الخميس فبراير 29, 2024

الفرق بين السحر والمعجزة

 

 

اعلم أن السبيل إلى معرفة النبي المعجزة، فالله سبحانه وتعالى أيّد أنبياءه بالمعجزات لتكون دليلاً على صدقهم فيما يدعون من أنهم أنبياء وأنهم صادقون في كل ما يبلغون عن الله سبحانه وتعالى، يقول الله سبحانه وتعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبيِّنات} [سورة الحديد/٢٥] ومعنى “بالبينات” أي بالمعجزات. وتعريف المعجزة عند العلماء: أنها أمر خارق للعادة يأتي على وفق دعوى من ادعوا النبوة، سالم من المعارضة بالمثل.

 

فما كان من الأمور عجبًا ولم يكن خارقًا للعادة فليس بمعجزة، وكذلك ما كان خارقًا للعادة لكنه لم يقترن بدعوى النبوة كالخوارق التي تظهر على أيدي الأولياء أتباع الأنبياء فإنه ليس بمعجزة بل يسمى كرامة.

 

وكذلك ليس من المعجزة ما يستطاع معارضته بالمثل كالسحر، فإنّ السحر يعارض بسحر مثله. ويفرّق بين المعجزة والسحر بأن السحر يعارض بالمثل بمعنى أنّ الساحر إذا عمل سحرًا يُتعجّب منه، وقد يأتي ساحر ءاخر في درجة الساحر الأول أو أقوى منه في ممارسة السحر فيفعل مثل ما فعل الساحر الأول ويعارضه بمثل ما أتى.

 

وأما المعجزة التي يؤيد الله تعالى بها النبي والرسول الذي بعثه للناس فإنها لا تعارض ولا تقابل بالمثل من قبل المكذبين لهم والمعارضين، لأن النبي لو كان كاذبًا في قوله “إن الله أرسله” لم يأت بمثل بهذا الأمر العجيب الخارق للعادة الذي لم يستطع أحد أن يعارضه بمثل ما أتى به، وتثبت بذلك الحجة على هؤلاء المعارضين لهم والمكذبين، ولا يسع هؤلاء المكذبين إلا الإذعان والتصديق، لأن العقل يوجب تصديق من أتى بمثل هذا الأمر العجيب الخارق للعادة، ومن لم يذعن ويصدق هذا النبي الذي ظهرت على يديه المعجزة بل عانده يُعدّ مهدرًا لقيمة البرهان العقلي.

 

فإن قال ملحد: وقوع الأمر الخارق للعادة على يد الأنبياء لا يكفي دليلاً على صدقهم لأننا نشاهد كثيرًا من الخوارق يُتوصل إليها بالسحر والشعوذة واستحضار الجن.

 

فالجواب: أن هذه الاشياء تُعارض بالمثل فيعارض ساحرٌ ساحرًا بمعنى أنه يأتي بمثل ما أتى به، وهذا بخلاف المعجزة، فهل استطاع أحد من المكذبين المعارضين للأنبياء في عصورهم أو فيما بعد ذلك إلى يومنا هذا أن يأتيَ بمثل ما أتى به نبي الله صالح عليه السلام من إخراج الناقة وولدها من صخرة صماء حين اقترح عليه قومه ذلك، وهل استطاع أحدٌ أن يدخل نارًا عظيمة كالنار التي رمي بها إبراهيم حتى إنهم من شدتها لم يستطيعوا أن يرموه فيها إلا بواسطة المنجنيق ولم تؤثر فيه النار بإحراق جسمه وثوبه، وهل استطاع أحد منهم أن يفعل ما فعل موسى من ضرب البحر بعصاه فينفرق اثني عشر فرقًا كل فرق كالجبل العظيم حتى يمشي فيه مئات الألوف ولا ينهال عليهم حتى قطعوا المسافة التي أرادها موسى ثم يعود البحر كما كان، وهل استطاع سحرة فرعون الذين جكعهم من جميع أنحاء مملكته أن يقاوموا معجزة موسى عليه السلام من انقلاب عصاه حية حقيقية ابتلعت حبالهم وعصيهم التي خيل للناس الحاضرين أنها حيات تسعى، بل لقد غُلب السحرة كلهم وعجزوا عن المقاومة ومعارضته بمثل ما أتى، ثم أذعنوا لموسى فآمنوا بالله وبرسوله موسى عليه السلام موقنين كل الإيقان: {قالوا ءامنَّا بربِّ العالمين* ربِّ موسى وهارون} [سورة الأعراف/١٢١-١٢٢].

 

فإن قال الملحد: إن هذه الحوادث من قبيل الخرافات التي تُروى من غير أساس.

 

فالجواب: أن هذا من الخبر المتواتر الذي يفيد علمًا قطعيًا، وليس من الأخبار التي تحتمل الصدق والكذب كأخبار البلاد والأماكن النائية والملوك الماضية التي تناقلتها الكافة عن الكافة، لذلك يُقطع بصحة معجزات وحوادث الأنبياء التي تناقلتها الكافة عن الكافة.