الثلاثاء يوليو 16, 2024

قول الشيخ أبي بكر الكلَّاباذيّ([1]) (ت 380هـ)
وحكايته ذلك عن صوفية أهل السُّنَّة

قال الشيخ أبو بكر الكلَّاباذيّ في كتابه: «التعرّف لمذهب أهل التصوّف»([2]): «الباب الخامس: شرح قولهم في التوحيد: اجتمعت الصوفية على أن الله واحد أحد، فرد صمد قديم عالم قادر حيٌّ سميع بصير عزيز عظيم جليل كبير جَوَادٌ رؤوف متكبّر جبار باقٍ أول، إله سيّد([3]) مالك ربٌّ رحمن رحيم  مريد حكيم متكلّم خالق رزاق موصوف بكل ما وصف به نفسه من صفاته، مسمًّى بكل ما سمّى به نفسه. لم يزل قديمًا بأسمائه وصفاته، غير مشبه للخلق بوجه من الوجوه، لا يشبه ذاته الذوات، ولا صفته الصفات، لا يجري عليه شىء من سمات المخلوقين الدالّة على حدثهم، لم يزل سابقًا متقدّمًا للمحدَثات، موجودًا قبل كلّ شىء، لا قديم غيرُهُ([4]) ولا إله سواه، ليس بجسم ولا شبح ولا صورة ولا شخص ولا جوهر ولا عَرَض،
لا اجتماع له ولا افتراق، لا يتحرّك ولا يسكن ولا ينقص ولا يزيد، ليس بذي أبعاض ولا أجزاء ولا جوارح ولا أعضاء
ولا بذي جهات ولا أماكن
لا تجري عليه الآفات ولا تأخذه السّنات([5]) ولا تَدَاوَلُه الأوقاتُ ولا تُعَيّنُهُ الإشارات، لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان، لا تجوز عليه المماسّة ولا العزلة ولا الحلول في الأماكن، لا تحيط به الأفكار ولا تحجبه الأستار ولا تدركه الأبصار، وأجمعوا على أنه لا تدركه العيون ولا تهجم عليه الظنون، ولا تتغيّر صفاته ولا تتبدّل أسماؤه، لم يزل كذلك ولا يزال كذلك، هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شىء عليم  لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ {11} (الشورى).

الباب السادس: شرح قولهم في الصفات:

أجمعوا على أن لله صفات على الحقيقة هو بها موصوف من العلم والقدرة والقوة والعزّ والحلم والحكمة والكبرياء([6]) والجبروت([7]) والقِدَم والحياة، والإرادة والمشيئة والكلام، وأنها ـ أي صفات الله ـ ليست بأجسام ولا أعراض ولا جواهر، كما أن ذاته ليس بجسم ولا عَرَض ولا جوهر»اهـ.

تنبيه: ليعلم أن رؤية الله تعالى بالعين في الدنيا لم تقع لأحد من خلقه، وأما في الآخرة فواقعة باتفاق أهل الحق ولا يحيل العقل ذلك. وقول الكلاباذي «وأجمعوا على أنه لا تدركه العيون» أي لا تحيط به الأبصار لأن الله سبحانه ليس بذي صورة وهذا مجمع عليه، ولا يتعارض هذا مع ما دلَّ عليه القرءان والسنة من أن الله يرى في الآخرة من غير أن يكون في مكان ومن غير أن تكون هناك مسافة بين الخالق والمخلوق، وهذا أيضًا أمرٌ مجمع عليه بين أهل الحق، لم يُخالف في ذلك أحد لورود النصوص القرءانية، ثم إنَّ العقل لا يحيل ذلك، فكما صح علم المؤمنين بوجوده تعالى بلا كيف ولا تشبيه ولا جهة جاز رؤيتهم له سبحانه  بلا كيف ولا تشبيه ولا جهة. قال الإمام أبو حنيفة في الفقه الأكبر([8]): «والله تعالى يُرى في الآخرة، يراه المؤمنون وهم في الجنة بأعين رؤوسهم بلا تشبيه ولا كيفية ولا كمية، ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة» اهـ. وقال أيضًا: «ولقاء الله لأهل الجنة بلا جهة ولا تشبيه ولا كيفٍ حقّ» اهـ.

وقال الإمام أبو منصور الماتريديّ في كتاب التوحيد([9]): «إن رؤية الله في الآخرة واجبة سمعًا بلا كيف، فإن قيل: كيف يُرى؟ قيل: بلا كيف؛ إذ الكيفية تكون لذي صورة، بل يُرى ـ أي الله تعالى ـ بلا وصفِ قيام وقعودٍ واتكاءٍ وتعلقٍ واتصالٍ وانفصالٍ ومقابلةٍ ومدابرةٍ وقصير وطويل ونورٍ وظلمة وساكنٍ متحركٍ ومماسٍ»، ثم قال: «ولا معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل لتعاليه عن ذلك» انتهى كلام الماتريديّ رحمه الله.

فالمؤمنون يرون الله في الآخرة ولا يرونه في الدنيا، وأما الكفار فمحرومون من رؤية الله لقوله تعالى: كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ {15}  (المطففين). قال أهل الحقّ: علّة صحة الرؤية عقلًا الوجود، والله تعالى يُرى بلا مسافة لأنه ليس من لازم الرؤية المسافة.

وقالت المعتزلة: لا يُرى الشىء إلا مع مسافة ولا يُرى إلا في جهة، والمرئيّ لا بد أن يكون في جهة، وقالوا: إن ما يرى جسم.

وأجاب أهل الحق بأن الجسمية ليست شرطًا للرؤية وإنما شرط الرؤية الوجود، ودليلنا الأعراض فإننا نرى العَرَض وليس جسمًا، والمشترك بين العرض والجسم هو الوجود كما ذكر الزَّبيدي([10]): «والبارئ موجود فصحَّ أن يُرى» اهـ.

أما ما ذكره المعتزلة من شروط فهي شروط عادية، ولو شاء الله لرأينا البعيد جدًّا كما حصل مع سيدنا عمر رضي الله عنه([11])، ثم النبي ﷺ كان يرى في الصلاة من خلفه([12])، فالمقابلة ليست شرطًا للرؤية، فاعتقاد المعتزلة أن الله موجود بلا مكان حقّ، لكن اعتقادهم أنه تعالى لا يُرى باطل، وسبب هذه المقالة أنهم قاسوا الخالق بالمخلوق كما فعلت المشبهة الذين قالوا: الموجود لا بد أن يكون في مكان، إذًا الله في مكان والعياذ بالله، ولا بد أن يكون في جهة إذًا الله في جهة، ثم قالوا: المعهود المألوف في عقولنا أن يكون الشىء له حدّ، فالله له حدّ، فضلَّ الفريقان والعياذ بالله من الخذلان.

[1] ) محمد بن إبراهيم بن يعقوب الكلَّاباذي البخاري، أبو بكر، ت380هـ من حفاظ الحديث، من أهل بخارى. له: «بحر الفوائد» ويعرف بمعاني الأخبار، جمع فيه 592 حديثًا، و« التعرف لمذهب أهل التصوف». الأعلام، الزركلي، 5/295.

 

[2] ) التعرُّف لمذهب أهل التصوّف، الكلَّاباذيّ، ص33، 34.

 

[3] ) «قال ابن الأَنباريّ: إن قال قائل: كيف سمى الله عزَّ وجلَّ يحيى سيّدًا وحَصُورًا، والسيّد هو الله إذ كان مالك الخلق أجمعين ولا مالك لهم سواه؟ قيل له: لم يُرِد بالسيّد ههنا المالك، وإِنما أراد الرئيسَ والإِمامَ في الخير، كما تقول العرب: فلان سيدنا أَي رئيسنا والذي نعظمه» اهـ. لسان العرب، ابن منظور، مادة  س و د، 3/224.

 

[4] ) القديم في حق الله معناه الذي لا بداية لوجوده، فلا قديم بهذا المعنى غيره.

 

[5] ) «الوَسَن والسِنَة: النعاس» اهـ. مختار الصحاح، الرازي، مادة و س ن، 1/740.

 

[6] ) «الكِبْرُ والكبرياء: العَظَمَة» اهـ. مختار الصحاح، الرازيّ، مادة ك ب ر، ص586.

 

[7] ) «في الحديث: «سبحان ذي الجَبَرُوت والمَلَكُوت» هو فَعَلُوتٌ من الجَبْر والقَهْرِ» اهـ. لسان العرب، ابن منظور، مادة ج ب ر، 4/113.

 

[8] ) شرح الفقه الأكبر، ملا علي القاري، 136، 137.

 

[9] ) التوحيد، الماتريديّ، ص85.

 

[10] ) إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، الزَّبيدي، 2/119.

 

[11] ) الفتاوى الحديثية، ابن حجر الهيتمي، ص301.

 

[12] ) قال صلى الله عليه وسلم:«إني لأراكم من وراء ظهري» صحيح البخاري، البخاري، كتاب الصلاة: باب عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة وذكر القبلة، 1/ 91.