تفسير سورة الشمس

سُورَةَ الشَّمْسِ
مَكِّيَّةٌ بِاتِّفَاقٍ وَهِيَ خَمْسَ عَشْرَةَ ءَايَةً

[وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا]
هُمَا قَسَمَانِ أَقْسَمَ اللـهُ بِهِمَا، قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ مُجَاهِدٌ: ضُحَاهَا ضَوْءُهَا
[وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا]
أَيْ إذَا تَبِعَهَا قَالَهُ الْبُخَارِيُّ، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّمْسَ إِذَا سَقَطَتْ ظَهَرَ الْهِلالُ
وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ
[وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا] أَيْ كَشَفَهَا فَإِنَّ الشَّمْسَ عِنْدَ انْبِسَاطِ النَّهَارِ تَنْجَلِي تَمَامَ الِانْجِلاءِ
[وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا] أَيْ يَغْشَى الشَّمْسَ فَيَذْهَبَ بِضَوْئِهَا عِنْدَ سُقُوطِهَا، وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّيْلَ يُغَطِّي الشَّمْسَ بِظُلْمَتِهِ
[وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا]
أَيْ وَمَنْ بَنَاهَا، وَهُوَ اللـهُ الَّذِي خَلَقَهَا وَرَفَعَهَا
[وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا]
أَيْ وَمَنْ طَحَاهَا، أَيْ بَسَطَهَا مِثْلُ دَحَاهَا، قَالَ الْبُخَارِيُّ: طَحَاهَا دَحَاهَا
[وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا]
وَالْمُرَادُ: كُلُّ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ، وَقِيلَ: ءَادَمُ
[وَمَا سَوَّاهَا]
بِمَعْنَى وَمَنْ سَوَّاهَا وَذَلِكَ فِي الْخِلْقَةِ بِأَنْ سَوَّى أَجْزَاءَهَا وَأَعْضَاءَهَا، قَالَ الأَصْبَهَانِيُّ فِي الْمُفْرَدَاتِ: أَيْ أَنَّ اللـهَ جَعَلَ خِلْقَةَ الإِنْسَانِ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ
وَقَرَأَ أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ وَمَنْ بَنَاهَا وَمَنْ طَحَاهَا وَمَنْ سَوَّاهَا كُلَّهُ بِالنُّونِ
[فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا]
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: الإِلْهَامُ: إِيقَاعُ الشَّىْءِ فِي النَّفْسِ، وَقَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ: إِنَّ اللـهَ تَعَالَى أَلْهَمَ الْمُؤْمِنَ الْمُتَّقِيَ تَقْوَاهُ وَأَلْهَمَ الِكَافِرَ فُجُورَهُ
وَقَالَ سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ: أَلْهَمَهَا أَيْ أَلْزَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ: وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ اللـهَ خَلَقَ فِي الْمُؤْمِنِ تَقْوَاهُ وَفِي الْكَافِرِ فُجُورَهُ
وَقَدْ كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللـهِ صَلَّى اللـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللـهُمَّ ءَاتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا]
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي زَادِ الْمَسِيرِ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ أَفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكَّاهَا اللـهُ وَقَالَ قَتَادَةُ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّى نَفْسَهُ بِطَاعَةِ اللـهِ وَصَالِحِ الأَعْمَالِ أَيْ طَهَّرَهَا بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ
[وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا]
قاَلَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَابَتْ نَفْسٌ أَضَلَّهَا – أَيِ اللـهُ – وَأَغْوَاهَا اهـ، وَقَالَ قَتَادَةُ: خَابَ مَنْ ءَاثَمَ نَفْسَهُ وَأَفْجَرَهَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ: كُلُّ شَىْءٍ أَخْفَيْتَهُ فَقَدْ دَسَسْتَهُ اهـ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْفَاجِرَ أَخْفَى نَفسَهُ وَغَمَسَهَا فِي الْمَعَاصِي فَأَفْسَدَهَا
[كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا]
أَيْ كَذَّبَتْ ثَمُودُ نَبِيَّ اللـهِ تَعَالَى صَالِحًا وَثَمُودُ قَبِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ وَكَانُوا عَرَبًا يَسْكُنُونَ الْحِجْرَةَ بَيْنَ الْحِجَازِ وَتَبُوك وَكَانُوا بَعْدَ قَوْمِ عَادٍ يَعْبُدُونَ الأَصْنَامَ كَأُولَئِكَ قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ مُجَاهِدٌ
[بِطَغْوَاهَا]
بِمَعَاصِيهَا، وَالْمَعْنَى أَنَّ الطُّغْيَانَ حَمَلَهُمْ عَلَى التَّكْذِيبِ، قاَلَ الْقُرْطُبِيُّ
[بِطَغْوَاهَا]
أَيْ بِطُغْيَانِهَا وَهُوَ خُرُوجُهَا عَنِ الْحَدِّ فِي الْعِصْيَانِ اهـ
[إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا]
أَيْ أَسْرَعَ، وَأَشْقَاهَا هُوَ عَاقِرُ النَّاقَةِ، رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ رَسُولِ اللـهِ صَلَّى اللـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ وَذَكَرَ النَّاقَةَ وَالَّذِي عَقَرَ فَقَالَ صَلَّى اللـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
[إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا]
انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ عَارِمٌ مَنِيعٌ فِي رَهْطِهِ مِثْلُ أَبِي زَمَعَةَ، وَفِي كِتَابِ الأَنْبِيَاءِ مِنْهُ: انْتَدَبَ لَهَا رَجُلٌ ذُو عِزٍّ ومَنَعَةٍ فِي قَوْمِهِ كَأَبِي زَمَعَةَ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَعَاقِرُ النَّاقَةِ اسْمُهُ قُدَارُ بنُ سَالِف قِيلَ كَانَ أَحْمَرَ أَزْرَقَ أَصْهَبَ اهـ
وَالْمَنَعَةُ: الْعِزُّ، وَأَبُو زَمَعَةَ: هُوَ الأَسْوَدُ بنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ
[فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللـهِ نَاقَةَ اللـهِ وَسُقْيَاهَا]
رَسُولُ اللـهِ صَالِحٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: احْذَرُوا عَقْرَ نَاقَةِ اللـهِ، قَالَ النَّسَفِيُّ فِي
[نَاقَةَ اللـهِ]
نُصِبَ عَلَى التَّحْذِيرِ، أَيِ احْذَرُوا عَقْرَهَا كَقَوْلِكَ: الأَسَدَ الأَسَدَ، وَالْحَذَرَ الْحَذَرَ
[وَسُقْيَاهَا]
أَيْ شِرْبَهَا فِي يَوْمِهَا وَكَانَ لَهَا يَومٌ وَلَهُمْ يَوْمٌ
[فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا]
أَيْ كَذَّبُوا صَالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَقَرُوهَا، أَيْ قَتَلَهَا الأَشْقَى، وَأُضِيفَ الْفِعْلُ إِلَى الْكُلِّ لِأَنَّهُم رَضُوا بِفِعْلِهِ وَتَابَعُوهُ عَلَيْهِ، وَعَقْرُ الْبَعِيرِ أَيْ نَحْرُهُ
[فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ]
أَيْ أَهْلَكَهُمْ وَأَطْبَقَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابَ بِذَنْبِهِمِ الَّذِي هُوَ الْكُفْرُ وَالتَّكْذِيبُ وَالْعَقْرُ
[فَسَوَّاهَا]
قَالَ يَحْيَى بنُ سَلامٍ: سَوَّى بَيْنَهُمْ فِي الْهَلاكِ كَبِيرِهِمْ وَصَغِيرِهِمْ وَاللـهُ تَعَالَى لَهُ أَنْ يُؤْلِمَ الأَطْفَالَ وَيَضُرَّهُمْ مِنْ غَيْرِ ذَنْبٍ مِنْهُمْ، وَقَالَ بَعْضٌ: سَوَّى الأَرْضَ عَلَيْهِمْ
[وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا]
قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَنَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ
[فَلا يَخَافُ]
بِالْفَاءِ بَدَلًا مِنَ الْوَاوِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ اللـهَ تَعَالَى فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ وَهُوَ غَيْرُ خَائِفٍ أَنْ تَلْحَقَهُ تَبِعَةُ الدَّمْدَمَةِ مِنْ أَحَدٍ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَفِي هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ اللـهَ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَضُرَّهُ أَحَدٌ