لا يُشبِهُهُ لأنّهُ قال {الحمدُ للهِ ربِّ العالمين}[الفاتحة/٢] رب العالمين خالق العالمين ومالك العالمين ولذلك قال أبو حنيفةَ رضي الله عنه “أنّى يُشبهُ الخالقُ مخلوقَهُ” .

وهذه مسئلة نصَّ عليها القرآن والحديثُ والإجماعُ لذلك قال صلى الله عليه وسلم [لا فِكرةَ في الرب]

فإذًا اللهُ تعالى لا هو مِنْ قَبيلِ الأحجامِ الكثيفةِ ولا هو مِنْ قَبيلِ الأحجامِ اللطيفةِ لأنهُ هو الخالق والخالقُ لا يشبهُ المخلوق، {أفَمَنْ يخلُقُ كَمَنْ لا يخلُق}[النحل/١٧]

إذًا ربُّنا لا شبيه ولا مثيلَ له، أمّا هؤلاءِ المجسمة الذين اعتقدوا أنَّ اللهَ جسمٌ قاعدٌ على العرش هؤلاء ما عبَدوا اللهَ، هؤلاءِ عبَدة الصوَر والأجسام تخيَّلوا جسمًا وعبَدوه وهذا الجسم ليس هو الله لأنّ اللهَ  ليس جسمًا بالمرة.

فاللهُ سبحاانه وتعالى لا يشبه شيئًا منْ كلِّ مخلوقاتِهِ بالمرة. وهذه الآية الكريمة التي مرَّتْ معنا منْ سورةِ الشورى {ليس كمثلِهِ شىء}[الشورى/١١] هيَ ردٌّ على المشبهة الذين يقولونَ عن اللهِ قاعد وجالس ويقولونَ بذاتِهِ في السماءِ أو يقولونَ بذاتِهِ على العرش، وأحيانًا يقولونَ هو يشبهُ الأشياءَ التي لا نعرِفُها، إذًا هم يُكَذِّبونَ الله، اللهُ قال {ليس كمثلِه شىء} ولم يقل ليس كمثلِه بعضُ الأشياء، اللهُ أطلقَ عمّمَ وهم قيّدوا، إذًا كذّبوا اللهَ وجعلوه مُشابِهًا لبعضِ المخلوقات، ولوْ كانَ مُشابهًا لبعضِ المخلوقاتِ لجازَ عليه ما يجوزُ على كلِّ المخلوقات، ولو كانَ كذلك ما كانَ إلهًا. إذًا هذه الآية قاصِمة لظُهورِهم {ليس كمثلِهِ شىء}

لذلك قال إمامُهم إنها منَ الآياتِ المتشابهات والعياذُ باللهِ تعالى، تصوَّروا إلى أين وصلوا في الغَيِّ والفسادِ والجهلِ والضلال عداوةً للقرآن.

هذه أصرح آية في القرآنِ، أصرح آية في التنزيهِ نحنُ ما قلنا أفضل لا، أفضلُ آية آيةُ الكرسيّ لأنهُ ورد في الحديثِ في آيةِ الكرسيّ الرسولُ قال عنها[هي سيّدةُ آيِ القرآن]

أمّا هنا نتكلّم عنْ أصرحِ آية في تنزيهِ الله هي آية الشورى {ليس كمثلِهِ شىء}

وهنا قال الإمامُ الغوثُ السيد الجبل الشهير مولانا القطب الرفاعي رضي الله عنه وأرضاه عبارة هي منْ جواهر علم التوحيدِ والعقيدة.

الإمامُ الرفاعي كانَ أعلمَ أهلِ زمانِهِ في كتابِ اللهِ وسنّةِ نبيِّهِ، الغوثُ الرفاعيّ رضي اللهُ عنه كما قال عنه ووصفَهُ مُحَرِّر المذهب الشافعي الشيخُ الفقيه عبدُ الكريم الرافعي قال “كانَ بحرًا منْ بحورِ الشرعِ الشريفِ وارِثًا أخلاقَ جدِّهِ المصطفى صلى الله عليه وسلم” هذا الإمام الغوث العلَم الشهير السيد الإمام أحمد الرفاعي الكبير رضي اللهُ عنه وأرضاهُ قال “غايةُ المعرفةِ باللهِ الإيقانُ بوجودِهِ تعالى بِلا كيفٍ ولا مكانٍ”

يعني غاية ما يَتوصّل إليه العارِفون الاعتقاد الجازم بأنَّ اللهَ موجودٌ لا كالموجودات موجودٌ بلا كيفٍ ولا مكان. ما هو الكيف؟ الكيف هو الشكل والحجم والكمية والهيئة والقعود والجلوس كلّ هذا يُقالُ له كيف، اللهُ لا كيفَ له.

قال سيّدُنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه “إنّ الذي كيَّفَ الكيفَ لا كيف له”

وقال سيّدُنا الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه “ولا يُقالُ كيفَ وكيفَ عنه مرفوع” هذا الذي ثبتَ عنْ مالك، مالك ما قال الكيفُ مجهول، فانتبهوا إذا سمِعتم منْ بعضِ الناس أو قرأتُمْ في بعضِ التأليفات والتصنيفات قال مالك  والكيفُ مجهول، هذا غيرُ صحيح ولم يثبُتْ عن مالك، إنما الذي ثبَتَ عن مالك بإسنادٍ جيد كما روى ذلك البيهقي أنه قال “ولا يُقالُ كيفَ” في حقِّ الله لا يُقال كيف لأنّ اللهَ خالقُ الكيف والخالقُ لا يشبهُ المخلوق.

“ولا يُقالُ كيفَ وكيفَ عنهُ مرفوع” وفي روايةٍ “والكيف غيرُ معقول” هذا الذي يُروى عن مالك، أما والكيفُ مجهول فهذا لمْ يَثبُتْ عنِ الإمامِ مالك.

فإذا قال لكم بعضُ الناس بلى مالك قال هذا أَروهم ماذا قال الحافظ البيهقيُّ عنْ هذا في كتابهِ الأسماء والصفات وما الذي ثبتَ عنْ مالك، ولا يقال كيف وكيف عنه مرفوع يعني مستحيل على الله، اللهُ منزَّهٌ عنِ الكيفِ.

 

إذًا هذا ما قالَه سيّدُنا عليّ، هذا ما قالَهُ الإمامُ مالك، هذا ما قالَهُ الغوثُ الرفاعي الكبير “غايةُ المعرفةِ  باللهِ الإيقانُ – يعني الاعتقادُ الجازمُ الذي لا يُخالِطُه شكٌّ  ولا ريب – بوجودِه تعالى، وأنه لا يشبه شيئًا منَ الموجودات، بلا كيفٍ ولا مكان.

تكلَّمْنا البارحة في تعريفِ المكان وقلنا المكانُ هو الفراغُ الذي يشغلُهُ الجسم، اللهُ ليس جسمًا فلا يملأُ فراغًا فلا مكانَ له، واللهُ هو خالقُ المكان والخالقُ لا يحتاجُ للمخلوق، المكان جُزءٌ منَ العالمِ، اللهُ قال {ومَنْ كفرَ فإنَّ اللهَ غنيٌّ عنِ العالمين}[آل عمران/٩٧] يعني غنيّ عن المكان، الذي يحتاجُ  للمكان لا يكونُ غنيًّا عن العالمين يكونُ محتاجًا.

إذًا هذا الذي قالَه الإمام الرفاعي، وقال الإمام الأستاذ الفقيه الشافعي الشهير أبو سليمان الخطابي رضي الله عنه وأرضاه فيما رواه عنه البيهقي في كتابِه الأسماء والصفات قال “إنَّ الذي يجبُ علينا وعلى كلِّ مسلمٍ أنْ يعتَقِدَه أنَّ ربَّنا عزّ وجلّ ليس بِذي صورةٍ ولا هيئة، إذ أنَّ الصورةَ تقْتَضي الكيفية، والكيفية عنِ اللهِ وعنْ صفاتِهِ مَنْفِيّة”.

قال عليّ رضي الله عنه، قال مالك رضي الله عنه، قال الرفاعي رضي الله عنه، قال أبو سليمان الخطابي رضي اللهُ عنه، وقدْ نقلَ الإمام أبو منصورٍ البغدادي وأبو إسحق الإسفراييني الإجماعَ على تنزيهِ اللهِ تعالى عنِ الكيفيةِ والكمية.

إذًا هذا معنى ما قالَهُ الإمام الرفاعي “غايةُ المعرفة” يعني هذا أقصى ما يَتوّصَّلُ إليه العارف أنْ يعتقدَ أنَّ اللهَ موجودٌ بلا جهةٍ ولا مكان ولا كيف وأنهُ لا يشبهُ شيئًا منْ خلقِهِ. ليس كما يعتقد بعضُ الزنادِقة الكفار يقولونَ نحنُ الخواصّ نعرف حقيقةَ ذاتِ الله ونراهُ أشكالًا وألوانًا وهنا وهناك، هؤلاء كذّبوا الله.

اللهُ يقول {فلا تضربوا للهِ الأمثال}[النحل/٧٤] إذا كان الغوث الرفاعي يقول إنّ غايةَ ما يتوصَّلُ إليه العارفُ باللهِ أنْ يعتقدَ بأنهُ موجودٌ بلا كيفٍ ولا مكان، فالذين يُثبِتونَهُ كيفًا ويُثْبِتونَهُ شكلًا ويُثْبِتونَ له المكان ما عرَفوه بلْ كفروا به وكذّبوه، لأنّهُ قال {فلا تضربوا للهِ الأمثال} وهم جعلوا له أمثالًا لا تُحصَى والعياذُ باللهِ تعالى.

إذًا عقيدة الإسلام أنَّ اللهَ تعالى منزَّهٌ عنِ الكيفيةِ والكميةِ والجسميةِ والأيْنِيةِ واللوْنية وغيرِ ذلك منْ صفاتِ البَرِيّة).

 

وقال الإمامُ الهرريُّ رضي اللهُ عنه: ليس معرفةُ الله بأنْ يُعتَقَدَ بأنهُ جسمٌ فوقَ العرشِ بِقَدْرِ العرش، لا يوجَدُ شىءٌ لهُ حياةٌ مستَقرٌّ فوقَ العرش، لا يوجَد، يوجَدُ كتابٌ كتبَ اللهُ فيه ((كتبَ ربُّكمْ على نفسِهِ الرحمة))

فمَن اعتقدَ أنَّ اللهَ موجودٌ بلا مكان بلا جهة مِنْ غيرِ أنْ يكونَ حجمًا لطيفًا كالملائكةِ والنورِ ومِنْ غيرِ أنْ يكونَ حجمًا كثيفًا كالإنسان وأنهُ هو الذي يستحقُّ أنْ يُعبدَ فهذا عرَفَ الله آمَنَ باللهِ يُقالُ له مؤمنٌ بالله، فإذا اعتقدَ  برسالةِ سيِّدِنا محمد صلى الله عليه وسلم صارَ مؤمنًا باللهِ ورسولِه فهو مسلم، فما دامَ على هذا الاعتقاد فهو مسلم، لكنْ يبقى شىءٌ لاستمرارِ إسلامِهِ وهو أنْ يحفظَ لسانَهُ مِنْ سبِّ اللهِ في حالِ الغضبِ أو في حالِ المزحِ أو في غيرِ ذلك.

(هنا فوائد عديدة، اللهُ تعالى ليس حجمًا ليس جسمًا قاعدًا فوقَ العرش كما يتصوّر الكفار وكما تعتقد المشبهة المجسمة الذين يزعُمونَ أنهم على زعمِهم يعبُدونَ الله، وهم لمْ يعبدوا الله بل كما قال فيهم الرازيّ عبَدة الصوَر والأجسام تخيّلوا جسمًا قاعدًا على العرش فعبَدوه.

وفي حقيقِةِ الأمرِ لا يوجَد جسم فوقَ العرش مُتّصِفٌ بالحياة والقدرة والإرادة والعلم، هذا لا وجودَ له فوقَ العرش. يوجدُ فوقَ العرشِ كتابٌ كتبَ اللهُ فيه ((إنَّ رحمتي سبَقَتْ غضبي)) ما معنى إن رحمتي سبقت غضبي؟

صفاتُ اللهِ أزلية أبدية ليس فيها سابقٌ ومسبوقٌ كلُّها أزلية أبدية، إنما معنى سبَقَتْ غضبي يعني مظاهر الرحمة أكثر منْ مظاهر الغضب، مثلًا الحسنات منْ مظاهر الرحمة الحسنة الواحدة أقل ما تُضاعَف إليه إلى عشرِ أمثالِها وقدْ تُضاعَف الحسنة الواحدة إلى سبعمائةِ ضعف وقد تضاعَف إلى مائةِ ألفِ ضعف، بل قدْ تُضاعَف الحسنة في كفّةِ الحسنات إلى أنْ تصيرَ كأمثالِ الجبال، وهذا منْ فضلِ اللهِ على عباده.

أليسَ قال سبحانَه {واللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يشآء}[البقرة/٢٦١] هذه المُضاعَفة في الحسنات منْ رحمةِ اللهِ بعبادِه وهذا منْ مظاهرِ الرحمة، هذا معنى ((إنَّ  رحمتي سبقتْ غضبي)) ومعنى الحديث أيضًا أنّ الملائكة الذين هم كلُّهم أولياء كما شرَحْنا فيما سبق، كلُّهم صلَحاء أخيار أطهار أولياء، هم أكثرُ خلقِ اللهِ عددًا.

فالإنسُ والجنُّ والبهائمُ والحصى وأوراق الشجر وقطَرات الماء بالنسبةِ للملائكة كَعُشرِ العُشُر أو كقطرةٍ في جَنبِ البحرِ المُحيط. إذًا هذا منْ مظاهرِ الرحمة، الملائكة أكثر خلقِ اللهِ عددًا وهم أولياء وهذا منْ مظاهرِ الرحمة.

مثالٌ ثالث الجنةُ منْ مظاهرِ الرحمة، والجنةُ عرضُها كعرضِ السمواتِ والأرض، أمّا جهنم منْ مظاهرِ الغضب، جهنم كبيرة واسعة شاسعة . تصوَّروا ضرسُ الكافرِ في جهنم كجبلِ أحد، نسألُ اللهَ السلامةَ والنجاةَ لنا ولكم. تصوَّروا مكانَ مقعدةِ الكافرِ في جهنم مسيرة ثلاثة أيام كما روى الإمام البيهقي فكم يكونُ حجمُ الكافر في جهنم؟ وكمْ عدد الكفار؟ وكمْ يكون حجم جهنم؟ شىءٌ واسع مع ذلك جهنم بقعةٌ صغيرة ضيّقة بالنسبةِ للجنة، والجنة منْ مظاهرِ الرحمة.

 

تخيّلوا أنَّ أقلَّ مسلم له في الجنة كهذه الدنيا على عشرِ أمثالِها فكمْ تكونُ الجنة؟ هذا معنى ((إنَّ رحمتي سبقَتْ غضبي))

إذًا فوقَ العرش يوجَد هذا الكتاب الذي فيه كتبَ اللهُ ((إنَّ رحمتي سبقت غضبي))

وأما الآية {كتبَ ربُّكم على نفسِهِ الرحمة}[الأنعام/٥٤] فهذه تُخبِرُنا أنَ اللهَ أخبرَنا وأنزلَ في كتابِهِ وأوحى إلى أنبيائه أنْ يُخبِروا الناسَ وأنْ يُعلِموا الناسَ أنَّ اللهَ تعالى مُتصِفٌ بالرحمة. وأما على زعمِ هؤلاءِ الوهابية المشبهة الذين يقولون على الظاهر ولا تأويل يُقال لهم إذًا على زعمِكم جعلْتُمُ اللهَ جسمًا كميةً وكتبَ على ذاته كتبَ ربُّكم على نفسِهِ الرحمة، هل هذا يقولُهُ عاقل؟ جعلتُم اللهَ كالورقة أو اللوح كتبَ هو على نفسِهِ على ذاتِهِ كتبَ ربُّكم على نفسِه الرحمة؟ ما هذه السخافة؟ هذا لا يقولُهُ أبو جهل. إذًا لا بدَّ منَ التأويل، إنْ قلتُمْ بلا تأويل على الظاهر فأجيبوا عنْ هذه الآية، هذا يُلْزِمُكُم التأويل لا مفرَّ لكمْ. إذًا معناها اللهُ يُخبرُنا أنهُ متّصِفٌ بالرحمة موصوفٌ بالرحمة وأنَّ اللهَ تعالى أرحمُ الراحمين أوْحى بذلك إلى أنبيائه أنزلَ ذلك في الكتب أخبرَنا أنه الرحمن الرحيم يُعلِمُنا بذلك، ليس أنه جسد وكتبَ على جسدِ نفسِه ((كتبَ ربُّكم على نفسِهِ الرحمة)) أعوذُ باللهِ العظيم هذه سخافةٌ عجيبة.

إذًا هذا دليلٌ على إثباتِ التأويل، لا بدَّ منَ التأويل.

ما هو الذي فوقَ العرش؟ كتابٌ فيه كتبَ اللهُ إنَّ رحمتي سبقتْ غضبي. وقال بعضُ العلماء اللوحُ المحفوظ موجودٌ فوقَ العرش، هذا قولُ بعضِ المفسِّرين، الكتاب المُبين الذي هو اللوح المحفوظ، يعني هذا اللوح المحفوظ الجسم الكبير بعضُ المفسّرين والعلماء يقولونَ هو فوقَ العرشِ أيضًا.

ووردَ في الحديثِ كتاب منه نزلَ آخِر سورة البقرة {ءامنَ الرسولُ}[البقرة/٢٨٥] إلى آخرِها، هذه ثلاثة أشياء موجودة فوقَ العرش.

أما هؤلاء المجسمة يعبدونَ جسمًا جسدًا تخيّلوه قاعدًا فوقَ العرشِ لا وجودَ له يعبُدونَ الصور الخيال، إذًا لا يوجَد شىء فوقَ العرش متّصف بالحياة والإرادة والقدرة، وإنْ قالوا مع ذلك هو فوقَ العرش يُقالُ لهم جعلْتُموهُ مُساوِيًا عَديلًا للوحِ المحفوظِ ولهذا الكتابِ الذي تكلَّمْنا عنه، يعني ساوَيْتُم اللهَ بخلْقِهِ، وهذا لا يقولُهُ إلا الكافر.

 

ومِنْ جهةٍ ثانية جعلْتُموهُ جسمًا مَحمولًا لأنَّ اللهَ قال {ويحمِلُ عرشَ ربِّكَ فوقَهمْ يومَئِذٍ ثمانية}[الحاقة/١٧] فيكون الله محمولًا منْ قِبَل الملائكةِ بزعمِكم، يعني على زعمِكمْ جعلْتُم اللهَ تعالى كالملِكِ الذي يقعُدُ على العرش وتحمِلُهُ الرَّعِية، أو كما في سوريا عندَ إخوانِنا في سوريا عندَهم عادة يأتونَ بالعريس محمولًا على الأكتاف ويخرجون في الشارع شىء يُقالُ له العَراضة، هؤلاء جعلوا اللهَ كخَلقِهِ، جعلوا اللهَ يُحمَل كالعريس أو كالرئيس أو كالإنسانِ على الأكتافِ. ثم إنَّ العرشَ تحْمِلُهُ الملائكة فكيفَ جوّزْتُمْ على اللهِ أنْ يكونَ حجمًا فوقَ العرش والعرشُ تحتَهُ والملائكةُ يحمِلونَهُ ويحمِلونَ العرش، واللهُ قال في القرآنِ {وهو ربُّ العرشِ العظيم}[التوبة/١٢٩] وأنتم جعلتُموه محتاجًا للعرش وهو يُخبرُنا أنه لا يحتاجُ للعرش وأنه خالقُ العرش {وهو ربُّ العرشِ العظيم}

{ويحملُ عرشَ ربِّكَ فوقَهم يوْمَئذٍ ثمانية}[الحاقة/١٧] كيفَ جعلتُموهُ جسدًا جسمًا قاعدًا فوقَ الرش؟ أيُّ عقلٍ هذا؟ أيُّ فَهمٍ سقيمٍ هذا؟

أما عقيدةُ الأنبياءِ والأولياءِ والملائكة والصحابة وآل الرسول والأشاعرة والماتريدية والسادة الصوفية الصادقية اللهُ ليس جسمًا اللهُ ليس حجمًا اللهُ لا يجلسُ على العرش اللهُ لا يقعُدُ على العرش، لا يسكنُ السماء ليس  في الفضاء موجودٌ أزلًا وأبدًا بلا جهةٍ ولا مكان.

هذا الذي يجبُ اعتقادُهُ. إذًا ربُّنا سبحانه وتعالى ليس مستقرا على العرش ولا في هواءِ العرش ولا مُماسًّا للعرش لأنه قال في القرآن {هلْ تعلمُ له سمِيًّا}[مريم/٦٥] فمن اعتقدَ أنَّ اللهَ يجلسُ على العرش جعل اللهَ جسمًا محتاجًا مخلوقًا وجوّزَ عليه الزوال والفناء والتغيُّر، واللهُ يقول في القرآن {وتوكلْ على الحيِّ الذي لا يموت}[الفرقان/٥٨] واللهُ يقولُ في القرآنِ {ولمْ يكنْ لهُ كفُوًا أحد}[الإخلاص/٤]

 

إذًا اللهُ ليس جسمًا ليس قاعدًا فوقَ العرشِ، اللهُ خلقَ العرشَ لحِكَمٍ عديدة منها أنْ جعلَهُ سقفًا للجنة، ومنها أنّ العرشَ هو أكبرُ مخلوقاتِ اللهِ حجمًا والملائكة يطوفونَ حوْلَهُ هو بالنسبةِ لهم كالكعبةِ بالنسبةِ لنا في الأرض، يعني اللهُ خلقَ العرشَ لحِكَمٍ كثيرة ولِحِكَمٍ عديدة لا لِيَجلِسَ عليه لا لِيَقْعُدَ عليه، هو موجودٌ قبلَ العرش، إنْ قلتُمْ لمْ يكنْ جالسًا عليه خلَقَه ثم جلس فقدْ زعَمْتُمْ أنه تغيَّرَ والتغيُّر أكبر علاماتِ الحدوث والمُتغيِّر يحتاج  لِمَنْ يغيِّرهُ والاحتياجية تُنافي الألوهية، والاحتياجية دليلُ العجز واللهُ يقولُ في القرآن الكريم {واللهُ غالبٌ على أمرِه}[يوسف/٢١]

وقال {وهو الواحدُ القهّار} ]الرعد/١٦] أمّا أنتم جعلتُموهُ عاجزًا محتاجًا مخلوقًا متغيِّرًا تقولون العرش له بداية ثم تقولون اللهُ الأزلي جالس على العرش؟ ما هذا التناقض؟

 

فعلى زعمِكم إمّا أنْ تقولوا بما أنه أزليّ فلا بدَّ أنْ يكونَ العرش أزليّ ليَكونَ هو عليه وبهذا أشرَكْتُمْ لأنكم جعلْتُم العرشَ أزليًّا معَ الله فتكونونَ كذّبْتُمُ اللهَ حيثُ قال {هو الأولُ والآخِر}[الحديد/٣] فجعَلْتُمْ له شريكًا في الأوّلية في الأزلية، وهذا شركٌ صريح.

أو أنْ تقولوا كما أنَّ العرشَ مخلوق اللهُ مخلوق لِيكونَ جالسًا عليه، وهذا كفرٌ صُراحٌ بَواحٌ، إذًا لا مفرَّ لكم ولا ملجأَ ولا مَنْجَى لكم إلا بأنْ تتخَلَّوا عنْ هذه العقيدة الكاسدة الفاسدة وأنْ ترجِعوا إلى عقيدةِ أهلِ السنةِ والجماعةِ).

 

وقال الإمامُ الهرريُّ رضي الله عنه: هذا الحديث [إنَّ اللهَ فرضَ فرائضَ فلا تُضَيِّعوها وحرَّمَ أشياءَ فلا تَنْتَهِكوها وسكتَ عنْ أشياءَ رحمةً بكم غيرَ نِسيان فلا تبحثوا عنها] ليس معناه أنَّ اللهَ ذاتَهُ له كلامٌ يدخلُه السّكوت إنّما معنى وسكتَ عنْ أشياء أي لمْ يُنزِلْهُ في القرآن، أنزلَ في القرآن أشياء بيَّنَ أنها حرام وبيّنَ أشياءَ أنها فرائض وسكتَ عنْ أشياءَ لمْ  يذكُرْها أنّها حرام ولا أوْحى إلى نبيِّهِ أنها حرام، هذا – أي الذي لمْ يُحَرِّمْه الله – لا تجعلوهُ حرامًا اسكتوا عنه، “سكتَ” معناه في الحديث أي لمْ يُذكَرْ في القرآنِ، ليس معناه أنّ اللهَ تكلَّمَ بأشياءَ ثم سكتَ، لو كان اللهُ يتكلّم ثم يقطَع لكانَ مِثلَنا ولا يجوزُ أنْ يكونَ مِثلَ خلقِهِ.

 

(هنا فوائد كثيرة وعظيمة ومهمة يجبُ الاعتقاد بأنّ اللهَ سبحانه وتعالى متصِفٌ بصفةِ الكلام، وكلامُهُ أزليٌّ أبديٌّ لأنَّ اللهَ ذاتُهُ أزليٌّ أبديٌّ فكلامُهُ منْ صفاتِه وصفاتُهُ أزلية أبدية. أليسَ اللهُ أثبتَ ذلك في القرآنِ لذاتِه فقال {وكلَّمَ اللهُ موسى تكلِيمًا}[النساء/١٦٤]؟ إذًا هو متصِفٌ بصفةِ الكلام لكنْ كلامُهُ ليس ككلامِ المخلوقين، كلامُ اللهِ ليس مُبْتَدَأً ليس مُخْتَتَمًا لا يتَخَلَّلُهُ انقِطاع، وإلا لكانَ ككلامِنا. 

وكلامُ اللهِ تعالى بلا فم ولا لسان ولا أسنان ولا أضراس ولا لَهاة ولا حلق ولا مخارجِ حروف ولا انسلالِ هواء، كلامُهُ ليس بلغةٍ عربية ولا عبرية ولا سُريانية، كلامُهُ ليس ككلامِ الإنسِ ولا الجن ولا الملائكة.

كلامُهُ كلامٌ واحد لا يتعدّد ولا يتبعَّض ولا يتجَزَّأ، كلامُهُ لا يشبهُ كلامَ المخلوقينَ بالمرة ولا بوجهٍ منَ الوجوه.

لذلك أجمعت الأمة على وحدةِ كلامِ اللهِ، أي أنَّ اللهَ متكلِّمٌ بكلامٍ واحد، كلامُهُ هذا موجودٌ في الأزلِ والأبد ليس له بداية وليس  له نهاية ولا يتخلَّلَهُ انقطاع.

الواحد منا يعرفُ منْ نفسِه يتكلم ثم يسكُت، ماذا حصل؟ تغيُّر، بعد سكوت يتكلّم، رجَعَ إلى الكلام، تغيّرٌ آخَر.

ثم الانقطاع الذي يحدثُ عندَنا تغيُّرٌ آخَر، إذًا هذه صفاتُ المخلوقين، أما اللهُ فأزليٌّ أبديٌّ وصفاتُهُ أزليةٌ أبدية.

ما معنى وحدة كلامِ الله؟ يعني كلامُهُ واحدٌ لا يتعدَّد ولا يتبَعَّض. وممّنْ نقلَ الإجماعَ على وحدةِ كلامِ اللهِ تعالى الإمام السَّكونيّ في كتابه “التمييز” هذا الإمام السّكوني الإشبيلي المالكي الأشعري رحمه الله في كتابهِ التمييز قال: مسئلة “وكلامُ اللهِ واحدٌ بإجماعِ الأمةِ”.

 

وكذلك نقلَ البيهقيّ الإجماعَ على وحدةِ كلامِ اللهِ عزّ وجلّ.

إنْ قيلَ لكمْ كيف تقولونَ كلامٌ واحد وهنا إجماعٌ على أنهُ كلامٌ واحد واللهُ يقول في القرآنِ الكريم {كلماتُ ربي}[الكهف/١٠٩]  فالجوابُ عنْ ذلك {كلماتُ ربي} هذا للتعظيم وليس للجمع كما نقول اللهُ واحد وكلُّنا نعرف أنّ الله واحد، واللهُ يقول في القرآن {قل هو اللهُ أحد}[الإخلاص/١] وفي القرآنِ {وإلهُكم إلهٌ واحد}[البقرة/١٦٣] وفي القرآن {اللهُ لا إلهَ إلا هو الحيُّ القيوم}[البقرة/٢٥٥] وفي القرآنِ {لآ إله إلا أنا فاعبُدون}[الأنبياء/٢٥] كثيرة، مع ذلك قالَ ربُّنا في القرآنِ {إنّا نحنُ نُحْيي ونُميتُ}[الذاريات/٤٣]

هل هذه الآية تتعارَض مع تلكَ الآياتِ الأربعة؟ لا، اللهُ واحد، وذكرتُ أربع آيات. هنا في هذه الآية {إنّا نحنُ نُحيي ونُميت} هذا ليس للجمعِ هذا للتعظيم، يعني اللهُ يُخبِرُنا أنهُ واحدٌ وأنه يُعَظِّمُ ذاتَهُ المُقَدَّس، هذا معناه.

وكذلك {كلماتُ ربي}[الكهف/١٠٩] للتعظيم وليس للجَمع.

وزيادة الدليل على ذلك آيةٌ ثانية هي {كلمةُ اللهِ هيَ العُليا}[التوبة/٤٠] هنا ما قال كلماتُ الله، كلامُهُ واحد، {كلماتُ ربي} للتعظيمِ وليست للجمع.

 

وهكذا ما جاءَ في الحديثِ [أعوذُ بكلماتِ اللهِ التآمّاتِ} كلمات هذا للتعظيم. إذًا كلامُهُ كلامٌ واحد ومَنْ قال لا هو متعَدِّد بدليلِ هذه الآية {كلماتُ ربي}[الكهف/١٠٩] قلْ له على زعمِكَ جعلتَ اللهَ والعياذُ باللهِ متُعَدِّدًا لأنهُ قال {إنّا نحنُ نُحيي ونُميت}[الذاريات/٤٣] فإنْ قال لا، يُقالُ له: وهناك لا، وهناك أيضًا للتعظيم وليست للجمع.

إذًا هذا الدليل فيه الإجماع الذي نقلَهُ السَّكونيّ على أنَّ اللهَ تعالى كلامُهُ كلامٌ واحد. وإنْ سُئلْتَ عنْ قولِ اللهِ عزّ وجلّ {إنّمآ أمرُهُ إذا أرادَ شيئًا أنْ يقولَ له كنْ فيكون}[يس/٨٢] هذا ليس معناه أنَّ اللهَ يتلفظ بكاف ونون لا، هذا معناه تعبيرٌ عنْ سرعةِ الإيجاد، يعني اللهُ يُخبرُنا بأنهُ يوجِدُ الأشياءَ بلا تعبٍ ولا مشقة وليس معناها أنهُ يتلفظ بكافٍ ونون، لماذا؟

كنْ لغة عربية، نبدأ أولًا بالكاف ينتهي حرف الكاف ويأتي حرف النون، إذًا لغة عربية من حروف والمُتلفِّظ بها أيضًا مخلوق لأنَّ المُتكلِّمَ بالحرفِ والصوتِ واللغة لا يكونُ أزليًّا لانَّ الصفة الحادثة لا تقوم في الأزلي، الصفة الحادثة تقومُ في الحادث. فالمتَكلِّم بالحرفِ والصوتِ واللغة لا يكونُ إلا حادثًا لا يكونُ أزليًّا، بل هو مخلوق، واللهُ أزلي فلا يتكلّم بكلامٍ حادث، والحرفُ والصوتُ واللغة صفاتٌ مخلوقة وُجدَت عندَما وُجِدَ مَنْ تكلّمَ بها، وأول مَنْ تكلَّمَ بالحرفِ والصوتِ واللغة منَ الجمادات الجنة، الجنة ليست مِنْ ذوي الأرواح.

وردَ في حديثٍ رواه البيهقي قال صلى الله عليه وسلم [عندما خلقَ اللهُ الجنةَ قال لها تكلَّمي فقالت قدْ أفلحَ المؤمنون] هذه بشرى خاصة بالمؤمنين ليست لكلِّ الناس، الجنة للمؤمنين، نطقَتْ بحرفٍ وصوتٍ ولغة وهذا رواهُ البيهقي.

وأولُ مَنْ تكلَّمَ بالحرفِ والصوتِ واللغة منْ ذَوي الأرواحِ والعقول هم الملائكة ثم إبليس ثم آدم عليه السلام. إذًا لا يجوزُ على الله أنْ يكونَ متكَلِّمًا بالحرفِ والصوتِ واللغة.

إذًا {كنْ فيكون}[يس/٨٢] ليس معناها أنَّ اللهَ يتلفّظ بكاف ونون كن كن كن، هذه سخافةُ عقل لأنهم جعلوا اللهَ مغلوبًا مسبوقًا ملْحُوقًا كيف؟

إذا قالوا إنّ اللهَ يتلفظ بكُنْ لِيوجِدَ بكلمة كن حادث واحد، فيُقال لهم في اللحظةِ الواحدة يدخل في الكون مئات آلاف ملايين مليارات بليارات الحوادث في لحظة، وكلمة كن بزعمِكُمْ كانت لحادثٍ واحدٍ وبقية المليارات التي دخلَتْ في الكونِ في هذه اللحظة يعني وُجِدَتْ بغيرِ إيجادِ اللهِ لها؟ وبزعمِكم جعلتُمُ اللهَ مسبوقًا مغلوبًا ملحوقًا؟

هذا لا يقولُهُ إلا الكافر. إذًا {كنْ فيكون}[يس/٨٢] تعبيرٌ عنْ سرعةِ الإيجادِ.

اللهُ تعالى يُخبرُنا في هذه الآية أنه قادرٌ على كلِّ شىء يوجِدُ الأشياءَ بقدرتِهِ بلا مباشرة بلا تعب بلا مُماسّة لأنه ليس جسمًا ليس له جارحة ليس له أعضاء، نحنُ نعمل بالجوارح بالمُماسة بالجسم بالجسد، اللهُ ليس هكذا ليس جسمًا ليس جسدًا ليس له أعضاء ولا جوارح فيوجِدُ الأشياءَ بقدرتِه، فاللهُ يُخبرُنا في هذه الآية أنه يخلقُ الأشياءَ منْ غيرِ أنْ يلحَقَهُ تعب ولا مشقة وبسرعةٍ يوجِد ويُدخل في العالَم والكون ما لا يدخل تحتَ حصرِ المخلوقين، كما أنك أيها الإنسان كلمة كن بالنسبةِ لك هي هيّنةٌ عليك فخلقُ اللهِ للخلقِ هيِّنٌ على الله، هذا معناها، ليس معناها أنّ اللهَ تعالى يتلفظ بكُنْ، ليس معناها أنّ اللهَ يخلقُ الأشياءَ بكُنْ. ثم الذي يقول هذا يكونُ وقعَ في تشبيهٍ وتجسيمٍ وشرك، كأنهُ يقول اللهُ لا يقدر ولا يستطيع أنْ يوِجَدَ المخلوقات إلا بمخلوقٍ هو كن، وهذا شىءٌ عُجابٌ في الكفر، كنْ بالحرفِ والصوتِ واللغة صفةٌ مخلوقة فكيف يكونُ الأزلي الأبدي يوجَدُ الأشياءَ بصفةٍ مخلوقة؟

 

يعني جعلتموه عاجزًا ويحتاج للمخلوقِ لِيوجِدَ المخلوق، يعني يخلقُ المخلوق بمخلوق بزعمِكم، وهذا تضارب وتناقض ووصفٌ للخالقِ بصفاتِ المخلوق وجعلتم اللهَ ناقصًا فيَكْتَمِل بالمخلوق، أيُّ عقلٍ هذا؟ هذا لا يقولُهُ إنسانٌ له فهم له أدنى عقل، لأنه جعلَ اللهَ عاجزًأ مخلوقًا ناقصًا اكتملَ بمخلوق ويخلقُ المخلوق بمخلوق وهذا منْ أبشعِ الكفر.

ثم هذه الآية {كنْ فيكون}[يس/٨٢] لها تفسيرٌ آخَر عند أهلِ السنةِ والجماعة، ما هو هذا التفسير الآخَر؟ أنه بخطابِهِ الأزلي يوجِدُ الأشياء، ما معنى بخطابِهِ الأزلي؟ يعني بحُكمِهِ الأزليّ، يعني بقولِهِ, قولُهُ حكمُهُ كلامُه، وكلامُهُ أزليّ وهو في الأزلِ حكمَ بوجودِ الأشياء {كنْ فيكون}[يس/٨٢] تعبيرٌ عنْ سرعةِ الإيجاد أي أنّ اللهَ يوجِدُ في لحظةٍ واحدة ما لا يدخلُ تحتَ حصرِنا بلا تعبٍ يلْحَقُهُ ولا مشقة تلحَقُهُ ولا يستَغرِقُ عليه وقتًا ويوجِدُ الأشياءَ بقدرتِه لا بالجوارحِ ولا بالأعضاء.

 

هذا معنى {كنْ فيكون}[يس/٨٢] وأيضًا يجبُ الاعتقادُ بأنَّ قولَ اللهِ تعالى في القرآنِ الكريم {لِمَن الملُكُ اليوم للهِ الواحدِ القهّار}[غافر/١٦] ليس معناها ما يعتقدُهُ المشبهة المجسمة مِنْ أنَّ اللهَ تعالى يومَ القيامةِ يسال فلا يُجِيبُهُ أحد ثم يسكت فيُجيبُ نفسَهُ بنفسِهِ، هذا معناه تغيّر وانقطاع لكلامِ اللهِ وحدوث وانتقال منْ صفةٍ إلى صفة وهذه صفات الأجسام والأجرامِ والمخلوقين واللهُ يقول {فلا تضربوا للهِ الأمثال}[النحل/٧٤]

والرسولُ عليه الصلاة والسلام يقول [لا فكرةَ في الرب]

إذًا ما معنى {لَمَن الملكُ اليوم لله الواحدِ القهّار}[غافر/١٦] ليس معناها أنّ اللهَ يسأل ثم يسكت ثم يتكلم فيُجيبُ نفسَهُ بنفسِهِ، لا، اللهُ بعدَما يُميتُ العبادَ يومَ القيامةِ يأمرُ ملَكًا، الملَكُ هو الذي يقف في موقفٍ منْ مواقفِ القيامةِ بأمرٍ منَ الله، الملَك ينادي لمَن الملكُ اليوم فلا أحد يُجيبُه، الملَك يُجيب للهِ الواحدِ القهار.

هذا معنى الآية فالملَك يسألُ ويُجيب بأمرٍ منَ الله وليس الله يتغيّر منْ حالٍ إلى حال وليس اللهُ يسكت ويتكلم ويتكلم ويسكت، حاشى لله وتنزّه الله ليس كمثله شىء.

وهذا معنى الحديث الذي قُرىءَ لكم [وسكتَ عنْ أشياء] أي لمْ يُنزِلْها في القرآنِ ولا أنزلَها وحْيًا على الرسول، يعني تركَ بيان حكم هذه الأشياء لمْ يُبَيِّنْها لكم،  ليس معنى [سكت] السكوت الذي يكونُ عَقِبَ الكلام لأنّ هذا صفة المخلوق.

 

وقد نقلَ الإجماعَ الإمام أبو بكر الصقِلِّي الأشعري المالكي على كفرِ مَنْ يقول بأنَّ اللهَ يتكلم بحرفٍ وصوتٍ ولغة أو أنّ كلامَه ككلامِ المخلوقين في كتابِهِ “رسالةٌ في علمِ الكلام”. هذا معنى وسكت عن أشياء يعني لمْ يُبيِّنْ حكمَها وليس معناه سكتَ بعدَ كلام فصار مُتغيِّرًا وصار كلامُهُ متَقطِّعًا، هذا لا يجوزُ على الله، وكلامُ اللهِ ليس ككلامِ خلقِهِ إنما كلامُهُ أزليّ أبدي ليس ككلامِ المخلوقين بالمرة).

 

وقال الحافظ الهرريُّ رضي اللهُ عنه: افهموا هذا لأنَّ هذا منْ أصلِ الدين، معرفةُ اللهِ أساسُ الدين.

(وهذه قاعدةٌ مهمة لأنَّ الإنسانَ إذا كان على التشبيه والتجسيم أو كان على كفريةٍ منَ الكفرياتِ كمسبّةِ اللهِ حاشى، أو مسبّة القرآن أو الإسلام أو شهر رمضان فهذا لو صام وصلى وزكّى وحجّ وقامَ الليل وقرأَ القرآنَ وتصدَّقَ على الفقراء ووصلَ الارحام ليس لهُ ذرةٌ منَ الثواب، لأنه كافر والكافر لا تصحُّ منه الأعمالُ الصالحة.

بدليلِ قولِ اللهِ تعالى {قل لِعِبادِيَ الذين ءامنوا يُقيموا الصلاة}[إبراهيم/٣١] وقال تعالى {إنما المؤمنونَ الذين ءامنوا باللهِ ورسولِه}[الفرقان/٦٢]

وقال في سورةِ الكهف { ويُبشِّرَ المؤمنينَ الذين يعملونَ الصالحاتِ أنَّ لهم أجرًا حسَنًا ماكِثينَ فيه أبدًا}[الكهف/٢-٣]

في كلِّ هذه الآيات الإيمانُ أولًا، {الذين يؤمنونَ بالغيبِ ويُقيمونَ الصلاة}[البقرة/٣] {إنَّ الذين ءامنوا وعملوا الصالحات}[البقرة/٢٧٧]

فهذا هو الأساس معرفةُ اللهِ ومعرفةُ الرسول وتجنّب الكفريات. أما مَنْ كانَ على عقيدةٍ كفرية لا ينفعُهُ لو عاشَ إلى ألفِ سنة وهو يعمل صورة العبادات بزعمِه.

 

قال القاضي الفقيه الشافعي الحنفي المفسر، قاضي السلطنة في الجيش العثماني وأستاذ وشيخ السلطان محمد الفاتح وصديق السلطان مراد والد السلطان محمد الفاتح الشيخ الأستاذ القاضي الفقيه المفسر أحمد بن عثمان بن مراد الكَوراني المعروف في تركيا بملّا كوراني، قال في كتابِهِ “الدرَرُ اللوامِع” والكتابُ مطبوعٌ وموجودٌ عندَنا وفي الأسواق

قال “المجسّمُ كافر وإنْ صامَ وصلى” يعني صام وصلى صورة ولا يصح منه.

وأقوى منْ هذا ما وردَ في الحديثِ الذي رواه عبد الرءوف المُناوي والحافظ السيوطي [أبى اللهُ أنْ يقبلَ عملَ ذِي بدعةٍ حتى يدَعَ بدعتَه] يعني الذي عندَهُ عقيدة فاسدة كفرية اللهُ لا يقبلُ منه لا صومٌ ولا صلاة.

 

وهذا أبو عثمان المغربي كما روى القشيري رحمه الله عن أبي عثمان المغربي الذي كان صوفيّ مكة وكانَ مشهورًا في مكة ولهُ أتْباع خَلقٌ كثيرٌ وراءَه، كانَ يعتقد شيئًا والعياذُ باللهِ بالنسبةِ للجهة لله، جاءَ منْ مكة إلى بغداد اجتمعَ بالعلماء باحثوهُ كلَّموهُ أقْنعوهُ أظهروا  له الأدلةَ تراجَع تركَ الكفر الذي كانَ عليه وهو نسبةُ الجهةِ إلى الله، تشهّدَ، منْ أمانتِهِ منْ إخلاصِهِ منْ صدقِهِ وإنقاذًا لأتْباعِهِ وهو كانَ بعدُ في بغداد قبل أنْ يرجِعَ إلى مكة كتبَ إليهم الرسائل لم ينتظرْ إلى أنْ يرجِع، “أني قدْ أسلَمْتُ جديدًا”.

 

لذلك يا إخواني ويا أخواتي التوحيد العقيدة السنّية التنزيه، العقيدة الأشعرية، العقيدة الماتريدية هي الأصلُ والأساس مَنْ كانَ على كفريةٍ واحدةٍ فهوَ مطرودٌ منْ رحمةِ الله إنْ ماتَ على ذلك يُخَلَّد في نارِ جهنم إنْ عمِلَ صور الطاعات والعبادات لا يصحُّ منهُ ولا يُقبَل كما أوردْتُ لكم عددًا منَ الآيات.

 

والحمدُ لله ربّ العالمين.