الأربعاء يناير 25, 2023

مجلس تلقي كتاب سمعت الشيخ يقول رقم (7)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيّدِنا أبي القاسم طه الأمين وعلى آلِ بيتِهِ وصحابتِه الطيبين الطاهرين

يقول جامعُ هذا الكتاب الدكتور الشيخ جميل حليم الحسيني رحمه الله تعالى ورحمَ والديه

صحيفة رقم (115)

أحمد بنُ نصرٍ الخُزاعي رضي الله عنه

قال الإمام الهرري رضي الله عنه: في ما مضى بعدَ مائتيْ سنةٍ منَ الهجرة بعضُ رؤساءِ المسلمين ألزَموا الناسَ أنْ يقولوا القرآنُ مخلوق ومُرادُهم هذه الحروف وهذا لا يجوز، لأنَّ القرآنَ عبارةٌ عن كلامِ اللهِ الأزليِّ الأبديِّ كيف يُقالُ مخلوق؟ معَ أنَّ هذه الحروفَ مخلوقة لكن القرآنُ بما أنه عبارةٌ عنِ الكلامِ الأزلي لا يُقالُ مخلوق.

ففي زمنِ الدولةِ العباسية بعضُ الخلفاء ألزموا الناس أنْ يقولوا القرآنُ مخلوق. بعضُهم قالوا وبعضُهم أبَوْا.

 

الإمامُ أحمد بنُ حنبل رضي الله عنه أبَى أنْ يقولَ القرآن مخلوقُ فسُلِّطَ عليه مائةٌ وخمسونَ جلّادًا في ليلةٍ واحدةٍ فصبرَ

(بالمناسبة كنا بدأنا بمسئلة الأثر الشريف والتبرك، هذا الإمام أحمد رضي الله عنه الذي مرَّ ذِكرُهُ عندما كان في هذه المحنة في السجن وكان يُضرَب ويُجلَد ويُعَذّب ومنْ كثرةِ تعاقبِ الجلادينَ على ضربِهِ يُغمَى عليه يصير كالميّت ثم يُصَبّ عليه الماء فإذا أفاق يُعاوِدونَ الضرب. في تلكَ المِحنة الإمام أحمد رحمه الله كان قدْ أخذَ معه منْ شعَراتِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وكان قدْ صرَّها – ربَطَها – في ثيابِه وكانت معه في تلكَ الليالي الشديدة الصعبة، وهذا الشىء أوْرَدَه عددٌ منَ الحُفّاظ كالحافظ السخاويّ وحتى ممّنْ تُحبُّهم المشبهة ذكرَ مثلَ ذلك أنَّ الإمامَ أحمد كان يتبرّك بشعرات الرسول، هذا الذهبي في كتابِهِ “مُعجم الشيوخ” ذكرَ ذلك عنْ عبدِ اللهِ بن أحمد بن حنبل.

 

فهذا الإمام أحمد كان عندَه شعَراتِ منْ شعراتِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم ابنُهُ عبدُ الله يقول “كنتُ أراه يُخرِجُها فيَغْسِلُها بالماء يشربُهُ ويُقَبِّلُها ويمسَح على عينيه” وعندما كان يُعذَّب ويُضرَب وهو صابر، ويعذَّب في سبيلِ الله وهو صابر تلكَ الشعَرات الشريفة كانت معه كما أثبتَ ذلك الحافظُ السخاوي في كتابِه “الضربُ اللامعُ”).

وكذلك عالِمٌ كبيرٌ اسمُهُ أحمد بنُ نصرٍ الخُزاعيّ رضي الله عنهم أبَى أنْ يقولَ القرآن مخلوق فقُطِعَ رأسُهُ وعُلِّقَ على رُمْح

*في الحاشية*: يقول أي لا يُطلَقُ القولُ بذلك، عندما قال في المتن “لا يُقال ُ مخلوق” لئَلّا يتَوهَّمَ مُتَوَهِّمٌ منْ هذا الإطلاق أنَّ كلامَ اللهِ الذاتيَّ مخلوق، أمّا مع التفصيل فيُقال القرآن بمعنى اللفظِ المنَزَّل مخلوق لأنه عبارةٌ عنْ كلامِ اللهِ الذي هو صفةٌ له وليس اللفظ صفةً لله، أمّا القرآن بمعنى كلامِ اللهِ الذاتي فهو أزليّ لأنه صفةٌ لله وكلُّ صفاتِ اللهِ تعالى أزليةٌ أبدية.

 

(الإمام أحمد رحمةُ اللهِ عليه وكذا الإمام أحمد بنُ نصرٍ الخُزاعي رفضَا القولَ بخَلقِ القرآنِ خوفًا على العامة على الناس مِنْ أنْ يتَوَهَّم أحد منْ أنَّ القرآنَ بمعنى الكلامِ الذاتي هو المخلوق، لأجلِ أنْ لا يتوهّمَ أحدٌ هذا رفضَا هذا القول مع أنهما لو قالا عنِ اللفظِ المُنزّل المكتوب باللغةِ العربية المقروء بالألسُن المحفوظ في الصدور المجموع بين دَفَّتَي المصحف الذي أخذَهُ جبريل منَ اللوحِ المحفوظ ونزلَ به وقرأَهُ على الرسولِ بأمرٍ منَ الله تعالى، كلُّ هذه الصفات صفات مخلوقة، فلو قالا عنْ هذه مخلوقة يعني عن اللفظِ المُنزّل ما عليهما ضررٌ في العقيدة، لكنْ معَ شدةِ الخطرِ الذي عليهما الإمام أحمد ضُربَ وعُذِّبَ وسُجِنَ ثم بعدَما أُطلِقَ بعدَ أشهرٍ مات ويُقال مِنْ أثرِ تلك الضرَبات والتعذيب والآلام، وأما أحمد بن نصر الخُزاعيّ حُزَّ رأسُهُ ومع ذلك رفضَا هذا القول لأجلِ أنْ لا يتوهَّمَ الجاهل، لأجلِ أنْ لا يتوهمَ الناس أنَّ كلامَ اللهِ الذاتي الأزلي هو المخلوق، لأجلِ حمايةِ عقيدةِ  الناس رفضَا هذا القول وصبرَا وعُذِّبا في سبيلِ الله رضي اللهُ تعالى عنهما).

 

قال الإمام الهرري رضي الله عنه: وكذلك عالِمٌ كبيرٌ اسمُهُ أحمد بنُ نصرٍ الخزاعيُّ رضي الله عنه أبَى أنْ يقولَ القرآنُ مخلوق فقُطِعَ رأسُهُ وعُلِّقَ على رُمح ووُكِّلَ به – أي الرأس – مَنْ يصرِفُهُ عنِ القِبلةِ منْ شدةِ الظلم ثم هذا الرأس صار يقرأُ سورةَ يس بالعباراتِ الصحيحة كرامةً له اللهُ أنطَقَ الرأسَ بالقراءة، ثم في الليلِ لما هؤلاءِ الحرس يَغْفَلونَ عنه يتوَجَّهُ الرأسُ إلى القبلة وهو مشكوكٌ بالرُّمحِ ثم بعدَ ذلك دفنوه.

كان قُتِلَ لأنه أبى أنْ يقولَ القرآنُ مخلوق. اللهُ أظهرَ له هذه الكرامة رأسُهُ المفصولُ عنِ الجسد المُعلّقُ بالرُّمح صارَ يقرأ سورة يس. في بغداد حصلَ هذا قبل ألفٍ ومائةَ سنةٍ قتَلهُ أحدُ الموَكَّلين (سنة 237 للهجرة)

 

هؤلاء الرؤَساء ضرُّوا الناس كانوا يُلزِمونَ الناسَ أنْ يقولوا القرآنُ مخلوق، عذّبوا عددًا منَ العلماء فصبروا – أي العلماء – وبعضُهم ما صبروا طاوعوهم.

لكنْ نحنُ اعتقادُنا أنَّ القرآنَ الذي يُقرَأُ بالصوتِ مخلوقٌ لله، اللهُ خلقَهُ. أما ذاكَ القرآنُ الذي هو كلامٌ أزليّ ليس حرفًا ليس صوتًا فنعتقدُ أنه قديمٌ أزلي ليس مخلوقًا.

(هذه الحادثة فيها فوائد وشواهد يعني هي تأييدٌ لعقيدةِ أهلِ السنة، وهذه الكرامة التي حصلتْ نصرٌ منَ اللهِ لهذا الولي الصالح أحمد بن نصر الخزاعي، لأنّ هذا الأمر بعدَ موتِه ورأسُهُ قدْ قُطِع فالرأس يقرأ سورة يس كاملةً قرءاةً صحيحةً هذا ليس منَ الأمورِ العادية، هذا منْ خوارقِ العادات. اللهُ أعطى هذه الكرامة لهذا الولي الصالح بعدَ وفاتِهِ إظهارًا لحَقِّيةِ وصِدقيّةِ عقيدةِ أهلِ السنةِ.

لأنَّ أهلَ البِدَع الاعتقادية لا تحصُلُ لهم الكرامات لا في حياتِهم ولا بعدَ مماتِهم. أهلُ التشبيهِ والتجسيمِ ليس فيهم وليٌّ واحد ولا كرامة واحد لا في حياتِهِم ولا بعدَ مماتِهِم.

 

الكرامات في أهلِ السنةِ في حياتِهم وبعدَ مماتِهم. هذا أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه وأرضاه الذي هو إمامُ أهلِ السنةِ كان أيضًا في بغداد، بعضُ المشبهة المجسمة كانوا يمشونَ في القربِ منْ قبرِهِ رحمةُ اللهِ عليه وكان معهم رفيقٌ لهم منْ أهلِ السنة، فواحدٌ منْ هؤلاء المشبهة المجسمة تخلّفَ عنْ رفاقِهِ ودخلَ إلى قبرِ أبي الحسن فأحدثَ عليه والعياذُ بالله ثم رجَعَ، فقيلَ له أين كنتَ إلى أينَ ذهبتَ؟ قال: دخلتُ إلى قبرِ أبي الحسن فأحدَثْتُ عليه، والعياذُ باللهِ، ما اسْتَتَمَّ كلامَهُ حتى انتقمَ اللهُ منه، ابْتَلاهُ اللهُ بنَزْفِ الدمِ صار دمُهُ يَنْزِفُ مِنْ غيرِ ضربةٍ ظاهرة، لا طُعِنَ في سكينٍ ولا بسيف ولا بحجر إنما بقدرةِ اللهِ صارَ دمُهُ ينزِفُ في الطريقِ إلى أنْ ماتَ وجعلَهُ اللهُ عبرةً لِمَنْ يعتبر.

انظروا هذه أيضًا حصلتْ لأبي الحسن الأشعري بعدَ وفاتِهِ وهذا تأييدٌ منَ اللهِ تعالى لأهلِ السنةِ والجماعة. وهذه الكرامات للأولياء للصالحين لعلماءِ أهلِ السنةِ الأتقياء دليل ظاهرٌ ملموسٌ على صحةِ مَنْهَجِهم، على صحةِ طريقتِهم، على صحةِ عقيدتِهم وهذا الأمر ليس بعزيزٍ على الله، اللهُ قادرٌ على كلِّ شىء. 

 

بعضُ الشهداءِ في الماضي وكانَ منْ شهداءِ البحر كان رأسُهُ قُطِعَ ووقَعَ في البحر، كانت السفن الْتَقَتْ في البحر وحصلَ قتالٌ كبيرٌ وعنيف جدًّا، ووقعَ شهداء للمسلمين في البحر ثم هذه سفينة الكفار كانت راجعة وقفَ أحدُ رؤسائهم عند رأس السفينة وصار يَهْزأ بقتلى المسلمين الذين في الماء يقول هؤلاء يقولون الشهداءُ أحياءٌ عند ربِّهم يُرزَقون؟ فطَلَعَ رأس هذا الشهيد منَ الماء في مقابِلِ هذا الكافر والسفينة وتَلا عليهم هذه الآية {أحياءٌ عندَ ربِّهم يُرزَقون}[آل عمران/١٦٩] رأسٌ مقطوعٌ، وهذا تأييدٌ للإسلام، هذا شاهدٌ لصِحّةِ ولحقّيةِ دينِ الإسلام.

وهذا الحوادث مِنْ بعضِ النواحي فيها شبَه لما حصلَ مع نبيِّ اللهِ يحيى عليه الصلاة والسلام.

يحيى كان في بيتِ المقدس في فلسطين وملِكٌ خبيثٌ كان في أولِ الأمرِ منَ المسلمين، باختصار موْضع الشاهد هذا الملِك الخبيث تعلّقَ بحبِّ بنت شابة هي حرامٌ عليه، بعضُ علماءِ التأريخِ والسِّيَر يقولون كانت ربيبةً له – يعني هي بنت زوجة الملِك – وبعضُهم يقول بنتُ أخيه، يعني حرامٌ عليه، لكنْ تعلّقَ بها وكان كلّ يوم لها طلب عند الملِكِ يُنَفِّذُهُ لها.

أمّها الخبيثة لأجلِ أنْ لا تبتعدَ عنِ الملك وعن السلطة صارت تُزيِّنُها وتُدخِلُها على الملِك، فتعلّقَ بها الملِك فقالت له أمها التي هي زوجة الملك تزوّجْ منْ هذه ابنتي، قال حتى أسألَ يحيى، فسألَ يحيى فقال هي حرامٌ عليك، كان مسلمًا هذا الملك بالأول.

ثم غضبَتْ هذه المرأة الخبيثة وقالت كيف يَحولُ بينَكَ وبينَ ما تريد؟ ثم علّمَت ابنتَها أنْ تُحَرِّضَ الملِك على قتلِ يحيى، فزيَّنَتْها وجمّلَتْها وأدخَلَتْها على الملك فلمّا رآها والعياذُ بالله افْتُتِنَ بها، قال ما تطلبينَ اليوم؟ قالت رأسُ يحيى، قال اطلبي غير هذا، قالت هو، فوافقَ فكفر.

فأمرَ به فقُطِعَ وحُزَّ رأسُهُ عليه الصلاة والسلام وجُمِعَ دمُهُ في طست إلا نقطة واحدة وقعَتْ على الأرض وجعلتْ تغلي تفورُ ولا تهدأ. فلما أُدخِلَ رأس يحيى عليه السلام المقطوع على طبق إلى الملك وصارَ مُقابل الملِك والملِك على كرسيِّهِ، هذا الرأس الشريف الزكيّ الطاهر المبارك العظيم اللهُ أنطَقَهُ قال لهذا الملك الخبيث الكافر، فتحَ عينيه يحيى عليه السلام ونظرَ إلى الملك وقال “هي حرامٌ عليك” ورأسُهُ مقطوع.

 

انظروا هذه معجزة ليحيى عليه السلام وكرامة لهؤلاء الأولياء والشهداء. فإذًا اللهُ لا يُعجِزُهُ شىء، اللهُ قادرٌ على كلِّ شىء.

ولِبعضِ المنافقين والمُذَبْذَبين والمُتَلوِّنين الذين لا يُصَدِّقونَ بالكرامات وقدْ أثْبتَها القرآن إذا سألوكم عنْ هذه الحادثة في أيِّ مصدر؟ في أيِّ كتاب مَنْ رواها مَنْ أثبتَها؟

قولوا لهم أثْبتَها عددٌ منْ علماءِ التأريخِ والسيّر بل والحفّاظ منهم الإمام الحافظ المفسّر جلال الدين بن أبي بكر عبد الرحمن السيوطي في كتابِهِ “تاريخ الخلفاء” وأثبتَها شخصٌ آخر وهذا تحبُّه المشبِّهة هو ابنُ كثير في كتابِه “البداية والنهاية”، وفيها زيادات على هذا الذي قُرىءَ الآن، بل يُقال إنه صار يذكُرُ اللهَ ويقرأ من القرآن بعدما قُطعَ رأسهُ وعلِّقَ على الرُّمحِ ثم حوِّلَ وجهُهُ عنِ القبلة وهذا الحارس الموكَّل به وهؤلاء الحرّاس البقية غفَلوا، هذا الحارس الموكَّل  به رأى الرأس يتحوّل إلى جهة القِبلة ثم جعلَ يقرأ يس حتى ختمَها.

الحارس المُوَكّل به هو الذي حدّثَ الناس وصار يُخبِر بذلك لسنا نحن.

 ثم هؤلاء الرؤساء والزعماء والوزراء والقضاة الذين شجّعوا الملِك الرئيس الواثق على قتلِ هذا الإمام العالم الحافظ المجتهد، كان كالإمام الشافعي هذا الإمام أحمد بن نصر الخزاعي كان مجتهدًا وليًّا صالحًا، هؤلاءِ المعتزلة الخبثاء الذين حرّضوا الواثق على قتلِهِ بعدَما مات الواثق وجاءَ المُتوكّل بعض العلماء وهو الفقيه العلّامة المناظر الحجة الكبير عبد العزيز الكِناني الشافعي دخلَ على المتوكّل وكلّمَهُ بكلام فيه اعتراضٌ على ما حصلَ منْ أخيه الواثق مع هذا الإمام العالِم وتكلّم بكلامٍ شديد كيف يُقتَل هذا الإمام العادل هذا ظلم…، فالمتوكل ما طابَ له أنْ يُطْعَنَ في أخيه الواثق لأنه فعلَ هذه الفِعلة فدخلَ عليه الوزراء والقضاة الذين كانوا منَ المعتزلة وكانوا يُحرِّضونَ على أهلِ السنة، هؤلاء ثلاثة بعضُهم قال للمتوكّل أرادَ أنْ يُهَدِّأَهُ: الواثق ما قتَلَهُ إلا وهو كافر- والعياذُ باللهِ عن أحمد بن نصر الخزاعي – قال وإنْ لمْ يكنْ كذلك أحرَقَني الله.

والثاني قال نعم المتوكل ما قتَلَهُ إلا وكان كافرًا وإنْ لمْ يكنْ كذلك قُطِّعتُ إربًا إربًا.

وهكذا صار الواحد يقول أصابني كذا والثاني يقول أصابني كذا، هؤلاء اللهُ انتقمَ منهم وأصابهم بالمِيتاتِ التي هم ذكروها.

هذا الذي قال أحرقَني اللهُ إنْ لمْ يكنْ كافرًا عن أحمد بن نصر الخزاعي، المتوكل نفسُهُ أحرَقَهُ، هو قتلَهُ، وذاك الذي قال قُطِّعُتْ قبيلة أحمد بن نصر أمسكوه فقال بعضُهم هذا الذي قتلَ الإمام أحمد قطِّعوه فقُطِّعَ إربًا إربًا، وهكذا انتقمَ اللهُ تعالى منهم ودمّرَهم وفضَحَهم وجعلَهُم عبرةً للمعتبر وهذا أعطاهُ الكرامةَ بعدَ موتِهِ لِتَكونَ دالّةً على صدقِهِ وصدقِ مذهبِ أهلِ السنةِ والجماعة.

وهذه البشائر والعلامات كثيرةٌ جدًّا جدًّا جدًّا. ثم هذا الإمام أحمد بن نصر الخزاعي رحمه الله أُنزِلَ رأسُهُ بعدَ أيام منْ تعليقِهِ على الرُّمح ووُضِعَ مع الجسد ودُفِنَ في بغداد فقبرُهُ في بغداد وقبرُ الإمام أحمد في بغداد وأبو الحسن الأشعري أيضًا قبرُهُ في بغداد رضي اللهُ عنهم جميعًا ونفعَنا ببركاتِهم).

 

الإيمانُ بالقدر

قال الإمام الهرري رضي الله عنه: إنّ الإيمانَ بالقدر منْ أهمِّ أمورِ الدينِ لأنَّ مَنْ أخطأَهُ فقدْ أخطأَ طريقَ الجنة. الذي لمْ يؤمنْ بالقدرِ حرامٌ عليه الجنة.

(وهذا له أدلّةٌ كثيرة، قال عليه الصلاة والسلام [صنفانِ منْ أمتي لا نصيبَ لهما في الإسلام المُرجِئةُ والقدرية]

وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه البيهقي وأبو داود [إنَّ لكلِّ أمةٍ مجوس ومجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدَر] لأنّهم بقولِهِم إنّ الإنسانَ يخلقُ أعمالَ نفسِهِ الاختيارية وليس الله هو الذي يخلقُها هذا معناه أنّ اللهَ مغلوبٌ في ملكه، معناه أنّ اللهَ سبحانه وتعالى مقهور مغلوبٌ عاجز وأنّ الإنسانَ يخلقُ شيئًا ويُوجدُهُ واللهُ لا يريدُ ذلك الشىء، يعني على زعمِهم جعلوا الإنس والجنّ والملائكة والبهائم شُركاء لله وهذا تكذيبٌ للقرآن.

 

اللهُ يقول {قل اللهُ خالقُ كلِّ شىء}[الرعد/١٦] وقال {واللهُ خلقَكَمْ وما تعملون}[الصافات/٩٦] وقال {هلْ مِنْ خالقٍ غيرُ الله}[فاطر/٣]

إذًا هذه آيات قرآنية وهذه أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وهكذا إجماعُ العلماء إجماع الأمة، الذي نقلَ الإجماع في هذه القضية أيضًا أبو منصور البغدادي في كتابهِ “تفسير الأسماء والصفات” وأبو منصور البغدادي مضى عليه أكثر منْ ألف سنة، هذا الإمام العالِم المحدِّث المؤرّخ الفقيه الذي هو رأس منْ رءوس الأشاعرة عبد القاهر بن طاهر التميميّ البغدادي أبو منصور مات سنة 429 للهجرة، يعني منْ ألف وعشر سنوات تقريبًا.

هذا نقلَ الإجماعَ في كتابِهِ تفسير الأسماء والصفات على تكفيرِ هؤلاء القدرية المعتزلة الذين يقولون بأنَّ العبادَ شركاء مع الله يخلقونَ أعمالَهم الاختيارية وليس الله يخلقُها، وهذه العقيدة الكفرية موجودة إلى اليوم. اليوم أليس بعضُ الناس يقولون الشر ليس بخلقِ الله؟ واحد دكتور يطلع في الفضائيات يقول مثل هذا الكلام له مقطع فيديو بصوتِه وصورتِهِ يقول الشر ليس له خالق، وهذا تكذيبٌ للقرآن، اللهُ يقول {منْ شرِّ ما خلق}[الفلق/٢]، الله عزّ وجلّ قال في القرءانِ الكريم {قلِ اللهُ خالقُ كلِّ شىء}[الرعد/١٦] ما قال خالقُ الخيرِ فقط.

وقال تعالى في القرآن الكريم {أتَعْبُدونَ ما تَنْحِتون واللهُ خلقَكم وما تعمَلون}[الصافات/٩٥-٩٦] 

 

وهذا عبدُ الله بن عباس رضي الله عنهما قال “كلامُ القدَريةِ كفرٌ”.

فهذه العقيدة الكاسدة الفاسدة النجسة التي فيها نسبةُ العجزِ إلى الله ونسبة الشركاءِ إلى الله وأنّ اللهَ مغلوبٌ وضعيفٌ ومقهورٌ ويحصُلُ في ملكِهِ ما لا يرِدْهُ، هذه العقيدة موجودة إلى الآن.

هذا الدكتور على الفضائيات يتكلم ويقول الشر ليس بخلقِ الله. وبعضُ الناس عندما يحصل إشكال أو شجار بين بعضِهم والعياذُ بالله يقول هذا ليس الله خلقَهُ أنا خلقتُهُ، هذا نسبَ الخلقَ والإيجادَ لنفسِهِ جعلَ نفسَهُ شريكًا لله تعالى، يعني جعلَ نفسَهُ يُبرز الأشياءَ منَ العدمِ إلى الوجود. وبعض الفرق والأحزاب التي تنتسب للإسلام والإسلام برىءٌ منها تُكذِّب بمسئلة المشيئة وتكذِّب بمسئلةِ القدر.

 

والرسولُ عليه السلام كما في صحيحِ مسلم وغيرِهِ عندما سُئِلَ عنِ الإيمانِ قال [أنْ تؤمنَ باللهِ وملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ وباليومِ الآخِرِ وبالقدرِ خيرِهِ وشرِّه].

هذا أصلٌ منْ أصولِ الإيمانِ، الإيمان بأنَّ كلَّ ما دخلَ في هذا الكون والعالم بخلقِ اللهِ وقضائِه وقدَرِهِ وتقديرِهِ ومشيئتِهِ وعلمِهِ، هذا أصلٌ منْ أصولِ الدينِ مَنْ كذَّبَ به ما عبدَ الله، مَنْ كذّبَ به ما آمَنَ بالله، جعلَ للهِ شرَكاءَ لا يُحْصَوْن.

لذلك قال بعض فقهاء الحنفية والشافعية قالوا  “القدريُّ أسوأُ حالًا منَ المجوسي” لأنَّ المجوسيّ يقول بأنَّ النور إلهُ الخير والظلمة إلهُ الشرّ، وأمّا القدريّ فجعلَ كلَّ شىءٍ منَ الإنسِ والجنّ والملائكة والبهائم يخلقونَ أعمالَهُمْ فعلى زعمِهمْ يكونونَ قالوا بخالِقِينَ لا يُحصَوْن.

 لذلك قال بعض الفقهاء الحنفية والفقهاء الشافعية “القدريُّ أسوأُ حالًا منَ المجوسي”.

 

إذًا الذي يُكذّب بالقدر ليس منَ المسلمين كما قال سيّدُنا علي بن أبي طالب وهو على منبرِ الكوفة “ليس منّا مَنْ لمْ يؤمنْ بالقدرِ خيرِهِ وشرِّه” ليس منا في هذا الموضع يعني كافر ليس منَ المسلمين.

لماذا على منبرِ الكوفة؟ يعني قدْ يُقال لك علي رضي الله عنه بُويِعَ له بالخلافة في المدينة، صحيح، سيّدُنا علي أمير المؤمنين بابُ مدينةِ العلمِ رضي الله عنه وأرضاه بُويِعَ له بالخلافةِ في المدينةِ المنورة لكنْ بعدَ ذلك انتقلَ إلى الكوفةِ رضي الله عنه وهو في الكوفة في مرةٍ منَ المرات على المنبر خطبَ الناسَ وقال هذه العبارة.

 

إذًا عقيدة كلِّ  الأنبياءِ والأولياء والملائكة والمسلمين السلَف والخلَف أنَّ كلَّ ما دخلَ في هذا الكونِ والعالَم بخلقِ اللهِ وقضائِهِ وقدرِهِ والإنسانُ لا يخلقُ شيئًا منْ أعمالِهِ.

وهؤلاء الذين يقولون لكم مَنْ قال إنّ الإنسان يخلقُ أعمالَهُ الاختيارية وليس الله يخلقُها، مَنْ قال لكمْ عنْ هؤلاء أنهم لا يُكَفَّرون اعرِفوا أنه جاهل خالفَ الأحاديث وخرَقَ الإجماع.

شخص يقول اللهُ له شركاء هل هذا يُختَلَفُ في كفرِهِ؟ شخصٌ يقول العبادُ شركاء مع الله كيف يتوقّف في كفرِهِ أو كيف يقال إنَّ القولَ الصحيح المُعتمَدُ عدَمُ تكفيرِه؟  هذا خَرقٌ للإجماع.

فهذا الإنسان إنْ كان ينتسبُ لحزبٍ أو جماعةٍ تنتسب للإسلام أو كان منَ القدرية أو منْ غيرِهم وقال بأنَّ العبادَ هم يخلقونَ أعمالَهم الاختيارية وليس الله يخلقُها هذا الإجماعُ قائمٌ على كفرِهِ ومَنْ قال بعدمِ تكفيرِهِ فهو جاهلٌ خارقٌ للإجماع لا عبرةَ به ولا بقوْلِهِ).

 

كلُّ شىءٍ بمشيئةِ الله

قال الإمام الهرري رضي الله عنه: لا يحصلُ شىءٌ خيرٌ ولا شر إلا بمشيئةِ الله. الكفرُ والإيمان والطاعةُ والمعصية كلٌّ اللهُ يخلقُها في خلقِهِ ومع ذلك الكفرُ والمعصيةُ اللهُ لا يحبُّها مع ذلك هو يخلقُها في بعضِ البشر

(إبليس مَنْ خلقَهُ؟ الله خالقُ كلِّ شىء هو خلقَ جبريل وخلقِ إبليس، خلقَ الأنبياء والأولياء وخلقَ الكفار، إذًا هذا دليلٌ على أنهُ هو خالقُ الإيمانَ والكفر والطاعة والمعصية والفوز والخسران والتوفيق والخِذْلان. اللهُ تعالى عالمٌ في الأزل مَنْ هو إبليس وماذا سيكون إبليس مع ذلك خلقَهُ، فإنْ كان هو خلقَ إبليس ألا يكون هو خالقًا لأعمالِ إبليس؟ بلى، أليس الله يقول في القرآن {وخلقَ الجآنَّ من مارجٍ من نار}[الرحمن/١٥]؟

 

وقال سيّدُنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه كما روى عنه الحافظ البيهقي والحافظ أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي قال “لو أرادَ الله أنْ لا يُعصى ما خلقَ إبليس”.

إذًا اللهُ هو الذي خلقَ إبليس وهو عالم ماذا سيفعل إبليس وماذا سيكون منْ إبليس.

هو خالقُ كلِّ شىء، لكنْ الإيمان والطاعة والخير والصلاح بخلقِهِ وقضائهِ وقدرِهِ وبأمرِهِ ومحبَّتِهِ ومشيئتِه، أما الكفر والشر والفسق والفجور والمعاصي والآثام فهذا بخلقِ اللهِ وقضائهِ وقدرِهِ ومشيئتِهِ لكنْ ليس بأمرِهِ بمحبّتِهِ ليس برِضاه.

أليس قال في القرآن {ولا يرضَى لعبادِهِ الكفر}[الزمر/٧]؟ ثم أليس الله يقول في القرآن {ويَنهَى عن الفحشآءِ والمُنكَرِ والبغي}[النحل/٩٠] ما قال ويأمر بالفحشاء، إذًا اللهُ يأمرُ بالإيمانِ وينهى عنِ  الكفر، يأمر بالطاعة وينهى عنِ المعصية، يأمر بالخير وينهى عن الشر لكنْ الكلّ بخلقِهِ  لأنهُ لو كان بغيرِ خلقِهِ لكانَ مغلوبًا واللهُ يقول في القرآن {واللهُ غالبٌ على أمرِه}[يوسف/٢١] وقال {وهو القاهرُ فوقَ عبادِه}[الأنعام/١٨]

فلا يكونُ مغلوبًا ولا يكونُ ضعيفًا ولا يكونُ عاجزًا ولا يكونُ مقهورًا ولا يدخلُ في ملكِهِ ما لمْ يُرْدْهُ، هذا لا يجوز هذا دليلُ الضعفِ والعجزِ، والضعفُ والعجزُ على اللهِ تعالى مُحال مستحيل.

 

إذًا هو خالقُ كلِّ شىء لكنْ الشر والكفر ليس بأمرِهِ ومحبَّتِه، بخلقِهِ وقضائِهِ وقدرِهِ لكنْ ليس بأمرِهِ ومحبَّتِه. الإيمان والطاعة بخلقِهِ ومشيئتِهِ وقضائِهِ وقدرِهِ وبأمرِه ومحبَّتِهِ، هذا في الإيمانِ في الطاعة والخير.

لذلك ينبغي أنْ تنتبهوا لأنك أحيانًا إذا قلتَ كلّ شىء بخلقِ الله ماذا يفهم بعض الجهال أو يظنون؟ أنّ الكفرَ والشر بأمرِالله، لا ليس هكذا، فرقٌ كبير، نحنُ لا نقول الكفر بأمرِ الله حاشى، اللهُ نهى عن الكفر، لا نقول الشر والمعاصي بمحبةِ الله لا، نحنُ نقول بخلقِ الله بقضاءِ اللهِ وقدرِه.

 

فالأمر ليس هو المشيئة لو كان الأمر هو المشيئة كان إسماعيل ذُبِحَ عندَما أُمِرَ إبراهيم بذبحِ إسماعيل، اللهُ أليس أمرَ إبراهيم عليه السلام؟ بلى، إبراهيم شحذَ السكين، سنّها، هذه السكين وضعَها على عنُقِ إسماعيل وجعلَ يُمِرُّها فلا تقطع ولا تحكي شيئًا، لو كان الأمرُ هو المشيئة كان إسماعيل ذُبِح، اللهُ أمرَ إبراهيم بالذبح لكنْ ما شاء لإسماعيل أنْ يُذبَحَ معَ أنّ السكين أمرَّها إبراهيم على عنقِ إسماعيل.

بل قال علماءُ التفسيرِ والسِّير لما لمْ تقطع صار يطعَنْ فيها طعنًا مع ذلك لمْ تؤثر في عنقِ إسماعيل.

والكَبش الذي نزلَ به جبريل جلدُهُ أغلظ أسمك منْ جلدِ إسماعيل وعليه الصوف قطّعَهُ إبراهيم وضعَ السكين على عنُق هذا الكبش أمرّها فذبَحَ الكبش {وفَدَيْناهُ بذِبحٍ عظيم}[الصافات/١٠٧] اللهُ يقول.

لاحظوا السكين هي هي قطعَتْ عنُق الكبش ولمْ تقطع عنُق إسماعيل، هذا شاءَهُ اللهُ أنْ يُقطَعَ ويُذبَحَ أما عنُق إسماعيل اللهُ ما شاءَ له أنْ يُذبَح.

إذًا لو كان الأمر هو المشيئة كان إسماعيل ذُبِحَ لكنْ الواقع أنّ إسماعيل لمْ يُذبَح لأنَّ اللهَ قال {وفدَيْناهُ بذِبحٍ عظيم}[الصافات/١٠٧]

عندما نقول كلُّ شىءٍ بمشيئةِ اللهِ وقضائِهِ وقدرِهِ وخلقِهِ ليس معنى هذا أنّ الكفرَ والشرّ بمحبّتِهِ وبرضاه لا، اللهُ لا يحبّ الكفر اللهُ لا يحبُّ المعاصي بل ينهى عنها، {إنّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربَى ويَنهى عنِ الفحشآء والمُنكرِ والبغي}[النحل/٩٠] الله لا يأمرُ بالفحشاء ولا يأمرُ بالمنكر ولا بالبغي.

كلّ شىء بخلقِ اللهِ بمشيئةِ الله بقضاءِ اللهِ وقدرِهِ بإيجادِ الله، لكنْ الشر والكفر والمعاصي ليس بأمرِه ولا برضاه ولا بمحبّتِهِ. فالكافر والعاصي استحقّا العذاب لأنهما فعلَا ذلك بإرادتهِما تحتَ مشيئةِ الله، سبقَ في علمِ اللهِ  الأزلي أنّ هذا الكافر هو يختارُ الكفرَ بإرادتِهِ فحصلَ منه ما علمَ اللهُ في الأزل أنه يحصُل، ما أرادَ اللهُ في الأزلِ حصل منْ هذا الكافر لأنّه كلّ شىءٍ بمشيئةِ الله

{وما تشآءونَ إلا أْنْ يشآءَ اللهُ رب العالمين}[التكوير/٢٩]

 

هنا قضية مهمة: عندما نقول هذا الكافر كفرَ بمشيئةِ الله ليس مُرغَمًا وليس رَغمًا عنْ إرادتِهِ، له إرادة وله اختيار، ليس مجنونًا ليس نائمًا ليس غائبَ الحسِّ والعقل والوعي، لمْ يكنْ مهدَّدًا ومُجْبَرًا بالذبحِ والقتلِ لا، بإرادتِهِ اختارَ الكفر، حصلَ منه ما علمَ اللهُ في الأزل، ما أرادَ اللهُ في الأزل أنّ هذا الإنسان هو سيختارُ الكفرَ بإرادتِهِ وليس مُجْبَرًا، فلمّا فعل الكفرَ وفعلَ المعاصي بإرادتِهِ استحقَّ العذابَ والعقاب.

هو عصى الله وهو مكلّف فاستحقَّ العذاب، هذه القضية ينبغي أنْ تُفهَمَ على حقيقتِها لأنّ منَ الناس مَن يزيغونَ ويَضِلّونَ فيكفُرونَ لأنهم يعتقدونَ أنّ الإنسانَ يخلقُ أعمالَ نفسِهِ الاختيارية وليس الله يخلقُها أو يعترضونَ على الله يقولون طالما أنهُ هو بمشيئة اللهِ عصى أو كفر وطالما كلّ شىء بمشيئةِ الله فلماذا يُعذِّبُنا لماذا يُعاقبُنا؟ يعترضونَ على الله فيكفرون، اللهُ لا يُعترَضُ عليه فعّالٌ لما يريد. وهؤلاء الذين عصَوا وكفروا بإرادتِهم، الواحد منهم ليس مجنونًا ليس نائمًا ليس مُجبَرًا ليس غائبَ الوعي والعقل، إنما بإرادتِهِ زنا ليس مُجبرًا، بإرادتِهِ سرَق باختيارِهِ وكلّ شىء بمشيئةِ الله لأنهُ أصلًا لو كانَ شىء بغيرِ مشيئةِ الله لكانَ اللهُ مغلوبًا وكيفَ يكونُ الإلهُ مغلوبًا؟ لكنْ حصلَ منْ هذا الكافر ما علِمَ الله في الأزل أنّ هذا الكافر هو الذي يختارُهُ وليس مُجبَرًا فحصلَ منه ما أرادَ اللهُ وما علمَ في الأزل، حصلَ منه ما سبقَ في علمِ اللهِ الأزليّ أنه هو يفعلُهُ بإرادتِهِ وليس مُجبَرًا لذلك استحقَّ العذاب والعقاب ولذلك المؤمن استحقَّ الثواب واستحقَّ الجزاء الحسن على الإيمان وعلى الطاعات).


 قال الإمام الهرري رضي الله عنه: اللهُ تعالى هو خالقُ كلِّ شىء يخلقُ الخيرَ والشرّ والطاعةَ والمعصية لكنْ يحبُّ الإيمانَ والطاعة ويكرهُ الكفرَ والمعصية ويحبُّ المؤمنين ويكرهُ الكافرين

(بعضُ الناسِ منْ شدةِ جهلِهِم يقولون كيف تقولون اللهُ لا يحبُّ الكافرين أليس هو خلقَهم إذًا هو يحبُّ الكل، ردّوا عليهم بالقرآن، الله قال {فإنْ تَوَلَّوْا فإنَّ اللهَ لا يحبُّ الكافرين}[آل عمران/٣٢] إذا كان اللهُ لا يحبُّهم والأنبياء لا يحبونهم والأولياء لا يحبونَهم والملائكة لا تحبُّهم كيف نحبُّهم نحن؟

بل هؤلاء اللهُ لعنَهم في آياتٍ كثيرة في القرآن اللهُ طردَهمْ منْ رحمتِهِ لأنهم كفروا بالله سبُّوا اللهَ شتموا اللهَ أشركوا بالله اعتقدوه جسمًا اعتقدوهُ جالسًا على العرشِ  اعتقدوه مُتغيِّرًا حجمًا كميةً، هو خالقُ الكلِّ نعم لكنْ لا يحبُّ الكل.

فإذا قالوا لكم كيف يكونُ هو خلقَهم ولا يحبُّهم قولوا لهم هو خلقَ إبليس أيضًا هل يحبُّ إبليس؟ هو خلقَ جبريل وخلقَ إبليس، يحبُّ جبريل ويُبغِضُ إبليس، اللهُ لا يحبُّ الكافرين القرآن واضح وصريح).

 

قال الإمام الهرري: إنْ قال قائل اللهُ يحبُّ المؤمنينَ والكافرين هذا كفر خرجَ منْ دينِ الإسلام، القرآنُ يقول {فإنَّ اللهَ لا يحبُّ الكافرين}[آل عمران/٣٢] إذا قال شخصٌ لا إله إلا الله لكنْ ما صدّقَ سيّدَنا محمدًا صلى الله عليه وسلم هذا كافر. لا يكونُ الشخصُ مؤمنًا إلا بالإيمانِ باللهِ وبسيِّدِنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

(وهذا له أدلةٌ كثيرةٌ أليس الله يقول {ومَنْ لمْ يؤمِنْ باللهِ ورسولِهِ فإنّآ أعْتَدْنا للكافرينَ سعيرًا}[الفتح/١٣] لماذا كان هذا الإنسان منَ الكافرين؟ لأنهُ لمْ يؤمنْ بالرسول ومِنْ شرطِ صحةِ الإيمانِ باللهِ الإيمان بالرسول، ومِنْ شرطِ صحةِ الإيمان بالرسولِ تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم.

فالذي يقول أنا لا أُصدِّق بمحمدٍ والعياذُ بالله هذا لمْ يؤمنْ بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم. الذي يقلوُ أنا أعترف بوجودِ الله لكنْ لا أُصدِّقْ بمحمد، هذا ما آمَنَ بالله.

{قلْ أطيعوا اللهَ والرسولَ}[آل عمران/٣٢] أي بالإيمانِ بهما، {فإنْ تَوَلَّوْا}[آل عمران/٣٢] يعني أعرضوا عنِ الإيمانِ بالله وأعرضوا عن الإيمانِ برسولِ الله قال ربُّنا {فإنَّ اللهَ لا يحبُّ الكافرين}[آل عمران/٣٢] هذا كافرٌ لأنهُ لمْ يؤمنْ باللهِ ورسولِهِ، آياتٌ كثيرة تدلُّ على أنَّ مَنْ لمْ يؤمنْ بالرسولِ هو كافر لمْ يؤمنْ باللهِ تعالى).

 

قال الإمام الهرري: اللهُ يُشَفِّعُ القرآنَ فينا هذا يصِحّ، معناه اللهُ يجعلُ القرآنَ شفيعًا لنا في الآخرة هذا صحيح. القرآنُ حجةٌ لِمَن اتّبَعَهُ وخصمٌ لِمَنْ لم يتّبِعْهُ.

إذا شخصٌ حفظَ القرآنَ لكنْ لا يتَّبِعُهُ لا يُحرِّمُ ما حرّمَهُ القرآن ولا يفعلُ ما أوْجبَ القرآن هذا القرآنُ حجةٌ عليه خصمٌ له في الآخرة. فمَن اتَّبَعَ القرآنَ يكونُ حجةٌ له في الآخرةِ شاهدًا له.

 

(هذه العبارة اللهُ يُشفِّعُ القرآنَ فينا يصح معناه اللهُ يجعل القرآنَ شفيعًا لنا في الآخرة، معنى هذه العبارة الإنسانُ المسلم الذي قرأَ القرآن الذي آمَنَ بالقرآنَ صدَّقَ بالقرآنِ وتَلا سورًا منَ القرآنِ آيات منَ القرآن، ثواب هذه السوَر تأتي يومَ القيامة فيَنْتَفِع بها هذا المؤمن يوم القيامة.

كما وردَ أنَّ سورةَ البقرة وآل عمران تشفعانِ يومَ القيامةِ، تأتيانِ كالغمامتين فتشْفَعانِ لقارِئِهما.

هذا معناه أنّ ثوابَ قراءةِ سورةِ البقرة وثوابَ قراءة سورة آلِ عمران هذا معناه، يعني ثواب قراءة القرآن كالغمامتينِ فيحصُلُ الانتفاع بثوابِهما، هذا يحصُلُ لِقارىءِ القرآن فهذا ما فيه ضرر إذا قيل اللهُ يُشفِّع القرآن فينا معناه ننتفع بالقرآن ببركاتِ القرآن بثوابِ القرآن، القرآن له بركات عظيمة تظهر يومَ القيامة فينتَفِعُ المؤمن بها.

لكنْ الذي لا يعمل بالقرآن أو يقرأ القرآن بلسانِه ويكَذّبُهُ هذا القرآن خصمُهُ وحجة عليه. أليس وردَ عن بعضِ الصحابةِ أنه قال “رُبَّ تالٍ للقرآنِ والقرآنُ يلعَنُهُ “؟ كهؤلاءِ الذين يقولون اللهُ جالس على العرش الله قاعد في السماء ويقرأونَ القرآنَ ليلًا ونهارًا القرآنُ يلعنُهم والقرآن حجة عليهم.

أليس في القرآن {ليس كمثلِهِ شىء}[الشورى/١١]؟ كيف يقولون جسم وجالس وقاعد؟

وكهذا الذي يقول اللهُ له أُذُن كان يحفظ القرآن على القراءات السبع والقرآن يقول {ليس كمثلِه شىء}الشورى/١١] وهذا القرآن يكونُ حجة عليه وليس له.

إذًا الذي يقرأ سورة آل عمران وسورة البقرة ينتفع بثوابِهِما يكونانِ كغمامتيْنِ يومَ القيامةِ ينتفع بأجرِهِما نفعًا عظيمًا. فيُقال القرآن يشفع أو الله يشفّع فينا القرآن يعني ينفعُنا بثوابِ القرآن ببركاتِ القرآن نُنْقَذ بالقرآنِ بثوابِهِ يومَ القيامةِ هذا ما فيه بأس ولا فيه ضرر.

القرآن حجة لِمَنْ يعمل به آمنَ به صدّقَ به على العقيدة الصحيحة أما مَنْ كانَ مُكَذِّبًا للقرآن مَنْ كان مُعارِضًا للقرآن مُخالفًا لأوامرِ القرآن فالقرآنُ حجة عليه لا له.

قال بعضُ الصحابةِ “ربَّ تالٍ للقرآنِ والقرآنُ يلعنُهُ” وهؤلاء الخوارج كانوا يحفظونَ القرآنَ ويتْلونَهُ في الليلِ والنهار مع ذلك قال الرسول في وصفِهِم [يقرءونَ القرآنَ لا يُجاوزُ تَراقِيَهم] – حناجرَهم – لا يصل إلى قلوبِهم فقط بألسنتِهم.

[يَمرُقونَ منَ الإسلامِ مُروقَ السهمِ منَ الرّمِية ثم لا يعودونَ فيه] هؤلاء كانوا يحفظونَ القرآن ويقرؤونَهُ في الليلِ والنهار.

إذًا القرآن حجة لِمَنْ عمِلَ به والتزمَ أحكامَهُ وصدّقَ العقيدة التي جاءَ بها القرآن.

والحمدُ لله رب العالمين.