تفسير سورة يوسف من الآية مئة وواحد إلى مئة وإحدى عشرة
- تفسير سورة يوسف من الآية مئة وواحد إلى مئة وإحدى عشرة
رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين (101) ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون (102) وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين (103) وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين (104) وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون (105) وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106) أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون (107) قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين (108) وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون (109) حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين (110) لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (111) - {رب قد آتيتني من الملك} ملك مصر {وعلمتني من تأويل الأحاديث} تفسير كتب الله، أو تعبير الرؤيا، و{من} فيهما للتبعيض، إذ لم يؤت إلا بعض ملك الدنيا وبعض التأويل {فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة} الذي تتولاني بالنعمة في الدارين {توفني مسلما} طلب الوفاة على حال الإسلام، كقول يعقوب لولده: {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [ءال عمران: 102]، وعن التستري: مسلما إليك أمري {وألحقني بالصالحين} من ءابائي، أو على العموم.
روي أن يعقوب أقام معه أربعا وعشرين سنة ثم مات، وأوصى أن يدفنه بالشام إلى جنب أبيه إسحاق، فمضى بنفسه ودفنه ثمة، ثم عاد إلى مصر وعاش بعد أبيه ثلاثا وعشرين سنة، ثم توفاه الله طيبا طاهرا، فتخاصم أهل مصر وتشاحوا في دفنه، كل يحب أن يدفن في محلتهم حتى هموا بالقتال، فرأوا أن يعملوا له صندوقا من مرمر وجعلوه فيه، ودفنوه في النيل بمكان يمر عليه الماء، ثم يصل إلى مصر ليكونوا كلهم فيه شرعا([1])، حتى نقل موسى عليه السلام بعد أربعمائة سنة تابوته إلى بيت المقدس، وولد له إفرائيم ومنشا، وولد لإفرائيم نون، ولنون يوشع فتى موسى، ولقد توارثت الفراعنة من العماليق بعده مصر، ولم تزل بنو إسرائيل تحت أيديهم على بقايا دين يوسف وءابائه.
- {ذلك} إشارة إلى ما سبق من نبأ يوسف، والخطاب لرسول الله ﷺ {من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم} لدى بني يعقوب {إذ أجمعوا أمرهم} عزموا على ما هموا به من إلقاء يوسف في البئر {وهم يمكرون} بيوسف ويبغون له الغوائل، والمعنى أن هذا النبأ غيب لم يحصل لك إلا من جهة الوحي.
- {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} أراد العموم، أو أهل مكة، أي وما هم بمؤمنين ولو اجتهدت كل الاجتهاد على إيمانهم.
- {وما تسألهم عليه} على التبليغ، أو على القرءان {من أجر} جعل {إن هو إلا ذكر} ما القرءان إلا عظة من الله {للعالمين} وحث على طلب النجاة على لسان رسول من رسله.
- {وكأين من ءاية} من علامة ودلالة على الخالق وعلى صفاته وتوحيده{ في السماوات والأرض يمرون عليها} يشاهدونها {وهم عنها} عن الآيات {معرضون} لا يعتبرون بها، والمراد ما يرون من ءاثار الأمم الهالكة وغير ذلك من العبر.
- {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} وما يؤمن أكثرهم في إقرارهم بالله وبأنه خلقه وخلق السماوات والأرض إلا وهو مشرك بعبادة الوثن. الجمهور على أنها نزلت في المشركين، لأنهم مقرون بأن الله خالقهم ورازقهم، وإذا حزبهم أمر شديد دعوا الله، ومع ذلك يشركون به غيره، والتوحيد المحض ما يقوله أهل السنة هو أنه لا خالق إلا الله.
- {أفأمنوا أن تأتيهم غاشية} عقوبة تغشاهم وتشملهم {من عذاب الله أو تأتيهم الساعة} القيامة {بغتة} فجأة {وهم لا يشعرون} بإتيانها.
- {قل هذه سبيلي} هذه السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان والتوحيد سبيلي، ثم فسر سبيله بقوله: {أدعو إلى الله على بصيرة} أدعو إلى دينه مع حجة واضحة غير عمياء {أنا ومن اتبعني} أدعو إلى سبيل الله أنا ويدعو إليه من اتبعني {وسبحان الله} وأنزهه عن الشركاء {وما أنا من المشركين} مع الله غيره.
- {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا} لا ملائكة، لأنهم كانوا يقولون: لو شاء ربنا لأنزل ملائكة، أو ليست فيهم امرأة {نوحي إليهم من أهل القرى} لأنهم أعلم وأحلم، وأهل البوادي فيهم الجهل والجفاء {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة} ولدار الساعة الآخرة {خير للذين اتقوا} الشرك وءامنوا به {أفلا تعقلون} [أما لهؤلاء المشركين عقول يتدبرون بها الحجج والمواعظ فينجوا من الهلاك].
- {حتى إذا استيأس الرسل} يئسوا من إيمان القوم {وظنوا أنهم قد كذبوا} وأيقن الرسل أن قومهم كذبوهم، أو ظن الـمرسل إليهم أنهم كذبوا من جهة الرسل أي كذبتهم الرسل في أنهم ينصرون عليهم ولم يصدقهم فيه {جاءهم نصرنا} للأنبياء والمؤمنين بهم فجأة من غير احتساب {فنجي من نشاء} أي النبي ومن ءامن به {ولا يرد بأسنا} عذابنا {عن القوم المجرمين} الكافرين.
- {لقد كان في قصصهم} في قصص الأنبياء وأممهم، أو في قصة يوسف وإخوته {عبرة لأولي الألباب} حيث نقل من غاية الحب، إلى غيابة الجب، ومن الحصير إلى السرير، فصارت عاقبة الصبر سلامة وكرمة، ونهاية الـمكر وخامة وندامة {ما كان حديثا يفترى} ما كان القرءان حديثا مفترى كما زعم الكفار {ولكن تصديق الذي بين يديه} ولكن تصديق الكتب التي تقدمته {وتفصيل كل شيء} يحتاج إليه في الدين، لأنه القانون الذي تستند إليه السنة والإجماع والقياس {وهدى} من الضلال {ورحمة} من العذاب {لقوم يؤمنون} بالله وأنبيائه.
- تفسير سورة يوسف من الآية مئة وواحد إلى مئة وإحدى عشرة
