الجمعة أبريل 19, 2024

بيان ثواب عيادة المريض والكلام على
تنزيه الله مع ذكر بعض معجزات الأنبياء

درس ألقاه المحدث الأصوليّ الشيخ عبد الله بن محمد العبدريّ رحمه الله تعالى فِي بيان عظم ثواب عيادة المريض المسلم بنية حسنة والكلام على تنزيه الله وذكر بعض معجزات الأنبياء. قال رحمه الله تعالى رحمةً واسعةً:

الحمد لله ربّ العالمين اللَّهُمَّ صل على سيدنا محمد وسلم.

أمَّا بعدُ: فقد قال رسول الله r: «ما مِن رجلٍ مسلمٍ يَعُودُ مريضًا مُمْسِيًا إلا خرج معه سبعون ألفَ ملكٍ يستغفرون له حتى يصبح وكانت له مَخْرَفَةٌ فِي الجنة، وما من رجلٍ يعود مريضًا مُصْبِحًا إلا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يُمْسِي وكانت له مخرفة فِي الجنّة».اهـ.

هذا الحديث صحيح الإسناد رواه الإمام أحمد([i]) فِي مسنده والحاكم فِي مستدركه([ii]) وغيرُهما.

هذا الثواب العظيم الذي يحصل بعيادة المريض هو يحصل للَّذِي يعود مريضًا مسلمًا بنية خالصة لله تعالى بأن ينوي أنَّ الله رغَّب المؤمنين بعيادة المريض فأنا أفعل ذلك لوجه الله ولم ينوِ مع هذه النية محمدةَ الناس أو طلبَ الجزاء من هذا المريض أو أن يعظّمه ليس له نية إلا طلبُ الثواب من الله ليس نيتُهُ أن هذا المريض إذا تعافَى فيما بعد يقابله بالمثل، أي: يعوده إذا مرض أو أنه يحترمه ويعظمه ويقضِي له حاجاته ليس نيته هذه إنما نيته طلب الأجر من الله، هذا الذي يعود المريضَ المسلمَ على هذه النية إن كان خرج مساءً لعيادة المريض، أيْ: بعد المغرب بعد غروب الشمس خرج معه سبعون ألفًا من الملائكة يستغفرون له إلى الصباح وتكون له مخرفة، أي: بستان فِي الجنة والبستانُ فِي الجنة لا تعادله الدنيا وما فيها لحسن هوائه ولحسن منظره وكون ثمره غيرَ مقطوع، أي: دائمًا كلَّما قُطِفَ ثمرةٌ يعود مكانها كما كان وهكذا إلى الأبد إلى غير نهاية. ثم كل شجرة من أشجار الجنة ساقها من ذهب. وكذلك من خرج صباحًا لعيادة المريض المسلم على النية الخالصة لله تعالى يخرج معه سبعون ألفًا من ملائكة الرحمة يستغفرون له حتى ينتهِي النهار بغروب الشمس، أيْ: يستغفرون له إلى أن تغيب الشمس وتكون له مخرفة فِي الجنة، أيْ: بستان، هناك أيْ فِي الجنة مقدار قدم إنسان من أرض الجنة خير من الدنيا وما فيها فماذا يكون قيمة البستان يحتوِي على أشجار كثيرة ومساحته واسعة فواكه الدنيا بالنسبة لفواكه الآخرة ما لها نسبةٌ كلا شيء.

أما عيادة المريض الكافر إن كانت لتودد فلا ثواب فيها؛ بل فيها معصية، إن كان لتبادل المحبة بينه وبين الكافر ليس فيه ثواب بالمرة؛ بل فيه معصية، أما إن كان قصده أن يُقَرّبَهُ إلى محبة الإسلام إلى محبة الدين فله ثوابٌ إذا زاره على هذه النية لا بنية تعظيمه وتبادل المحبة فتصيرَ المحبة والمودة بينهما وطيدةً لا؛ بل ينوِي تألُّفَهُ إلى الإسلام، مَن نَوَى هذه النية وعاد مريضًا كافرًا ما عليه شيء لكن هذا الثواب الذي ورد فِي الحديث لا يكون له.

اللهُ تبارك وتعالى قال فِي القرءان الكريم: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَـئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} [سورة البينة: 6]، ثم قال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} [سورة البينة: 7]، أي: إن الذين كفروا إن كانوا من أهل الكتاب اليهود والنصارى وإن كانوا من غيرهم يكونون فِي نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية، أي: الكفار إن كانوا من أهل الكتاب وإن كانوا مشركين أهل الأوثان فإنهم شر خلق الله، الكفار إن كانوا من أهل الكتاب وإن كانوا من غير أهل الكتاب فهم شر خلق الله شر البرية، معنى شر البرية: شر الخلق شر ما خلق الله تعالى هم الكفار، ولا يجوز أن يقال هو خلقهم كيف لا يحبهم، هذا الذي يقول هذا القول فهو كافر؛ لأنّه كذب القرءان، الله تعالى قال: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّـهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [سورة ءال عمران: 32]، الله تعالى لا يحب الكافرين هو خلقهم لكنه لا يحبهم فالذي يقول هو خلقهم فكيف لا يحبهم فهو كافر مثلهم، الذي يقول عن الكفار هو خلقهم هو رب الجميع ليس رب المسلمين فقط هو رب الخلق جميعًا كيف لا يحبهم هذا كذَّب القرءان فهو كافر لا يجوز أن يقول الله يحب جميع خلقه الله تعالى خلق الخلق جميعًا خلق كل شيء لكنه لا يحب إلا المؤمنين كالملائكة، الملائكةُ كلهم مؤمنون ليس فيهم كافر ولا فيهم عاصٍ كلهم يطيعون الله تعالى ولا يَفْتُرُونَ مِن ذكره، لا يلتهون ليس لهم شيء يلهيهم عن طاعة الله لا شهوة أكل ولا شهوة شرب لا يجدون شهوة من الشهوات إلا لذةَ الطاعة لذةَ ذكر الله تعالى وطاعته ولا يجدون تعبًا ولا يجدون جوعًا ولا عطشًا ولا حاجة إلى النوم؛ بل ما خلق الله تعالى فيهم النوم، لا يتعبون من يومِ خُلِقُوا إلى الآن يعبدون الله بلا تعب لا يَشْكُونَ تعبًا لا يشكون حاجة إلى النوم، الله تعالى رفع عنهم الأمراض والجوع والعطش والشهوة شهوة النساء لأنهم ما خُلِقَ لهم نساءٌ ولا يتوالدون إنما يُخلقون خلقًا ليس لهم إناث وذكور ليسوا كالجن، الجنُّ وإن كانوا أجسامًا لطيفة لكنهم لهم ذكور وإناث يتوالدون أما الملائكة ليسوا ذكورًا ولا إناثًا لكن إن تشكلوا يظهرون بشكل رجال بَنِي ءادم تشكلوا بشكل بني ءادم ويكونون بشكل رجال.

هذه مريم ابنة عمران والدة المسيح جاءها جبريل u بشكل إنسان سَوِيٍّ، أي: تام الخلقة فظنته بشرًا وخافت أن يتعرض لها، اللهُ ما ألهمها أن هذا ملَكٌ ظنته بشرًا فخافت منه على نفسها فاستعاذت بالرحمـٰن منه {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} [سورة مريم: 18]، معناه: إن كنت ممن يخاف الله لا تتعرض لي فقال لها: {إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا} [سورة مريم: 19]، فاستغربت كيف يأتيها ولد ولم يمسسها بشر فأفهمها أن الله تبارك وتعالى يفعل ما يريد يقدر أن يخلق الولد بدون نطفةٍ، اللهُ تعالى يفعل ما يريد لو شاء أن يخلق البشر كلهم من دون تناسل لخلق البشر كلهم من دون تناسل مِن غير أن يكون بينهم والد ومولوده، اللهُ تعالى خلق المسيح من غير نطفة خلقه بقدرته نفخ جبريل فيها الروح فدخل من فمها، الروح دخل من فمها ونزل إلى جوفها ثم التبس الروح بالجسد ثم خرج كما يخرج الناس.

أما الملائكة فإنهم خُلِقُوا خلقًا من غير توالد لكنهم لا يتشكلون بشكل البنات الذين يصورون صورًا نسائية صور بنات ويقولون عنهم إنهم ملائكة فهؤلاء كفروا هذه الصور التي يصورونها أمام أبواب الكنائس يضعونها أمام أبواب الكنائس صور بنات لهن أجنحة هذا كفرٌ وكذبٌ، الملائكة لهم أجنحة لكن لا يظهرون بصور النساء صور البنات من قال إنهم بنات فهو كافر الله تبارك وتعالى يُصَوّرُ خلقه كما يشاء، وكذلك هذه البهائم لو شاء أن يخلقها من غير توالد لخلقها لكن شاء أن تُخلق بطريق التوالد خَلَقَ منها ذكورًا وإناثًا أما الملائكةُ لم يجعل فيهم ذكورًا وإناثًا كلهم خلقوا خلقًا ليسوا فِي الحقيقة ذكورًا ولا إناثًا لكن الله أعطاهم مقدرة على أن يتشكلوا بأشكال رجال من بني ءادم ويستطيعون أن يتشكلوا بأشكال طيور بأجنحة فالله تبارك وتعالى جعل الخلق أصنافًا خلق العالم اللطيف كالروح والجن والملائكة والهواء والنور والظلمة هذا عالم لطيف وخلق العالم الكثيف كالإنسان والأرض والنبات والشجر فهو سبحانه لا يشبه هذا ولا يشبه هذا لا يشبه العالم الكثيف ولا يشبه العالم اللطيف لا يشبه شيئًا لا يجوز أن يُتَصَوَّرَ اللهُ تعالى شيئًا كالروح أو كالهواء أو كنور الشمس أو القمر أو كما يقول بعض الناس الكافرين الكذابين الذين يَدَّعون الإسلام، قال بعضهم: الله تعالى نورٌ سيَّار هذا كفر جديد هذا نوع من الكفر جديد، النور إن كان سيارًا وإن كان يلزم مكانًا واحدًا فهو مخلوقٌ الله تعالى لا يجوز أن يكون نورًا كما لا يجوز أن يكون ظلمة هو خلق النور وخلق الظلمة فلو كان يُشبه النور ما استطاع أن يخلق النور ولو كان يشبه الهواء ما استطاع أن يخلق الهواء ولو كان يشبه الروح ما استطاع أن يخلق الروح، النصارى بعضُهم يقول: اللهُ روحٌ مُجَرَّدٌ وهذا كفرٌ، الله تعالى خالق الروح كيف يكون روحًا، وخالق النور كيف يكون نورًا ضوءًا لكن من قال الله نور وقصد أنه هادٍ يهدِي من يشاء للإيمان فهذا لا بأس به هذا الكلام صحيح من قال إنه نور وقصدُهُ أنه هادٍ يهدِي من يشاء للإيمان، الملائكة هو هداهم للإيمان وجعلهم مؤمنين، والبشر والجن جَعل قسمًا منهم مؤمنين ألهمهم الإيمان فآمنوا، هذا الإيمان نور الله بهذا المعنى إذا قال القائل الله نور فإنه كلام صحيح أما الذين يقولون الله نور ويقصدون أنه ضوء كما قال هذا الخبيث النور السيَّار هذا كفر. هذا الضوء الذي ننتفع به ضوء النهار أليس سيَّارًا بلى سَيَّار بعد شيء من الوقت ينزاح عن هذه الأرض وتأتي الظلمة فتتسلط مكانه ثم يتسلط هذا الضوء فِي أرض أخرى على أرض أخرى ثم ينزاح وتأتي الظلمة مكانه وهكذا يظل سَيَّارًا الله تبارك وتعالى هو الذي خلق هذا النور السَيَّار وجعله بمقدار يسير سيرًا بمقدار هو رتَّبه على هذا الترتيب لا الأرضُ خلقَتْ هذا النور ولا السماء خلقت هذا النور إنما الله تعالى الذي خلق العالم جميعًا خلق هذا النور وخلق هذه الظلمة، خلق الخلق أزواجًا، أيْ: متقابلات خلق الخلقَ أصنافًا متقابلةً حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة وماء ونار بياض وسواد وطعم الحلو وطعم المر وكذلك الحموضة وكذلك العُفُوصَةُ وسائر الطعوم فمن يفكر بعقله يعرف أن هذه الأشياء كلها مخلوقة لله تعالى مخلوقة لخالق لا يتطور ولا يتغير وهو الذي يُسَمَّى الله.

البشر من كانت عقولهم صحيحة يدركون إذا فكروا فِي أحوال العالم يدركون أن لهذا العالم إلهًا خلقه لا يشبهه لكن العقل بمفرده لا يدرك أن هذا الخالق اسمه الله ولا يدركُ العقلُ استقلالًا أن الإيمان فرضٌ مَن تَرَكَهُ يعذب فِي الآخرة بعذاب دائم وأن الإيمان والطاعة فرض من أدّاه يكون له ثواب عظيم نعيم مقيم فِي الآخرة بلا انقطاع بلا موت يعقب تلك الحياة هذا لا يدركه العقل إنما الأنبياءُ هم أعلمهم الله تعالى بالوحي ثم هم علّموا الناسَ لولا الأنبياء ما كنا نعرف أن هناك جنة، أن هناك جهنم وأن هناك حياة ثانية بغير هذه الحالة لا نهاية لها ولا انقطاع لها لولا الأنبياء لم نعلم ذلك، الأنبياء الله تعالى جعل لهم خصوصية لم يجعلها لغيرهم من البشر فوجب علينا أن نصدقهم، الله تعالى أَوْحَى إليهم بأمور الدين علَّمهم أمور الدين وأَيَّدَهُمْ بالمعجزات كُلُّ نبيّ له معجزة وأما المسيح u فمعجزاته ظاهرة ذكرها القرءان ظاهرة أحيا الموتى وأبرأ الأكمه الذي وُلِدَ أعمى فتح له من غير إجراء عملية له فتح له عينه، كذلك قبل المسيح موسى ومَن قبل موسى كلٌّ الله تعالى أعطاه معجزة، هذا موسى u كانت له معجزاتٌ معجزات عديدة من جملتها أنه ضرب حجرًا بعصاه الله تعالى أوحى إليه أن يضرب حجرًا صخرة بعصاة فَانْبَجَسَتْ منه اثنتا عشرة عينًا فوزع هذه العيون الاثنتي عشرة بين بني إسرائيل كُل قبيلة خَصَّها بعينٍ من هذه العيون كانوا يشربون منها وهذا بعد أن خرجوا من أرض مصر متوجهين إلى جهة القدس، كانوا يحملون هذه الصخرة على ظهر البهيمة ثم عند الحاجة يُنزلونها فتتفجر منها العيون بقدرة الله فيأخذون حاجتهم ثم عندما يرحلون إلى مكان ءاخر يضعونها على ظهر الدابة وهِيَ صخرة صغيرة ليست صخرة ضخمة بحيث لا تحملها الدواب البهائم وغير ذلك. كذلك سيدنا محمد r أظهر له معجزات كثيرة، منها: أنه كان ذات يوم بين مكة وجُدَّةَ كان مُقْبلًا من المدينة إلى مكة ليعمل عمرة كان معه ألف وخمسمائة نَفْسٍ من الصحابة فقدوا الماء الذي يشربونه ويتوضؤون به فاشتكَوْا إليه لما أحَسُّوا بالضيق فوضع يده فِي وعاء فتفجّر الماءُ من بين أصابعه، الماءُ الصافِي الزلال العذب تفجّر فصاروا يأتون يملؤون أوعيتهم من هذا الماء وتوضؤوا وشربوا فكفاهم، ألف وخمسمائة نَفْسٍ، وأعطاه الله تعالى معجزات غير ذلك. هؤلاء الأنبياء هم الذين جاؤوا بالإسلام هم الذين علموا البشر الإسلام أنه يوجد لهذا العالم إلـٰه خلق هذا العالم لا يشبه شيئًا يستحق أن يعبدوه ولا يستحق أحدٌ أن يعبد إلا هو وأنه لا خالق إلا الله وأنه عالم بكل شيء وأنه قادر على كل شيء وأنه لا يكون شيء إلا بمشيئته. انتَهَى.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

([i]) رواه أحمد فِي مسنده، باب: مسند علي بن أبي طالب t.

([ii]) رواه الحاكم فِي المستدرك كتاب الجنائز.