الجمعة أبريل 19, 2024

تفسير قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [سورة المائدة/٦٤].

قال الخازن: قوله عزَّ وجلَّ: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} نزلت هذه الآية في فنحَاص بن عازوراء اليهودي. قال ابن عباس: إن الله كان قد بسط على اليهود حتى كانوا أكثر الناس أموالا وأخصبَهم ناحية، فلما عصوا الله ومحمدًا صلى الله عليه وسلم وكذبوا به كف عنهم ما بسط عليهم من السعة فعند ذلك قال فنحاص يد الله مغلولة يعني محبوسة مقبوضةٌ عن الرزق والبذل والعطاء، فنسبوا الله تعالى إلى البخل والقبض، تعالى الله عن قولهم علوّا كبيرًا، ولما قال هذه المقالة الخبيثة فنحاص ولم ينهه بقية اليهود ورضوا بقوله لا جرم أن الله تعالى أشركهم معه في هذه المقالة فقال تعالى إخبارًا عنهم: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} يعني نعمته مقبوضة عنا.

واعلم أن غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود بدليل قولِه تعالى لنبيه: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ}[سورة الإسراء/٢٩] والسبب أن اليد ءالةٌ لكل الأعمال لا سيما لدفع المال وإنفاقه وإمساكِه فأطلقوا اسم السبب على المسبَّب، وأسندوا الجود والبخل إلى اليد مجازًا، فقيل للجواد الكريم فَيَّاضُ اليد ومبسوط اليد، وقيل للبخيل مقبوض اليد.

وقوله تعالى: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ} [سورة المائدة/٦٤] قال الزجاج رد الله عليهم فقال: أنا الجواد الكريم وهم البخلاء وأيديهم هي المغلولة الممسوكة، وقيل هذا دعاء على اليهود علمنا الله كيف ندعو عليهم فقال: {غُلَّتْ أَيْدِيهِم} أي في نار جهنم، فعلى هذا هو من الغُلّ حقيقة أي شُدَّت أيديهم إلى أعناقهم وطرحوا في النار جزاء لهم على هذا القول ومعنى: {وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ} عذبوا بسبب ما قالوا، فمن لعنتهم أنهم مسخوا في الدنيا قردة وخنازير، وضربت عليهم الذلة والمسكنة والجزية، وفي الآخرة لهم عذاب.

وقوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}[سورة المائدة/٦٤] يعني أنه تعالى جَوَاد كريم ينفق كيف يشاء، وهذا جواب لليهود وَردٌّ عليهم ما افتروا واختلقوه على الله، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا، وإنما أجيبوا بهذا الجواب على قدر كلامهم.

قال أبو حيان في البحر المحيط: معتقد أهل الحق أن الله تعالى ليس بجسم ولا جارحة، ولا يشبَّه بشيء من خلقه، ولا يُكيَّف ولا يتحيز ولا تحله الحوادث وكل هذا مقرر في علم أصول الدين، والجمهور على أن هذا استعارة عن جوده وإنعامه السابغ، وأضاف ذلك إلى اليدين جاريًا على طريقة العرب في قولهم فلان ينفق بكلتا يديه ومنه قوله:

يَداكَ يَدا مُجِدِّ فكَفٌّ مفيدَةٌ

_____ وكفٌّ إذا ما ضُنَّ بالمالِ تُنْفِقُ

ويؤيد أن اليدين هنا بمعنى الإنعام قرينة الإنفاق، ومن نظر في كلام العرب عرف يقينًا أن بسط اليد وقبضها استعارة للجود والبخل، قال الشاعر:

جادَ  الحمى بَسْطَ اليدين بوابِلٍ

_____ شَكَرَتْ نَدَاهُ تِلاعُهُ وَوهادُه

وقال لبيد:

وَغداةَ رِيحٍ قد وَزغتَ وِقرَّةٍ

_____ قد أصبحتْ بيد الشِمالِ زِمامُها