الأحد يونيو 16, 2024
      • الألباني يدعو إلى هدم ءاثار الرسول :

      يدعو الألباني([1]) لهدم القبة الخضراء وإلى إخراج قبر النبي إلى خارج المسجد.

      الرَّدُّ:

      هذا الكلام لا يصدر إلا من رجل قلبه مُلئ بالضغينة والبغضاء على رسول الله ، وعقيدة التشبيه التي في صدره سودت قلبه حتى جعلته يقول ما يقول فيجهّل المسلمين الذين يذهبون لزيارة قبره منذ قرون، ويرون القبة الخضراء مستحسنين لها على هذا الشكل، فمستحيل أن يسكت كل الذين مضوا في هذه القرون على باطل، وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: «ما رءاه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رءاه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح».اهـ. حسَّن الحافظ ابن حجر إسناده([2])، فمن أين جاء الألباني بمثل هذا الكلام؟!

      ثم هذا الرجل ينطبق عليه ما اتفق عليه العلماء، وهو أن من قال قولًا يؤدي إلى تضليل المسلمين فهو كافر، فهذا الرجل تنطبق عليه هذه القاعدة، فهو داخل تحتها؛ لأنه ضلل المسلمين، لأن وجود قبر الرسول وصاحبيه رضي الله عنهما هو على هذا الوضع، أي: كون القبور الثلاثة مكتنفة بالمسجد من جميع جوانبها في أيام أمير المؤمنين الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، فالألباني يكون ضلل هذا الخليفة الراشد ومن جاء بعده من خلفاء المسلمين، فيكفيه هذا خزيًا وضلالًا، فكيف سوَّلت له نفسه أن يكون أهل ألف وثلاثمائة سنة من أمة محمد على ضلال ويكون هو المخالف لهم على هدى؟! وقد سبق له أنه طلب أيام الملك سعود أن يهدم هذا الوضع القائم، ويجعل القبور الثلاثة منفردة عن المسجد، فلم يوافقه الملك سعود.

      تكميل: لا يجوز تسمية الوهابية سلفية، لأنهم ليسوا من السلف ولا من الخلف، فالسلف هنا هم أهل السُّنَّة والجماعة الذين كانوا من أهل القرون الثلاثة، ويدخل فيهم من وُلد في القرن الثالث وعاش إلى القرن الرابع كالإمام أبي جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى، فكيف يصح تسميتهم سلفية وهم ضلّلوا الأمة بتكفيرهم للمتوسلين بالأنبياء والأولياء بعد موتهم أو في حياتهم في غير حضورهم، وكيف يجوز تسميتهم سلفية وهم ينكرون كَوْن قبر الرسول وقبر سيدنا أبي بكر وقبر سيدنا عمر رضي الله عنهما ضمن المسجد النبوي، وهذا أمر رضيه المسلمون سلفهم وخلفهم، فإن المسجد لما وسّع في زمن سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه صارت القبور الثلاثة مكتنفة بالمسجد، وصار المسجد محيطًا بالقبور الثلاثة من الجهات الأربعة، وبعض المتقدمين من الوهابية والمتأخرين يرون إزالة القبور الثلاثة عن وضعها القائم الآن بوضع جدار محيط بالقبور الثلاثة من أول المسجد إلى ءاخره من الجهتين، وهم سمّوا أنفسهم سلفية لإيهام الناس أنهم مقتدون بالسَّلف، وهيهات هيهات، فكيف يسمون سلفية وهم يضللون الأمة، لأن الأمّة على استحسان الوضع القائم هناك، منذ أيام الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى يومنا هذا، لم ينكر ذلك مسلم عالم أو عامّيّ.

      وأما احتجاج بعض هذه الفرقة من الألباني وبعض من سبقه لإنكار وضع القبور الثلاثة بعد التوسيع الذي صارت به القبور الثلاثة مكتنفة بالمسجد من جميع نواحيها بالحديث المشهور([3]): «لعن اللهُ اليهودَ والنصارى اتخذوا قبورَ أنبيائِهم مساجدَ» فلا يلتفت إليه، لأن القبور الثلاثة غير بارزة؛ بل مستورة ضمن بيت الرسول الذي توفي فيه، فتبيّن أنه لا يُنكر الصلاة إلى القبر إذا كان القبر مستورًا غير بارز، كما دلَّ على ذلك قول عائشة رضي الله عنها راوية الحديث المذكور: «ولولا ذلك لأبرزوا قبره»([4])، تعني: أن النهي المذكور لا يشمل من يصلي إلى قبرٍ مستور غير بارز، فلا كراهة في صلاة من يصلي خلف القبور الثلاثة، كما لا كراهة في صلاة من يصلي في الروضة وجزء المسجد الذي عن يسار القبور الثلاثة ومن يصلي أمام القبور الثلاثة، ولم ينكر ذلك أحد من المسلمين قبل هذه الفرقة المشوّشة، فقد ذكرت الحنابلة([5]) أن الصلاة إلى القبور لا تحرم؛ بل هي مكروهة إذا كانت بلا حائل، أما إذا كان حائل فلا تكره الصلاة، والوهابية يدَّعون أنهم حنابلة، وما أكثر ما يخالفون الإمام أحمد رضي الله عنه في الأصول والفروع.

      وكلك حديث([6]): «لا تُصلُّوا إلى القبورِ» لا يدخل فيه من يصلي خلف القبور الثلاثة من التوسعة، وفي حديث الإسراء الذي رواه الصحابي المشهور شداد بن أوس رضي الله عنه أن جبريل في أثناء سيرهما قال للرسول حين انتهيا إلى الطور: انزل هنا فصلّ فنزل فصلى، ثم لما انتهيا إلى بيت لحم حيث ولد عيسى  قال له: انزل فصلّ، فهذا دليل على أن الصلاة في المواضع المباركة مستحبة شرعًان وهذا الحديث رواه البيهقي وصحَّحه([7]). فلا يجوز الإنكار على من يصلي وراء قبر غير بارز، كما تظن هذه الفرقة، ومصيبة هذه الفرقة أنهم يحملون النصوص الشرعية في غير مواضعها كما كانت الخوارج تفعل ذلك، فإنهم حملوا قول الله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [سورة الأنعام: 57] على إنكار موافقة عليّ على تحكيم الحكمين، فأدَّى بهم جهلهم لمعنى القرءان إلى تكفير سيدنا عليّ رضي الله عنه، وأكثر استدلالات هذه الفرقة الوهابية لآرائهم التي يخالفون بها الأمة ناشئ من جهلهم بمعاني النصوص.

      فالنصيحة الواجبة على المسلمين تقضي بالتحذير من الألباني ومن مؤلفاته ومن أتباعه الذين قلَّدوه في التجرؤ على تصحيح الحديث وتضعيفه، وهو وأتباعه الذين قلدوه بعيدون من أهلية ذلك بُعدَ الأرض من السماء، فإنه ليس فيهم شخص واحد يحفظ عشرة أحاديث بأسانيدها، وإنما التصحيح والتضعيف حق أولئك الذين يحفظون الآلاف المؤلَّفة من الأحاديث بأسانيدها ويعرفون أحوال رجالها عن ظهر قلب، فقد جمع بعض الحفاظ لرواة حديث واحد مائةً وثمانين طريقًا متفرعةً عن الحسن البصري الذي هو تابعي الحديث، فالألباني وأتباعه بالنسبة إلى الحفاظ الذين لهم حق التصحيح والتضعيف كنسبة سير النملة بالنسبة إلى سير الطير المسرع، فليعرف هؤلاء وأمثالهم حالهم، وليرجعوا إلى كلام أهل التصحيح والتضعيف.

      [1]() الألباني، الكتاب المسمّى تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد (ص68، 69).

      [2]() ابن حجر العسقلاني، موافقة الخبر الخبر (2/435).

      [3]() أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب: ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور (1/446).

      [4]() أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب: ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور (1/446).

      [5]() منصور بن يونس البهوتي، كشاف القناع (1/294).

      [6]() أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنائز، باب: النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه (3/62).

      [7]() البيهقي، دلائل النبوة (2/355).