تفسير سورة العلق

سُورَةُ الْعَلَق
مَكِّيَّةٌ بِالإِجْمَاعِ وَهِيَ تِسْعَ عَشْرَةَ ءَايَةً

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: هِيَ أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْءَانِ وَهُوَ قَوْلُ مُعْظَمِ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللـهِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ
[اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ]
اهـ
وَأَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنْهَا إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى
[عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ]
وَبَقِيَّةُ السُّورَةِ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَانٍ، قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ
قَوْلُهُ تَعَالَى
[اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]
أَيِ اذْكُرِ اسْمَهُ تَعَالَى مُسْتَفْتِحًا بِهِ قِرَاءَتَكَ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ الْخَلائِقَ
[خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ]
أَيْ خَلَقَ اللـهُ ابْنَ ءَادَمَ مِنْ عَلَقٍ، جَمْعُ عَلَقَةٍ، وَالْعَلَقَةُ: الدَّمُ الْجامِدُ الَّذِي لَمْ يَيْبَسْ، وَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللـهِ بنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللـهُ عَنْهُ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللـهِ صَلَّى اللـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدُّ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَالنُّطْفَةُ: الْمَنِيُّ، وَالْعَلَقَةُ: الْقِطْعَةُ الْيَسِيرَةُ مِنَ الدَّمِ الْغَلِيظِ، وَالْمُضْغَةُ: قِطْعَةُ لَحْمٍ قَدْرُ مَا يُمْضَغُ
[اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ]
هَذَا تَأْكِيدٌ لِلأَوَّلِ وَهُوَ تَعَالَى الْكَرِيمُ الأَكْرَمُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ، وَالأَكْرَمُ صِفَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْكَرَمِ
[الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ]
أَيْ عَلَّمَ الإِنْسَانَ الْكِتَابَةَ بِالْقَلَمِ، وَأَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِهِ نَبِيُّ اللـهِ إِدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ
[عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ]
أَيْ مِنَ الْخَطِّ وَالصَّنَائِعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالإِنْسَانِ هُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ
[وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ]
[كَلَّا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَّءَاهُ اسْتَغْنَى]
قَوْلُهُ تَعَالَى
[كَلَّا]
هُوَ رَدْعٌ وَزَجْرٌ لِمَنْ كَفَرَ بِنِعْمَةِ اللـهِ بِطُغْيَانِهِ وَقَوْلُهُ
[إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى]
يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ، وَهُوَ عَمْرُو بنُ هِشَامٍ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ فَكَانَ مِنْ قَتْلاهَا السَّنَةَ الثَّانِيَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ، أخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالطُّغْيَانُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِي الْعِصْيَانِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى
[أَنْ رَّءَاهُ اسْتَغْنَى]
أَيْ لَئِنْ رَأَى نَفْسَهُ اسْتَغْنَى أَيْ صَارَ ذَا مَالٍ وَثَرْوَةٍ اسْتَغْنَى بِمَالِهِ عَنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ
[إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى]
وَالرُّجْعَى: الرُّجُوعُ وَالْمَرْجِعُ، وَفِيهِ وَعِيدٌ لِلطَّاغِي الْمُسْتَغْنِي وَتَحْقِيرٌ لِمَا هُوَ فِيهِ حَيْثُ إِنَّ مَآلَهُ إِلَى الْبَعْثِ وَالْحِسَابِ فَيُجَازَى عَلَى طُغْيَانِهِ
[أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى]
وَالْمُرَادُ بِالَّذِي يَنْهَى أَبُو جَهْلٍ حَيْثُ إِنَّهُ نَهَى رَسُولَ اللـهِ صَلَّى اللـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلاةِ فِي الْمَسْجِدِ
أَخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
[أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى]
أَيْ أَرَأَيْتَ يَا أَبَا جَهْلٍ إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ أَلَيْسَ نَاهِيهِ عَنِ التَّقْوَى وَالصَّلاةِ هَالِكًا
[أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللـهَ يَرَى]
يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ حَيْثُ كَذَّبَ بِكِتَابِ اللـهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَعْرَضَ عَنِ الإِيـمَانِ، وَاللـهُ تَعَالَى يَرَاهُ وَيَعْلَمُ فِعْلَهُ، وَهَذَا تَوْبِيخٌ لِأَبِي جَهْلٍ
[كَلَّا لَئِنْ لَّمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ]
رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللـهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأَيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ لَأَطَأَنَّ عَلَى عُنُقِهِ فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: لَوْ فَعَلَهُ لَأَخَذَتْهُ الْمَلائِكَةُ اهـ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى
[كَلَّا]
رَدْعٌ وَزَجْرٌ لِأَبِي جَهْلٍ وَمَنْ كَانَ فِي طَبَقَتِهِ عَنْ نَهْيِ عِبَادِ اللـهِ تَعَالَى عَنْ عِبَادَةِ اللـهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَوْلُهُ
[لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ]
أَيْ لَنَأْخُذَنَّ بِنَاصِيَتِهِ أَخْذَ إِذْلالٍ، وَالنَّاصِيَةُ: شَعْرُ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، وَسَفَعْتُ بِالشَّىْءِ: إِذَا قَبَضْتُ عَلَيْهِ وَجَذَبْتُهُ جَذْبًا شَدِيدًا، وَخَصَّ النَّاصِيَةَ بِالذِّكْرِ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِيمَنْ أَرَادُوا إِذْلالَهُ وَإِهَانَتَهُ أَخَذُوا بِنَاصِيَتِهِ، وَقَدْ يُعَبَّرُ بِالنَّاصِيَةِ عَنْ جُمْلَةِ الإِنْسَانِ
وَقَوْلُهُ
[نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ]
أَيْ إِنَّ صَاحِبَهَا كَاذِبٌ خَاطِئٌ
[فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ]
أَيْ فَلْيَدْعُ أَهْلَ مَجْلِسِهِ وَعَشِيرَتَهُ فَلْيَسْتَنْصِرْ بِهِمْ وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فَجَاءَ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا فَزَجَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا بِهَا نَادٍ أَكْثَرَ مِنِّي فَنَزَلَتِ الآيَةُ
[سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ]
أَيْ الْمَلائِكَةَ الْغِلاظَ الشِّدَادَ
[كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ] [كَلَّا]
أَيْ لَيْسَ الأَمْرُ عَلَى مَا يَظُنُّهُ أَبُو جَهْلٍ فَلا تُطِعْهُ، أَيْ فِيمَا دَعَاكَ إِلَيْهِ مِنْ تَرْكِ الصَّلاةِ
[وَاسْجُدْ]
أَيْ صَلِّ للـهِ تَعَالَى
[وَاقْتَرِبْ]
أَيْ تَقَرَّبْ إلِىَ اللـهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ
فَائِدَةٌ قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْفِقْهِ الأَكْبَرِ: وَلَيْسَ قُرْبُ اللـهِ تَعَالَى وَلا بُعْدُهُ مِنْ طَرِيقِ طُولِ الْمَسَافَةِ وَقِصَرِهَا وَلَكِنْ عَلَى مَعْنَى الْكَرَامَةِ وَالْهَوَانِ، وَالْمُطِيعُ قَرِيبٌ مِنْهُ بِلا كَيْفٍ وَالْعَاصِي بَعِيدٌ عَنْهُ بِلا كَيْفٍ، وَالْقُرْبُ وَالْبُعْدُ وَالإِقْبَالُ يَقَعُ عَلَى الْمُنَاجِي وَكَذَلِكَ جِوَارُهُ فِي الْجَنَّةِ وَالْوُقُوفُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِلا كَيْفٍ اهـ
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ رَضِيَ اللـهُ عَنْهُم نَفَوُا الْكَيْفَ عَنِ اللـهِ تَعَالَى، وَقَدْ قَالَ الإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ: إِنَّ الَّذِي عَلَيْنَا وَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعْلَمَهُ أَنَّ رَبَّنَا لَيْسَ بِذِي صُورَةٍ وَلا هَيْئَةٍ فَإِنَّ الصُّورَةَ تَقْتَضِي الْكَيْفِيَّةَ وَالْكَيْفِيَّةُ مَنْفِيَّةٌ عَنِ اللـهِ وَعَنْ صِفَاتِهِ