الثلاثاء يوليو 16, 2024

أقوال أئمة السلف في تنـزيه الله عن الجسمية

السّلف هم أهل القرون الثلاثة الأولى، وقد جاءت في مدحهم أحاديث عن النبيّ عليه الصلاة والسلام منها قوله([1]): «خَيْرُ القُرُونِ قَرْني ثُمَّ الذِينَ يلونَهُمْ ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُم» أي الذين هم في القرن الذي أنا فيه، ثم بعد ذلك من جاء بعدهم ثم بعد ذلك من جاء بعدهم. والقرن على أحد تفسيرين مائة سنة، وهذا معروف في لغة العرب، وعلى ذلك فُسّر الحديث بأهل الثلاثمائة الأولى كما بيّن ذلك الحافظ ابن عساكر في كتابه تبيين كذب المفتري([2]) وعلى هذا فيكون كل من الإمامين أبي الحسن الأشعريّ وأبي منصور الماتريديّ([3])  رضي الله عنهما داخلًا في عموم الحديث، ومعهم أيضًا الإمام أبو جعفر الطحاويّ رضي الله عنه فإنه عاش أغلب حياته قبل انتهاء القرن الثالث وتُوفي في أوائل الرابع.

ثم جاءت الوهابية بعدهم بمئات السنين فانحرفت عن منهج أهل السّنة والجماعة فشبّهوا الله بخلقه ونسبوا له الجلوس، والعياذ بالله، وغير ذلك من الصفات القبيحة التي لا تليق بالله سبحانه وتعالى.

وقد قال الشيخ ابن عابدين الحنفيّ([4]) في الوهابية: «مطلب في أتباع ابن
عبد الوهّاب الخوارج في زماننا، كما وقع في زماننا في أتباع ابن عبد الوهاب الذين خرجوا من نجد وتغلبوا على الحرمين، وكانوا ينتحلون مذهب الحنابلة، لكنهم اعتقدوا أنهم هم المسلمون، وأنَّ مَن خالف اعتقادهم مشركون، واستباحوا بذلك قَتْلَ أهلِ السُّنَّة وقَتْلَ علمائِهم» اهـ.

وأما تسمية الوهابية أنفسهم «سلفية» فكذب ظاهر، فلا يجوز تسميتهم بهذا الاسم الذي أطلقوه على أنفسهم ليوهموا الناس -على عادتهم في التزوير والتدليس-  أنهم على مذهب السلف، إنما يسمَّون وهابية، وهذا الاسم هو الاسم الذي عرفهم به المسلمون مـن أول ظهورهم، وذلك من نحو ثلاثمائة سنة إلى يومنا هذا.

السلف في اللغة:

يُطلق على كل مَن سبق، قال الجوهريّ في الصحاح([5]): «سَلَفَ يَسْلُفُ سَلَفًا، أي مضى، والقومُ السُلَّافُ: المتقدّمون، وسَلَفُ الرجل: آباؤه المتقدّمون، والجمع أَسْلافٌ وسُلَّافٌ» اهـ.

السلف في الاصطلاح:

قال الغزاليّ رحمه الله([6]): «اعلم أن الحقّ الصحيح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر هو مذهب السلف، أعني الصحابة والتابعين رضي الله عنهم» اهـ.

ومن أهل العلم من يضيف إليهم أتباع التابعين ومن كان من أهل  القرون الثلاثة الأولى المفضّلة.

وقبل الشروع في ذكرأقوال السلف الصالح في تنــزيه الله تعالى عن الجسمية نمهّد لذلك بمقدمة فيها التعريف بأهل السنة والجماعة، وبيان الفَرْق بين التأويل الإجمالي والتأويل التفصيلي فنقول:

ليعلم أن أهل السّنة والجماعة هم جمهور الأمة المحمدية وهم الموافقون لِـمَا كان عليه الصحابة ومن تبعهم في المعتقد أي أصول الاعتقاد وهي الأمور الستة المذكورة في الحديث المشهور بحديث جبريل عليه السلام والذي فيه أن الرسول ﷺ قال([7]): «الإيمانُ أنْ تُؤمِنَ بالله وملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ واليومِ الآخِرِ والقَدَرِ خيرِهِ وشرّهِ»، وأفضل هؤلاء كما تقدّم في الحديث أهل القرون الثلاثة الأولى، وهم المرادون أيضًا بحديث الترمذيّ([8]) وغيره: «أوصيكُمْ بأصحابي ثُمَّ الذينَ يَلونَهُم ثُمَّ الذين يَلُونَهم»، وفيه قوله ﷺ: «عليكُم بالجماعَةِ وإيَّاكُم والفُرْقَةَ، فإنَّ الشَّيطانَ معَ الواحِدِ وهوَ مِنَ الاثنينِ أبعدُ، فمَنْ أرادَ بُحبُوحَةَ الجَنَّةِ فلْيَلزَمِ الجَمَاعَةَ» صحّحه الحاكم([9])، وهم المرادون أيضًا بالجماعة الواردة في ما رواه أبو داود([10]): «وإنَّ هذهِ الملَّةَ ستفترقُ على ثلاثٍ وسبعينَ فرقةً، ثنتانِ وسبعونَ في النَّارِ وواحدةٌ في الجنَّةِ وهيَ الجماعةُ». والجماعة هم السواد الأعظم، وليس معناه هنا صلاة الجماعة كما يوضح ذلك حديث زيد بن ثابت([11]) رضي الله عنه أن الرسول ﷺ قال([12]): «ثلاثٌ لا يُغَلُّ عليهنَّ قلبُ مسلمٍ: إخلاصُ العملِ لله، ومناصحةُ ولاةِ الأمرِ، ولزومُ الجماعَةِ، فإنَّ دعوتَهُم تُـحيطُ مِن ورائِهِمْ([13])».

ثمّ السلف منهم من أوّل تأويلًا تفصيليًّا، ولكن الغالب عليهم أنهم كانوا يؤوّلون الآيات المتشابهات تأويلًا إجماليًّا بالإيمان بها واعتقاد أن لها معنًى يليق بجلال الله وعظمته بلا تعيين، فلم يُحَدّدوا معاني لها بل اكتفوا بردّ تلك الآيات إلى الآيات المحكمة كقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ {11} (الشورى)، وعندما كانوا يُسألون عن هذه الآيات أو يتكلمون عليها لم يكونوا يُفصّلون في تفسيرها في الغالب، إنما كانوا يُعطون معنًى إجماليًّا فيه تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين، كما قال الإمام الشافعيّ رضي الله عنه([14]): «آمنتُ بما جاء عن الله على مراد الله، وبما جاء عن رسول الله ﷺ على مراد رسول الله» اهـ. يعني الشافعيُّ رضي الله عنه لا على ما قد تذهب إليه الأوهام والظنون من المعاني الحسيّة الجسمية التي لا تجوز في حق الله تعالى، وكما قال أيضًا الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه([15]): «استوى كما أخبر لا كما يخطُر للبشر» اهـ. معناه ليس كالجلوس وغير ذلك مما يتصوّره ويتخيّله البشر. وكما قال الإمام مالك رضي الله عنه([16]): «الاستواء معلوم والكيف غير معقول» اهـ. يعني أن الاستواء معلوم أنه ورد في القرآن لكن لا يُعقل أن يُنسب الكيف إلى الله، وفي رواية عنه رضي الله عنه أنه قال: «والكيف مرفوع» عن الله، فاستواؤه سبحانه ليس كاستواء مخلوقاته كما مرَّ سابقًا.

 فالغالب بين السلف أنهم كانوا لا يفصّلون في تأويل تلك الآيات المتشابهات، والسبب في ذلك أنّ البدع كانت قليلة في زمانهم، ليس كما انتشرت بعدهم، وكانت أفهام الناس قويّة، فكان يكفي أن يقال لهم: لا كصفات المخلوقين، ليفهموا نفي كلّ ما كان من صفات الخلق عن الله عزَّ وجلَّ.

فالتأويل الإجمالي هو الذي غلب على السلف الصالح وهو قولهم: بلا كيف، إلا أنه ثبت عن بعض من السلف التأويل التفصيلي، فنفي التأويل التفصيليّ عن السلف كما زعم بعض المجسمة مردود بما في صحيح البخاريّ في كتاب تفسير القرآن([17])، وعبارتُه هناك: «سورة القصص (كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ) {88} إلا مُلكه» اهـ. فملك الله صفة من صفاته الأزلية ليس كالمُلك الذي يعطيه للمخلوقين، وفيه غير هذا الموضع كتأويل الضحك الوارد في الحديث بالرحمة([18]). وقد أَوَّل قبله بالتأويل التفصيلي الصحابيّ الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حيث فصَّل الـمَقَال في قوله تعالى (اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) {35} (النور) فتأول الآية بمعنى «هادي أهل السموات والأرض»([19]) اهـ.

وروى أنس رضي الله عنه أن النبيَّ صلوات الله وسلامه عليه قال([20]): «تَفَكَّرُوا في الخَلْقِ ولا تَتَفَكَّرُوا في الخالِقِ» اهـ.

وهذا أوان الشروع في ذكر الأقوال الواردة عن بعض أئمة السلف الصالح في تنزيه الله عن الجسمية، لبيان أن هذا هو منهجهم واعتقادهم في البارئ سبحانه وتعالى.

[1] ) صحيح البخاري، البخاري، كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، 3/224.

 

[2] ) تبيين كذب المفتري، ابن عساكر، ص146.

 

[3] ) محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي، ت 333هـ، من أئمة علماء الكلام نسبته إلى ماتريد (محلة بسمرقند) ـ وكان إمامَ أهل السنّة رضي الله عنه ـ. من كتبه: «التوحيد»، و«أوهام المعتزلة» و«الجدل». الأعلام، الزركلي، 7/19.

 

[4] ) حاشية رد المحتار، ابن عابدين الحنفيّ، 4/262.

    محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي، ت 1252هـ، فقيه الديار الشامية، مولده ووفاته في دمشق. له: «رد المحتار على الدر المختار»، و«رفع الأنظار عما أورده الحلبي على الدر المختار»، و«الرحيق المختوم». الأعلام، الزركلي، 6/42.

[5] ) الصحاح، الجوهريّ، مادة س ل ف، 1/326.

    الجوهريّ إسماعيل بن حماد، ت 393هـ، أبو نصر، لغويّ من الأئمة. أشهر كتبه «تاج اللغة وصحاح العربية» المعروف بـ «الصحاح»، وله كتاب في العروض، دخل العراق صغيرًا، وسافر إلى الحجاز فطاف البادية، وعاد إلى خراسان، ثم أقام في نيسابور. الأعلام، الزركلي، 1/313.

[6] ) إلجام العوام، الغزاليّ، ص 51.

 

[7] ) صحيح مسلم، مسلم، كتاب الإيمان، باب الإيمان والإسلام والقدر، 1/28.

 

[8] ) سنن الترمذيّ، الترمذي، 4/35.

    محمد بن عيسى بن سورة بن مسلم السلمي الترمذي أبو عيسى، ت 279هـ، من أئمة علماء الحديث وحفاظه من أهل ترمذ، تتلمذ للبخاري، قام برحلة إلى خراسان والحجاز، وعمي في آخر عمره، وكان يضرب فيه المثل في الحفظ، مات بترمذ. من تصانيفه: «الجامع الكبير»، و«الشمائل النبوية»، و«التاريخ والعلل» في الحديث. الأعلام، الزركلي، 6/322.

[9] ) المستدرك، الحاكم، كتاب العلم، 1/199.

 

[10] ) سنن أبي داود، أبو داود، كتاب الطب، 4/198.

 

[11] ) زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي، أبو خارجة صحابي من الأكابر، ت 45هـ، كان كاتب الوحي، ولد في المدينة ونشأ بمكة وهاجر مع النبي ﷺ وهو ابن إحدى عشرة سنة وتعلم وتفقه في الدين، كان عمر رضي الله عنه يستخلفه=
= على المدينة إذا سافر. الأعلام، الزركلي، 3/57.

 

[12] ) صحيح ابن حبان، ابن حبان، 2/455.

 

[13] ) قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر 2/280: «الحديث: «فإنَّ دعوتَهُم تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِم» أي تحوطهم وتكنفهم وتحفظهم، يريد أهل السنة دون أهل البدعة» اهـ.

 

[14] ) دفع شبه من شبه وتمرد، تقي الدين الحصني، ص56.

 

[15] ) البرهان المؤيد، الإمام أحمد الرفاعي، ص24. دفع شبه من شبه وتمرد، تقي الدين الحصني، ص17.

 

[16] ) الأسماء والصفات، البيهقي، ص408.

 

[17] ) صحيح البخاري، البخاري، كتاب تفسير القرآن، تفسير سورة القصص، 6/141.

 

[18] ) الأسماء والصفات، البيهقي، ص470. والمراد أن الله تعالى رضي عن فعل هذين الزوجين اللذين آثرا ضيفهما على نفسيهما وأولادهما.

 

[19] ) صحيفة عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس، علي بن أبي طلحة الوالبي، 1/86.

 

[20] ) عزاه الزَّبيديّ في شرح الإحياء 6/536 لأبي الشيخ من حديث أبي ذرّ، وله شاهد موقوف على ابن عباس رواه البيهقيّ في الأسماء والصفات ص420 بلفظ: «تَفَكَّرُوا في كُلّ شىءٍ ولا تَفَكَّرُوا في ذاتِ الله عزَّ وجلَّ»، ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري، 13/383، وعزاه للبيهقيّ وقال: «موقوف وسنده جيد» اهـ.