الأحد يوليو 14, 2024

ذُو الْقَرْنَيْنِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ

 

   مِمَّا ذُكِرَ فِى الْقُرْءَانِ الْكَرِيمِ قِصَّةُ سَيِّدِنَا ذِى الْقَرْنَيْنِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ الَّذِى كَانَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ الْكِبَارِ فَمَا اسْمُهُ وَمَاذَا فَعَلَ

   اسْمُهُ الصَّعْبُ بنُ الْحَارِثِ وَقِيلَ الصَّعْبُ بنُ ذِى مَرَائِدَ وَهُوَ أَشْهَرُ التَّبَابِعَةِ الَّذِينَ هُمْ مُلُوكُ الْيَمَنِ وَذَكَرَهُ أَحَدُ أَحْفَادِهِ فِي شِعْرٍ قَدِيمٍ مِنْهُ

قَدْ كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ جَدِّى مُسْلِمًا … مَلِكًا عَلا فِى الأَرْضِ غَيْرَ مُبَعَّدِ

بَلَغَ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ يَبْتَغِى … أَسْبَابَ مُلْكٍ مِنْ كَرِيمٍ سَيِّدِ

   وَيُرْوَى أَنَّ سَيِّدَنَا الْخَضِرَ كَانَ وَزِيرَهُ وَعَلَى مُقَدَّمَةِ جَيْشِهِ. وَقَدْ حَجَّ ذُو الْقَرْنَيْنِ مَاشِيًا مِنَ الْيَمَنِ إِلَى مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ وَالْتَقَى بِسَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلامُ وَطَافَ مَعَهُمَا حَوْلَ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ وَذَبَحَ الذَّبَائِحَ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَمَّا سَمِعَ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ بِقُدُومِهِ اسْتَقْبَلَهُ وَدَعَا لَهُ وَأَوْصَاهُ بِوَصَايَا وَجِىءَ لَهُ بِفَرَسٍ لِيَرْكَبَهَا فَقَالَ تَأَدُّبًا لا أَرْكَبُ فِى بَلَدٍ فِيهِ الْخَلِيلُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَسَخَّرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ السَّحَابَ وَبَشَّرَهُ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ بِذَلِكَ فَكَانَتْ تَحْمِلُهُ إِذَا أَرَادَ. وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ أَنَّ اللَّهَ مَدَّ لَهُ فِى عُمُرِهِ وَنَصَرَهُ حَتَّى قَهَرَ الْبِلادَ وَفَتَحَ الْمَدَائِنَ وَسَارَ حَتَّى أَتَى الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ فَمَنِ اتَّبَعَ دِينَ الإِسْلامِ سَلِمَ وَإِلَّا فَقَدْ أَخْزَاهُ.

   وَمِمَّا أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْكَرَامَاتِ الْبَاهِرَةِ أَنْ عَلَّمَهُ مَعَالِمَ الأَرْضِ وَءَاثَارَهَا وَكَانَ لَدَيْهِ فَهْمٌ لِلُّغَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ فَكَانَ لا يَغْزُو قَوْمًا إِلَّا حَدَّثَهُمْ بِلُغَتِهِمْ.

   وَمِنَ النِّعَمِ الَّتِى أُعْطِيَتْ لَهُ أَنْ سَخَّرَ اللَّهُ لَهُ نُورًا وَظُلْمَةً فَكَانَ إِذَا مَشَى فِى اللَّيْلِ يُنَوَّرُ طَرِيقُهُ وَيَكُونُ الظَّلامُ خَلْفَهُ وَأَحْيَانًا تُسَلَّطُ الظُّلْمَةُ بِإِذْنِ اللَّهِ عَلَى أَقْوَامٍ رَفَضُوا دِينَ الإِسْلامِ وَحَاوَلُوا مُحَارَبَةَ ذِى الْقَرْنَيْنِ فَتَدْخُلُ الظُّلْمَةُ أَفْوَاهَمْ وَبُيُوتَهُمْ وَتَغْشَاهُمْ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ حَتَّى يَتَرَاجَعُوا وَهَذَا مَا حَصَلَ مَعَهُ حِينَ سَارَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى مَوْضِعٍ فِى الْمَغْرِبِ حَيْثُ تَغْرُبُ الشَّمْسُ فَرَأَى هُنَاكَ قَوْمًا كَافِرِينَ قَدْ ظَلَمُوا وَأَجْرَمُوا وَأَكْثَرُوا الْفَسَادَ وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ فَخَيَّرَهُمْ بَيْنَ أَنْ يُعَذَّبُوا بِعَذَابٍ شَدِيدٍ وَيُوضَعُوا فِى ثِيرَانٍ نُحَاسِيَةٍ مُحَمَّاةٍ وَبَعْدَ مَوْتِهِمْ يَكُونُ لَهُمْ عَذَابٌ أَكْبَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَيْنَ أَنْ يُؤْمِنُوا وَيَعْمَلُوا الصَّالِحَاتِ فَيَكُونَ لَهُمُ النَّعِيمُ الْكَبِيرُ فِى الْجَنَّةِ وَأَقَامَ فِيهِمْ مُدَّةً يَنْشُرُ الْهُدَى والْخَيْرَ.

   ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَذْهَبَ مِنْ مَغْرِبِ الشَّمْسِ إِلَى مَشْرِقِهَا وَمَطْلَعِهَا حَتَّى وَصَلَ إِلَى أَرْضٍ لَيْسَ فِيهَا عُمْرَانٌ وَلا جِبَالٌ وَلا أَشْجَارٌ وَهُنَاكَ وَجَدَ قَوْمًا أَمْرُهُمْ عَجِيبٌ وَهُوَ أَنَّهُمْ إِذَا طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ دَخَلُوا فِى أَنْفَاقٍ حَفَرُوهَا فِى الأَرْضِ هَرَبًا مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ الْقَوِىِّ اللَّاهِبِ أَوْ غَاصُوا فِى الْمَاءِ فَإِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ خَرَجُوا وَاصْطَادُوا السَّمَكَ.

   وَمَرَّةً جَاءَهُمْ جَيْشٌ فِى اللَّيْلِ فَقَالُوا لِعَسَاكِرِهِ لا تَبْقُوا هُنَا لِئَلَّا تَطْلُعَ الشَّمْسُ عَلَيْكُمْ فَقَالَ الْعَسَاكِرُ لَنْ نَتْرُكَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ الْتَفَتُوا فَوَجَدُوا عِظَامًا كَثِيرَةً فَسَأَلُوا الْقَوْمَ عَنْهَا فَقَالُوا هَذِهِ عِظَامُ جَيْشٍ وَجُثَثُهُ طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ مُنْذُ وَقْتٍ هَاهُنَا فَمَاتُوا فَوَلَّى الْجَيْشُ هَارِبًا.

   انْطَلَقَ سَيِّدُنَا ذُو الْقَرْنَيْنِ غَازِيًا مُجَاهِدًا مَنْصُورًا مُظَفَّرًا حَتَّى وَصَلَ إِلَى بَلادِ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ وَهُمَا جَبَلانِ مُتَقَابِلانِ عَالِيَانِ أَمْلَسَانِ وَيَسْكُنُ بَيْنَهُمَا قَوْمٌ لا تَكَادُ تَعْرِفُ لُغَتَهُمْ قَدْ جَاوَرُوا قَوْمًا خُبَثَاءَ هُمْ قَوْمُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ قَوْمٌ فِى الأَرْضِ مُفْسِدُونَ ضَالُّونَ مُضِلُّونَ.

   وَلَمَّا رَأَى أَهْلُ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ مَلِكٌ قَوِىٌّ شَدِيدُ الْمِرَاسِ وَاسِعُ السُّلْطَانِ كَثِيرُ الأَعْوَانِ الْتَجَأُوا إِلَيْهِ طَالِبِينَ أَنْ يُقِيمَ سَدًّا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ جِيرَانِهِمْ يَفْصِلُ بِلادَهُمْ وَيَمْنَعُ عَنْهُمْ عُدْوَانَهُمْ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُ أَجْرَهُ فَقَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ بِعِفَّةٍ وَصَلاحٍ مَا مَكَّنَنِى فِيهِ رَبِّى وَأَعْطَانِى مِنَ الْمُلْكِ خَيْرٌ لِى مِنَ الَّذِى تَجْمَعُونَهُ وَلَكِنْ سَاعِدُونِى بِقُوَّةِ عَمَلِكُمْ وَبِالآتِ الْبِنَاءِ لِعَمَلِ السَّدِّ فَجَاءُوهُ بِقِطَعِ الْحَدِيدِ الضَّخْمَةِ حَسَبَ طَلَبِهِ فَكَانَتْ كُلُّ قِطْعَةٍ تَزِنُ قِنْطَارًا أَوْ أَكْثَرَ وَوَضَعَهَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ الْوَاحِدَةُ فَوْقَ الأُخْرَى مِنَ الأَسَاسِ حَتَّى إِذَا وَصَلَ قِمَّةَ الْجَبَلَيْنِ أَحَاطَ الْقِطَعَ الْحَدِيدِيَّةَ بِالْفَحْمِ وَالْخَشَبِ وَأَضْرَمَ النَّارَ فِيهَا وَأَمَرَ بِالنَّفْخِ عَلَيْهَا بِالْمَنَافِخِ حَتَّى تُحَمَّى ثُمَّ جَاءَ بِالنُّحَاسِ الْمُذَابِ مَعَ الرَّصَاصِ فَأَفْرَغَهُمَا عَلَى تِلْكَ الْقِطَعِ الْحَدِيدِيَّةِ فَالْتَأَمَتْ وَاشْتَدَّتْ وَالْتَصَقَتْ بِبَعْضِهَا حَتَّى صَارَتْ سَدًّا شَامِخًا أَمْلَسَ سَمِيكًا جِدًّا يَصِلُ ارْتِفَاعُهُ إِلَى مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ ذِرَاعًا يَصْعُبُ الصُّعُودُ عَلَيْهِ إِذْ لا نُتُوءَ وَلا ثُقُوبَ فِيهِ وَيَصْعُبُ بِالتَّالِى ثَقْبُهُ.

   وَلَمَّا بَنَى ذُو الْقَرْنَيْنِ السَّدَّ بِعَوْنِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّنْ رَّبِّى فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّى جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى حَقًّا﴾ [سُورَةَ الْكَهْف] وَحَجَزَ قَوْمَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ خَلْفَهُ وَقَدْ أَخْبَرَ عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لا يَمُوتُ أَحَدُهُمْ حَتَّى يَلِدَ أَلْفًا مِنْ صُلْبِهِ أَوْ أَكْثَرَ وَسَيَصِيرُ عَدَدُهُمْ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ كَبِيرًا جِدًّا حَتَّى إِنَّ الْبَشَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ كَوَاحِدٍ مِنْ مِائَةٍ وَلَمْ يَثْبُتْ مَا يُرْوَى أَنَّ ءَاذَانَهُمْ طَوِيلَةٌ يَنَامُونَ عَلَى وَاحِدَةٍ وَيَتَغَطُّونَ بِالأُخْرَى وَأَنَّهُمْ قِصَارُ الْقَامَةِ. وَهُمْ يُحَاوِلُونَ أَنْ يَخْتَرِقُوا هَذَا السَّدَّ كُلَّ يَوْمٍ فَلا يَسْتَطِيعُونَ وَيَقُولُونَ كُلَّ يَوْمٍ بَعْدَ طُولِ عَمَلٍ وَجُهْدٍ غَدًا نُكْمِلُ فَيَعُودُونَ فِى الْيَوْمِ الْقَابِلِ فَيَجِدُونَ مَا فَتَحُوهُ قَدْ سُدَّ وَيَبْقَوْنَ هَكَذَا يَعْمَلُونَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى أَنْ يَقُولُوا غَدًا نُكْمِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَيَعُودُونَ فِى الْيَوْمِ الْقَابِلِ فَيَجِدُونَ مَا بَدَأُوا بِهِ قَدْ بَقِىَ عَلَى حَالِهِ فَيُكْمِلُونَ الْحَفْرَ حَتَّى يَتَمَكَّنُوا مِنَ الْخُرُوجِ وَيَكُونُ خُرُوجُهُمْ عَلامَةً مِنْ عَلامَاتِ الْقِيَامَةِ الْكُبْرَى حَفِظَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ أَهْوَالِهَا.

   وَعَاشَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مِئَاتِ السِّنِينَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ تَزَوَّدَ لِآخِرَتِهِ بِزَادِ التَّقْوَى وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ.

وَالصَّعْبُ ذُو الْقَرْنَيْنِ أَمْسَى مُلْكُهُ … أَلْفَيْنِ عَامًا ثُمَّ صَارَ رَمِيمًا.