الجمعة أبريل 19, 2024

الأمر بإخلاص العمل لله

قال المجدد المحدث الشيخ عبد الله بن محمد العبدريُّ الشَّيبيُّ رحمه الله تعالى وكان فِي عمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية:

الحمد لله ربّ العالمين حمدًا كثيرًا طيبًا مباركا عليه  كما يحب ربنا ويرضاه.

أمَّا بعدُ: فإن الله تبارك وتعالى منَّ على أمة محمد r بأن جعل دينهم([i]) دائمًا مستمرًّا حتى تقوم القيامة وذلك لأنه ءاخر الأنبياء وأمته ءاخر أمم الأنبياء ليس بعد سيدنا محمد r نبيّ ءاخر فمن ادّعى لنفسه أو ادّعى النبوة لغيره فقد كفر ومن شك فِي كفره فقد كفر.

وهذا يلتقِي مع حديث «نحن السابقون الآخِرون»([ii]).اهـ. من حيث الظهور فِي الدنيا أمة محمد هم الآخِرون ومن حيث دخول الجنة هم السابقون لا تدخل أمة من أمم الأنبياء الجنة إلا بعد دخول أمة محمد r وذلك لشرف نبيهم وأفضليته على كل خلق الله. ثم إنه تبارك وتعالى حفظ هذه الأمة عن أن تَضِلَّ أكثرُها وإنما يضل مَن شذ عن الجمهور لذلك أوصى بثلاث قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاثٌ لا يَغِلُّ عليهن قلبُ المؤمن إخلاصُ العمل لله ومناصحةُ أُولِي الأمر ولزومُ جماعة المسلمين فإنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مَن وراءهم»([iii]).اهـ.

إخلاص العمل لله معناه: أن يعمل الإنسان الحسنات لله تعالى وحده، أي: من غير أن يخلط فِي نيته أن يحمده الناس أو أن ينظر إليه الناس بعين الإجلال والإكرام؛ لأن مَن عَمِلَ حسنة من الحسنات ليحمده الناس ليس له أجر إلا الذنب، ومن عمل الحسنة بنيتين بنية طلب الأجر من الله ونية أن يحمده الناس كذلك ليس له شيء من الأجر إلا المعصية وهذا معنى قوله u: «إخلاصُ العمل لله».اهـ.

أيُّ حسنة يعملها المسلم إن لم ينو بها نية حسنة فليس له منها ثواب، كثير من الناس بل أكثر الناس يتعبون فِي تربية أولادهم حن حين يولدون إلى أن يَكْفُوا أنفسهم يتبعون فِي خدمتهم والإنفاق عليهم ورعايتهم لكن لا ينوون فِي تربية أولادهم ورعايتهم والإنفاق عليهم التقربَ إلى الله إنما ينوون أن يربوا أولادهم كما يُرَبِّي الناس حتى لا يقال فلان لا يرعَى أولاده فلانةُ لا ترعَى أولادها لهذا أكثر الناس يتعبون فِي خدمة وتربية ورعاية أولادهم من الصغر من حين يولدون إلى أن يبلغوا هؤلاء ويذهب تعبهم بلا أجرٍ؛ بل مَن يُرَبِّي أولاده برعاية وعناية ليقول الناس فلان يُرَبِّي أولاده تربية حسنة هذا عليه ذنب بدل أن يكون له أجر. أما من أنفق على أولاده وهو ينوِي كلَّ مرة أن الله تعالى هو أمر بتربية الأولاد والإنفاق عليهم ورعايتهم فلذلك أنا أربّي أولادي وأنفق عليهم وأرعاهم هذا له أجر عظيم. كذلك النفقة التي ينفقها على زوجته إذا لم يَنْوِ بها التقرب إلى الله بل أراد أن يقول الناس إنه يُعَيِّشُ زوجته عيشة حسنة ليس له أجر والدليل على ذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال لسعد بن أبِي وقّاص: «إنك لن تنفق نفقةً تبتغِي بها وجه الله إلا أُجِرْتَ عليها حتى ما تجعلُهُ فِي فم امرأتك»([iv]).اهـ. اللقمة التي تلقمها امرأتك بيدك إن نويت بها وجه الله لك أجر هذه اللقمة الواحدة لذلك الذي لا يَنْوِي وجه الله إنما يَنْوِي موافقة عادةِ الناس أنهم ينفقون على أزواجهم وينفقون على أولادهم، الذي يعمل لهذا ليس له ثواب مهما كثر تعبه، وما أكثر تعبَ الوالدين، ءاباءٌ يتحملون الكد الشديد حتى يحصّلوا لأولادهم النفقة لكن أتعابهم بلا ثواب. النية هي أساس العمل، الله تبارك وتعالى لا يقبل عملًا أُشرك فيه معه غيرُه.

كثير من الناس يبنون المساجد وينوون السمعة فيقال فلان بَنَى هذا المسجد إما لجهلهم بعلم الدين وإما نفوسهم غافلة لـمّا يُقدمون على العمل لا يخطر ببالهم إلا مراعاة الناس لا يخطر ببالهم طلب الأجر من الله بالتقرب إليه بما أمر به من العمل الحسن، فليحاسب المسلمُ نفسه فِي كل أعماله لِيَقُلْ فِي كل أعماله أنا لماذا أعملُ هذا العمل هل أعمله للتقرب إلى الله فقط أم لماذا أُقْدِمُ على هذا فإذا كانت نيته فاسدة يغيّر نيته يقول لا أعمل هذا العمل إلا للتقرب إلى الله لا أَخلط به أن يَرى لي الناسُ ويحمدوني ويذكروني بأن فلانًا فعل كذا لا أُريد أن يقال فلان فاعل خير، وكذلك المرأة لا تريد أن يقال عنها فاعلة خير، كثيرٌ من النساء يعملن وَقْفًا، هذا إن لم ينوين نية خالصة فليس لهن أجرٌ. ومن كان فِي ما مضى من عمره يعمل بغير هذه النية الشرعية فَلْيَتُبْ وليستأنفِ العملَ بالنية الخالصة لله تعالى فإن القليل من العمل الحسن الذي يكون بإخلاص النية لله عند الله كثيرٌ، والكثير الذي يفعله الإنسان بغير نية خالصة كالعدم كأنه ما عمل شيئًا؛ بل إن كان عمله للرياء فَوِزْرُهُ عظيمٌ، الرياء من الكبائر، اليسيرُ من الرياء شرك أي يشبه الشركَ، الذي ينوِي محمدة الناس له بصلاته أو بصيامه أو بقراءته القرءان أو تعليمه العلمَ أو حَجِّهِ أو زكاته أو بر الوالدين أو غير ذلك من الحسنات فعمله هباء منثور، ثم لو كان أمره يكون فِقدانَ الثواب فقط لكان أهون لكن يُحرم الثواب ويُكتب عليه ذنبٌ كبيرٌ، الذي يعمل الحسنة من الحسنات ليحمده الناس أو لأجل الأجر ولمحمدة الناس أشرك بين النيتين هذا ليس له من الأجر شيء وإنما استفاد معصية كبيرة أما من يعمل العمل الحسن لله مهما قلَّ فإنه عند الله كبير، وهذا أيضًا فيه شرطٌ إن كان العمل يتعلق بالمال كالصدقة يشترط أن يكون ذلك المال حلالًا أما إن كان اكتُسب من طريق حرام فإنه كالعدم مهما كان كثيرًا، رجل من أغنياء بيروت مرة قال الآن أنا محتاج لِأَسُدَّ دُيوني ءاخذ من البنك بطريق الربا وأسد ديوني ثم بعد ذلك أَبْنِي مسجدًا قلت له لا يقبل الله منك، المعاملة مع البنوك بوضع المال فيها وأخذ الزيادة المتفق عليها بين الطرفين حرامٌ، المالُ الذي يُتصدق به من هذا الطريق ليس فيه ثواب بالمرة، لكن اليوم كثر الابتلاء بهذا فالـمُخلّص من المعصية فِي مذهب أبي حنيفة أن يضع مالًا فِي بلاد الكفار ويأخذ الفائض يَحِل عندهم لأنه ما أخذه من مسلم عندهم لا يكون الربا بين مسلم وكافر حربي فِي بلاد الكفر إذا عامل المسلمُ كافرًا فِي بلاد الحرب بلاد الكفر لا يكون فيه معصية أما عند الإمام الشافعيّ لا فرق بين أن يكون مع مسلم وبين أن يكون مع كافر هو ربًا عنده، لكن مذهب أبي حنيفة فِي هذا الزمن فسحة كبيرة، فِي مذهبه فسحة كبيرة.

هنيئًا لمن عملوا أعمالًا يرضاها الله تعالى. يوجد فِي حلب مسجد يقال له: المسجد العثماني مسجد كأنّه قلعة بناء محكم وكبير وحوله حُجَرٌ نحوُ أربعين حجرة بُنِيَتْ لطلبة العلم ووُقِفَ على هذا المسجد أوقافٌ هي تحمل اليومَ مساجدَ حلب، غَلَّةُ أوقافه تحمل مساجدَ حلب، بناه رجلٌ يقال له: عثمان باشا من الأتراك الأتقياء كان فِي ءاخر أيام العثمانيين من مائة سنة، الله رزقه مالًا واسعًا بطريق الحلال بَنَى هذا المسجد وبَنَى حوله هذه الحُجَر ثم بعد أن أكمل عملَ هذا المسجد ذهب إلى المدينة فجاور ستة أشهر وكان يسمع أذان هذا المسجد وهو بالمدينة يَعْنِي صار من الأولياء ثم انقطع عنه سماع الصوت ثم جاءه واحد من حلب فقال له: ما حال فلان، أي: المؤذن بجامعه قال له تُوُفِّي. كان يوجد فِي الأغنياء فِي ما مضى مثل هذا الرجل، اللهُ رزقه من مال حلال وصار من الأولياء، الأوقاف التي وقفها لهذا المسجد ولهذه الحُجَر تغل ملايين وفي أيام الانتداب الفرنسي أُخذ منها قطعة كبيرة أُعْطِيَتْ للنصارى ومع هذا فإنَّ القدر الذي بَقِيَ غَلَّتُهُ من كَثْرَتِها هي تَحمل مساجد حلب. اللهُ تعالى يرزق بعض المؤمنين من المال الحلال الكثير الكثير ويوسع عليهم حتى يعملوا منه مبرات وحسنات وأما اليوم كثيرٌ من أموال الناس حرام لا يُجْرُونَها على القواعد الشرعية. انتَهَى.

وسبحان الله والحمد لله ربّ العالمين.

والله أعلم وأحكم.

[i])) أي: شريعتهم.

[ii])) رواه البخاريّ فِي صحيحه، باب: يقاتل من وراء الإمام ويتقى به

.

[iii])) رواه الترمذيُّ فِي السنن وغيره.

[iv])) رواه البخاريّ فِي صحيحه، باب: ما جاء إن الأعمال بالنية والحسبة ولكل امرئ ما نوى.