الثلاثاء أبريل 16, 2024

بيان عظيم شأن ءَادَمَ وأنه أول الأنبياء

درس ألقاه المحدث الفقيه الشيخ عبد الله بن محمد العبدريّ رحمه الله تعالى فِي بيان عظيم شأن ءادم u وأنه أول الأنبياء. قال رحمه الله تعالى رحمةً واسعةً:

الحمد لله ربّ العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، وأشهد أن لا إلـٰه إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلوات الله البَرّ الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أفضل النبيين البشير النذير الذي أرسله الله رحمة للعالمين وعلى ءاله وصحبه الطاهرين.

أمَّا بعدُ: فإن الله تبارك وتعالى جعل خِيرةَ خَلْقِه الأنبياءَ وهم من جنس البشر مع ذلك فضَّلهم على سائر خلقه بمن فيهم الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون الذين لا يَشْغَلُهُمْ أكل ولا شرب ولا نوم عن طاعة الله تبارك وتعالى فَضَّلَ الأنبياءَ عليهم وعلى سائر خلقه فكان أولُ الأنبياء وأول نوع الإنسان ءادم u. روينا فِي «صحيح ابن حِبّان» من حديث أبي ذر t أنه قال: قلتُ يا نبيَّ الله أنبيّ كان ءادم قال: «نعم»([i]).اهـ. وروينا فيه أيضًا أن ءَادَمَ لما صُوّر فِي الجنّة وكان مُصوَّرًا من طين جعل إبليسُ يطوف حوله فلما رَءَاهُ أجوفَ عرف أنه خَلْقٌ لا يتمالك([ii]).اهـ. وفِي رواية ابن حبّان أيضًا أنه([iii]) قال لِأَمْرٍ ما خُلِقْتَ.اهـ. هذا الذِي ثبت أما ما يرويه بعض الناس من أن إبليس دخل فيه من فمه وخرج من دبره فهذا كذبٌ لا أساس له وهذا الكذبُ يُتناقل على ألسنة كثير من الناس فيجب تخميدُ هذا الخبر الفاسد. ءَادَمُ u كان كريمًا على الله كذلك كل أنبيائه فإنهم كرماء على الله لم يكن اللهُ لِيُسَلِّطَ على ءادم الشيطانَ إبليسَ حتى يتمكن من الدخول فِي جوفه ليخرج من دبره، هذا الكلام إما رواهُ كَفَرةُ بَنِي ءَادَمَ أو شيطانٌ من الشياطين تصوَّر بصورة البشر فنطق بهذا أمام أناسٍ من البشر ثم فشَا هذا بين الناس. هناك شخص من ذرية إبليس يقال له: نَسور يتكلم على ألسنة الناس بما لا أصل له فيشيعُ هذا الخبر الذي تكلم به، هذا نَسور يشيع بين الناس، هذا وظيفته إلقاء الأخبار الكاذبة على ألسنة الناس. الله تبارك وتعالى علم فِي الأزل وشاء أن يكون ءادم أولَ نبيّ من الأنبياء أولَ من يُنَبَّأُ من البشر وقد علم الله أن كل فرد من أفراد الأنبياء أفضل من سائر خلق الله فلا يليق بمن شاء الله تعالى له أن يكون أفضلَ من الملائكة ومن سائر خلق الله أن يستطيع إبليسُ أن يتصرف فيه هذا التصرف.

ثم إن ءَادَمَ u اتفق المسلمون بل وأهل الملتين على أنه نبيٌّ، أهل الكتاب اتفقوا كما اتفق المسلمون على أن ءَادَمَ كان نبيًّا ولا يختلف فِي ذلك اثنان من علماء المسلمين وهِيَ مسألةٌ إجماعيةٌ مَن خالف فيها كذَّب دين الله تعالى، أي: يُعتبر مرتدًّا كافرًا والعياذ بالله تعالى.

يوجد فِي هذا البلد، أي: بيروت رجل يعلق تعاليق ثم نشرت تعاليقه فِي لبنان وغيرِ لبنان باسم أنه موجّهٌ دينيٌّ هذا الرجل أنكر نبوة ءَادَمَ ثم بعد مواظبة ومناقشة من بعض إخواننا معه تظاهر بأنه رجع لكنه ما التزم قال لهم: إن كنتم تريدون أن أقول نبيٌ فهو نبيٌّ هذا ليس تراجعًا، فمن هنا يجب عليكم أن لا تصغوا إلى كل من يدَّعِي أنه موجّهٌ دينيٌّ إياكم إياكم، هذا رجلٌ مشهورٌ له تعاليق انتشرت فِي لبنان وخارج لبنان وله جماعةٌ يُقال له: سميح الزين وله جماعةٌ يتلقون منه الدروس فِي الأسبوع مرتين أو أكثر مُسَلِّمِينَ، استحوذ عليهم لكونهم جاهلين، الذي لا يتعلم علم الدين ويسمع إلى هذا وهذا وإلى هذا يَتِيهُ وهو لا يَدْرِي أنه ضَلَّ هذا كالشاة العائرة تذهب هكذا وهكذا وهكذا فتكون للذئب أسهلُ تناولًا، الذئبُ يفترسها بسهولة، فينبغي أن يكون الإنسان شفَّاقًا على دينه لا يأخذ العلم عن أيّ إنسانٍ إلا عن إنسانٍ فيه ثقة وكفاءة.

روينا فِي كتاب «الفقيه والمتفقه» ومن كتاب «حلية الأولياء» لأبِي نُعَيْمٍ الأصبهانيّ أن عليَّ بن أبي طالبٍ t قال لكُمَيْلِ بن زياد يا كميل الناس ثلاثة عالـمٌ ربانيٌّ وطالب علم فِي سبيل نجاة وهَمَجٌ رَعَاعٌ أتباعُ كل ناعِقٍ يميلون مع كل ريحٍ.اهـ. فإياكم أن تكونوا من الفريق الثالث همجٌ رعاعٌ أتباع كل ناعق الرعاع، معناه: سفهاء العقول ليسوا سفهاء فِي أمور الدنيا، السفهاءُ فِي أمور الدنيا لا يعرفون كيف يدبرون أمور معيشتهم لا يعني ذلك؛ بل هم سفهاء من حيث عدم المعرفة بأمور الدين بأمور الآخرة والناعقُ فِي اللغة من يصيح فِي غنمه الراعِي لَمَّا يصيح فِي غنمه يقال له: ناعق من حيث معرفة الدين فالجاهل الذي يسمع هذا فيتبعه ويسمع هذا فيتبعه بلا تمييز جاء فِي الحديث المرفوع عن رسول الله r أنَّ الله يكره هذا الصنف من الناس، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يكره كل جَعْظَرِيّ جَوّاظٍ سَخَّابٍ فيِ الأسواق».اهـ. قال عليه الصلاة والسلام فِي وصف هذا الصنف من الناس «عالم بأمر الدنيا جاهلٍ بأمر الآخرة»([iv]).اهـ. يعني سيدُنا عليٌّ هذا الصنفَ الذين لا يتلقَّوْنَ علم الدين من أهل المعرفة إنما يعيشون كالغنم العائرة وهم أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لا يستضيئون بنور العلم، العلمُ نورٌ العلمُ، أيْ: علم الدين نورٌ يُبَيِّنُ لمن عرفه الحقَّ من الباطل فيتبع الحق ويجتنب الباطل أما العالم الربّانيُّ، فمعناه: العالم الـمُعَلِّم هو فِي نفسه عالمٌ وعاملٌ بعلمه ويعلم الناس العلم الذي وهبه الله تعالى هذا معنى العالم الربانيّ.

ومن الهمج الرعاع هؤلاء الذين يعتمدون على مطالعة الكتب بأنفسهم من غير أخذ الشرع من أهل المعرفة الذين أخذوها ممن قبلهم لذلك تجدون الكثير من هؤلاء المثقفين الذين لم يتلقَّوْا علم الدين من أهل المعرفة إنما يعتمدون على مطالعة الكتب فِي السيرة أو التاريخ والغزوات ونحو ذلك تلتبس عليهم الأمور ثم يريدون أن يبثوا هذا الجهل فِي الناس باسم التنظيم والإرشاد، من أجل هذا كثير من المؤرخين الذين يؤلفون فِي السيرة النبوية يكونون مخلّطين محرفين، شأنهم التخليط والتحريف، ومن مثل ذلك ما يذكره كثيرٌ من هؤلاء فِي مؤلفاتهم فِي السيرة أن إبراهيم u ولد إسماعيل من زوجة له تُسَمَّى هاجَرَ، هذا من جهلهم، هاجرُ ليست زوجتَهُ هاجَرُ مِلك يمين له إنما سارة هِيَ زوجته، كذلك هؤلاء يقولون عن سيدنا محمد r إن مارية إحدى زوجاته وليست مارية زوجةً له وإنما هِيَ ملك يمين، هو الاستمتاع بالنساء يحل بطريقتين؛ إحداهما: الزواج المعروف الذي يكون بشاهدين وصيغة([v]) عقد، والطريق الثانية: هِيَ طريق ملك اليمين إبراهيم u كانت زوجته سارة أعطاها هاجرَ مَلِكٌ من ملوك ذلك الزمن أعطى هاجر التي كانت ملك يمينه لسارة لَـمَّا مَرَّ إبراهيم ومعه سارة فِي أرض ذلك الملك الجبار فصارت ملكًا لسارة ثم سارة وهبتها لإبراهيم فصارت ملكَ يمينِ إبراهيم، ملكُ اليمين تحل من دون عقد نكاح؛ لأن ملك اليمين إحدى طريقَيْ حِلّ الاستمتاع بالنساء.

وروينا فِي هذا الكتاب كتاب «الفقيه والمتفقه» للحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي رحمه الله أن عليًّا t أتى ورجلٌ يقصُّ على الناس فِي المسجد فقال من هذا فقيل له أبو فلان قال له تعرف الناسخ من المنسوخ فوجده لا يعرف وجده ليس من أهل التدريس فقال: بل هذا أبو اعْرِفُونِي.اهـ.

أين هذا من حال هؤلاء الذين يُنصِّبُونَ أنفسهم موجهينَ دينيين فيقولون نحن نُوَعِّي الناس فِي دينهم نُوَعِّي الناس توعيةً دينية وهم فِي أنفسهم تائهون لا يعرفون الصحيح من المعتقد من الفاسد ولا يعرفون الصحيح من الأعمال الدينية البدنية من غير الصحيح لا يميزون الصحيح من غير الصحيح فِي المعتقد ولا فِي الأحكام والأعمال فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون. انتَهَى.

والله تعالى أعلم.

([i]) رواهُ ابنُ حبانَ فِي صحيحه، ذكْرُ الإخبار عمَّا كان بين ءادم ونوح صلوات اللهِ عليهما من القرون.

([ii]) رواه ابن حبّان فِي صحيحه، باب: ذكر وصف طول ءادم حيث خلقه الله جلَّ وعلا.

([iii]) أي: إبليس.

([iv]) رواه ابن حبّان فِي صحيحه، ذِكْرُ الزَّجْرِ عَنِ الْعِلْمِ بِأَمْرِ الدُّنْيَا مَعَ الاِنْهِمَاكِ فِيهَا، وَالْجَهْلِ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ وَمُجَانَبَةِ أَسْبَابِهَا.

([v]) كأن الشيخ عبد الله رحمه الله لم يذكر الوليّ ليدخل عقود نكاح الحنفيّة الذين لا يشترطون الوليّ لصحة عقد النكاح.