الإثنين فبراير 6, 2023

النسيان الجائز في حقهم عليهم السلام

وأما النسيان الجائز عليهم فهو كالسلام من الركعتين كما حصل مع الرسول ﷺ فقد ورد أنه قيل له عليه الصلاة والسلام: «أَقَصُرَت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ قال: «كلُّ ذلك لم يكن»، ثم سأل أصحابَهُ: «أصدق ذو اليدين؟» – وهو السائل -فقالوا: نعم، فقام فأتى بالركعتين. رواه مسلم([1]). وقد شرحه النوويّ فقال: «قوله: «صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة العصر فسلم في ركعتين فقام ذو اليدين» وفي رواية: «صلاة الظهر» قال المحققون: هما قضيتان، وفي حديث عمران([2]) بن الحصين «سلَّم رسول الله ﷺ في ثلاث ركعات من العصر ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له: الخِرْباق، فقال: يا رسول الله. فذكر له صنيعه»، وفي رواية له: «سلّم في ثلاث ركعات من العصر ثم قام فدخل الحجرة فقام رجل بسيط اليدين فقال: أقصرت الصلاة؟ وحديث عمران هذا قضية ثالثة في يوم آخر. والله أعلم. قوله: «وأُخبرت عن عمران بن حصين أنه قال: وسلم، والقائل وأُخبرت هو: محمد بن سيرين([3]). قوله: «أقصرت الصلاة أو نسيت؟ فقال رسول الله ﷺ: «كُلُّ ذلك لم يَكُنْ» فيه: تأويلان: أحدهما – قاله جماعة من أصحابنا في كتب المذهب -: أن معناه لم يكن المجموع، فلا ينفي وجود أحدهما. والثاني – وهو الصواب -: معناه: لم يكن لا ذاك ولا ذا في ظني؛ بل ظني أن أكملت الصلاة أربعًا، ويدلّ على صحة هذا التأويل وأنه لا يجوز غيره أنه جاء في روايات البخاريّ في هذا الحديث أن النبيَّ ﷺ قال: «لم تُقْصَرْ ولم أَنْسَ» فنفى الأمرين. هذا كلام أبي عمر بن عبد البَرّ([4]) مختصرًا. ثم قال: فإن قيل: كيف تكلم ذو اليدين والقوم وهم بعد في الصلاة؟ فجوابه من وجهين، أحدهما: أنهم لم يكونوا على يقين من البقاء في الصلاة لأنهم كانوا مُجَوّزين نسخ الصلاة من أربع إلى ركعتين، ولهذا قال: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ والثاني: أن هذا كان خطابًا للنبيّ ﷺ وجوابًا، وذلك لا يبطل عندنا وعند غيرنا، والمسألة مشهورة بذلك، وفي رواية لأبي داود بإسناد صحيح أن الجماعة: أَوْمَؤُوا، أي: نعم. فعلى هذه الرواية لم يتكلموا، فإن قيل: كيف رجع النبيّ ﷺ إلى قول الجماعة وعندكم لا يجوز للمصلّي الرجوع في قدر صلاته إلى قول غيره إمامًا كان أو مأمومًا ولا يعمل إلا على يقين نفسه؟ فجوابه: أن النبيّ ﷺ سألهم ليتذكَّر فلمَّا ذكَّروه تذكَّر فعلم السهو فبنى عليه، لا أنه رجع إلى مجرد قولهم. ولو جاز ترك يقين نفسه والرجوع إلى قول غيره لرجع ذو اليدين حين قال النبيّ ﷺ: «لم تُقصَر ولم أنسَ»، وفي هذا الحديث دليل على أن العمل الكثير والخطوات إذا كانت في الصلاة سهوًا لا تبطلها، كما لا يبطلها الكلام سهوًا. وفي هذه المسألة وجهان لأصحابنا أصحهما عند المتولي([5]): لا يبطلها، لهذا الحديث. فإنه ثبت في مسلم أن النبيّ ﷺ مشى إلى الجذع وخرج السَّرَعَان([6]). وفي رواية: «دخل الحجرة ثم خرج ورجع الناس وبنى على صلاته» والوجه الثاني – وهو المشهور في المذهب – أن الصلاة تبطل بذلك، وهذا مشكل، وتأويل الحديث صعب على من أبطلها. والله أعلم»([7]).اهـ.

أما ما أُمِر النبيُّ ﷺ بتبليغه من القرءان الكريم فلا ينسى منه شيئًا قبل تبليغه، أما بعد تبليغه للناس فقد ينسى شيئًا منه لمدة ثم يتذكره.

[1])) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: السهو في الصلاة والسجود له، (2/86)، رقم 1316.

[2])) عمران بن حصين بن عبيد، أبو نجيد الخزاعي من علماء الصحابة (ت52هـ)، أسلم عام خيبر وكانت معه راية خزاعة يوم فتح مكة. الأعلام، الزركليّ، (5/70).

[3])) محمد بن سيرين البصري، الأنصاري بالولاء، أبو بكر (ت110هت)، إمام وقته في علوم الدين بالبصرة. تابعي من أشراف الكتاب. مولده ووفاته في البصرة. نشأ بزَّازًا يبيع الثياب. وتفقه وروى الحديث، واشتهر بالورع وتعبير الرؤيا. واستكتبه أنس بن مالك بفارس. وكان أبوه مولى لأنس. الأعلام، الزركلي، (6/154).

[4])) يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي – كان مجسمًا -، أبو عمر (ت463هت)، مؤرخ. ولد بقرطبة. ورحل رحلات طويلة في غربي الأندلس وشرقيها. وتوفي بشاطبة. من كتبه: (الدرر في اختصار المغازي والسير) و(العقل والعقلاء)، و(الاستيعاب). الأعلام، الزركلي، (8/240).

[5])) عبد الرحمن بن مأمون النيسابوري، أبو سعيد، المعروف بالمتولي (ت478هـ)، فقيه مناظر عالم بالأصول. ولد بنيسابور وتعلم بمرو. وتولى التدريس بالمدرسة النظامية، ببغداد، وتوفي فيها. له: (تتمة الإبانة للفوراني) كبير في فقه الشافعية، لم يكمله، وكتاب في الفرائض مختصر، وكتاب في أصول الدين مختصر. الأعلام، الزركلي، (3/323).

[6])) قال بدر الدين العيني ما نصّه: «قال ابن الأثير: السّرعان – بفتح السين والراء – أوائل الناس الذين يتسارعون إلى الشيء ويقبلون عليه بسرعة، ويجوز تسكين الراء».اهـ. عمدة القاري شرح صحيح البخاري، بدر الدين العيني، (7/185).

[7])) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، النوويّ، (2/346)، رقم 896.