الإثنين يونيو 24, 2024

لا يزالُ الناسُ بخيرٍ ما عجّلوا الفِطرَ

لقد امتنَّ اللهُ ﷻ على عبادِهِ بمواسمِ الخيراتِ، ففيها تُضاعفُ الحسناتُ وتُمحى السيئاتُ وتُرفعُ الدرجاتُ ويُعتِقُ اللهُ كُلَّ ليلةٍ فيه مِنَ النَّارِ مَنْ شَاءَ مِنْ عبادِهِ المسلمينَ العُصَاةِ. فَجِدُّوا في الطاعَاتِ عَلَّكُمْ تَكونُوا مِنْ عُتَقَاءِ هَذَا الشهرِ المبارَكِ.

واعلَمُوا أنَّهُ يُستحبُّ في الصيامِ أشياءُ منها: تعجيلُ الفطرِ إذا تحقَّقَ غروبُ الشمسِ وذلكَ لحديثِ البخاريّ ومسلمٍ عن سهلِ بنِ سعدٍ أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا يزالُ الناسُ بخيرٍ ما عجلوا الفِطرَ»، ومعنى الحديثِ أنَّهُ لا يزالُ أمرُ الأمةِ مُنتظمًا وهو بخيرٍ ما داموا محافظينَ على هذه السُّنَّة، لحديثِ الترمذيّ مِنْ حديثِ أبي هريرة عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ اللهُ تعالى : « أحبُّ عبادي إليَّ أعجلُهم فِطرًا».

وغروبُ الشمسِ يُعرفُ بمغيبِ قرصِ الشمسِ كلِّهِ فإن لم يستطعْ رؤيةَ غروبِ الشمسِ فلينظر إلى المشرقِ، فإنْ أقبلَ الظلامُ مِنَ المشرقِ عَرَفَ بذلك دخولَ وقتِ المغربِ. فقد قالَ الرسولُ صلى الله عليه وسلم قالَ: «إذا غربتِ الشمسُ مِنْ هاهنا – يعني: مِنَ المغربِ – وأقبلَ الظلامُ مِنْ هاهنا – يعني مِنَ المشرقِ – فقد أفطرَ الصائمُ»، معناهُ: ما دامَ قرصُ الشمسِ قد غابَ حلَّ الإفطارُ وإنْ كانَ يظهرُ مِنْ جهةِ المشرقِ أثرُ ضوء الشمسِ هذا لا يمنعُ الأكلَ والشربَ.

عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي أَوْفَى ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ وَهوَ صَائِمٌ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قالَ لِبَعْضِ القَوْمِ: «يَا فُلَانُ، قُمْ فَاجْدَحْ لَنَا»، فَقَالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، لو أمْسَيْتَ؟ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا»، قَالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، فلوْ أمْسَيْتَ؟ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا»، قَالَ: إنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا، – هذا الرجلُ كان ينظرُ إلى أثرِ الشعاعِ منْ جهةِ المغربِ – قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا»، معناه: اخلِطْ لنا هذا السَّوِيقَ بالماءِ لنَفطرَ بهِ، السَّويقُ هو الشعرُ يُحَمَّصُ ثم يُطْحَنُ، هذا يُتخذُ زادًا، أما في السفرِ فيُبلُّ بالماءِ ويُشربُ، فهذا يُبَرَّدُ ويُذهبُ العطشَ ويكسِرُ الجوعَ. فَنَزَلَ فَجَدَحَ لهمْ، فَشَرِبَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قَالَ: «إذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ قدْ أقْبَلَ مِن هَاهُنَا، فقَدْ أفْطَرَ الصَّائِمُ»، معناهُ: الآنَ جاءَ الظلامُ مِنَ المشرقِ فلا تنظُرْ إلى أثرِ ضوءِ الشمسِ الذي بقيَ هذا لا يمنعُ حِلَّ الإفطارِ، فمَتَى تَحَقَّقَ غُرُوبُ الشَّمْسِ حَلَّ الْفِطْرُ.

وبهذا نعلمُ أنَّ مِنَ السُّنَّة الفِطرَ على أشياءَ خفيفةٍ لا تؤذي المعدةَ، خلاف ما قد يفعلُهُ بعضُ الناسِ اليومَ مِنْ مَلءِ المعدةِ عندَ الإفطارِ بأطعمةٍ ثقيلةٍ تُتْعِبُها ولا يمتصُّها الجسمُ بسرعةٍ. وأما الرُّطَبُ أو التمرُ فهو سريعُ الهضمِ سريعُ الامتصاصِ لِما يَشتمِلُ عليهِ منَ الموادِ السكريةِ، فهو سهلٌ على المعدةِ ويمتصُّهُ الجسمُ سريعًا فيُشعِرُهُ بنوعٍ مِنَ الامتلاءِ فلا يَهجمُ على الطعامِ بشدةٍ ويُعوّضُهُ سريعًا عما افتقدَهُ منَ السكرياتِ بسببِ الصيامِ.

والإفطارُ هو أن يتناولَ الصائمُ شيئًا كالأكلِ والشرابِ ويسمّى الفُطورَ لأنهُ في صحيحِ ابنِ حبانَ من حديثِ ابنِ عباسٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّا معشرَ الأنبياءِ أمرنا بتأخيرِ السُّحورِ وتعجيلِ الفُطورِ وأن نضربَ أيمانَنا على شمائِلنا في الصلاةِ» ورواه الإمامُ أحمدُ في مسندِهِ فتعجيلُ الإفطارِ فيهِ ثوابٌ وإنْ أخَّرَ ذلكَ فقد خالفَ السُّنَّة.

ولمشروعيةِ تعجيلِ الفطرِ حِكَمٌ مُتعدَّدةٌ منها: المبادرةُ لطاعةِ اللهِ تعالى بالفطرِ كما حصلَتْ طاعتُه بالصومِ، كما أنَّ الأخذَ برخصةِ اللهِ تعالى والتمتُّعَ بما في شريعتهِ من التيسيرِ والتسهيلِ حيثُ لم يُلْزمِ اللهُ تعالى العبادَ بمُواصَلةِ الصيامِ ولا بزيادةِ وقتهِ عن غروب الشمسِ. كذلك التعجيلُ أرفقُ بالصائمِ وأقوى لهُ على مواصَلةِ العبادةِ.

فأوصيكُمْ ونَفسِيَ بطاعةِ اللهِ العليِّ العظيمِ، ومِنْ طاعَةِ اللهِ أن نلْتَزِمَ بما جاءَ عَنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في السُّنَّة المطَهَّرَةِ في الحديثِ الشريفِ. فإنَّ الذي لا يبذُلُ جُهدَهُ في طاعةِ اللهِ في حياتهِ فقد فاتَهُ الخيرُ ويبقى معَهُ الندمُ.

اللَّهُمَّ يا مصرّفَ القلوبِ صرّفْ قلوبَنا إلى طاعتِك