تفسير سورة عبس

سُورَةُ عَبَسَ
مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا بِإِجْمَاعِهِمْ وَهِيَ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ ءَايَةً

أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: نَزَلَتْ فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الأَعْمَى واسْمُهُ عَمْرُو بنُ قَيْسٍ وَقِيلَ: عَبْدُ اللـهِ بنُ قَيْسٍ وَهُوَ ابْنُ خَالِ خَديِجَةَ رَضِيَ اللـهُ عَنْهَا
[عَبَسَ وَتَوَلَّى]
عَبَسَ أَيْ قَطَبَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، قَالَهُ الزَّبِيدِيُّ
وَتَوَلَّى: أَيْ أَعْرَضَ بِوَجْهِهِ الْكَريِمِ صَلَّى اللـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَهُ الْبُخَارِيُّ
[أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى]
قَالَ الْقَسْطَلانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرُهُ: لِأَجْلِ أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى عَبْدُ اللـهِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَعِنْدَ رَسُولِ اللـهِ صَلَّى اللـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنَادِيدُ قُرَيْشٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى الإِسْلامِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللـهِ عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللـهُ، وَكَرَّرَ ذَلِكَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ أَيْ رَسُولَ اللـهِ صَلَّى اللـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَشْغُولٌ بِذَلِكَ، أَيْ بِدَعْوَتِهِمْ إِلَى الإِسْلامِ وَقَدْ قَوِيَ طَمَعُهُ فِي إِسْلامِهِمْ، وَكَانَ فِي إِسْلامِهِمْ إِسْلامُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ
فَكَرِهَ رَسُولُ اللـهِ قَطْعَهُ لِكَلامِهِ فَعَبَسَ عَلَيْهِ السَّلامُ وَأَعْرَضَ عَنْهُ فَعُوتِبَ فِي ذَلِكَ صَلَّى اللـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالَّذِينَ كَانَ رَسُولُ اللـهِ يُنَاجِيهِمْ فِي أَمْرِ الإِسْلامِ هُمْ: عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ، وَأَبُو جَهْلٍ عَمْرُو بنُ هِشَامٍ، وَأُبَيُّ وَأُمَيَّةُ ابْنَا خَلَفٍ عَلَى خِلافٍ فِي بَعْضِهِمْ
وَجَاءَ لَفْظُ الأَعْمَى إِشْعَارًا بِعُذْرِهِ فِي الإِقْدَامِ عَلَى قَطْعِ كَلامِ رَسُولِ اللـهِ لِلْقَوْمِ وَلِلدِّلالَةِ عَلَى مَا يُنَاسِبُ مِنَ الرِّفْقِ بِهِ وَالصَّغْوِ لِمَا يَقْصِدُهُ رَضِيَ اللـهُ عَنْهُ قَالَ الثَّوْرِيُّ: فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا رَأَى ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يَبْسُطُ لَهُ رِدَاءَهُ وَيَقُولُ: مَرْحَبًا بِمَنْ عَاتَبَنِي فِيهِ رَبِّي وَيَقُولُ لَهُ: هَلْ مِنْ حَاجَةٍ، وَاسْتَخْلَفَهُ مَرَّتَيْنِ عَلَى صَلاةِ النَّاسِ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ فِي غَزْوَتَيْنِ مِنْ غَزَوَاتِهِ صَلَّى اللـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ يُؤَذِّنُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ بِلالٍ وَغَيْرِهِ رَضِيَ اللـهُ عَنْهُمْ
[وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى]
أَيْ مَا الَّذِي يَجْعَلُكَ دَارِيًا بِحَالِهِ لَعَلَّهُ يَتَطَهَّرُ مِنَ الآثَامِ بِمَا يَتَلَقَّفُ مِنْكَ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: وَفِيهِ إيِمَاءٌ بِأَنَّ إِعْرَاضَهُ صَلَّى اللـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ رَضِيَ اللـهُ عَنْهُ كَانَ لِتَزْكِيَةِ غَيْرِهِ
[أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى]
أَيْ أَوْ يَتَّعِظُ بِمَا يَتَعَلَّمُهُ وَيَسْمَعُهُ مِنْ مَوْعِظَتِكَ فَيَنْتَفِعُ بِذَلِكَ، وَقَرَأَ عَاصِمٌ: فَتَنْفَعَهُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَالْبَاقُونَ بِرَفْعِهَا
[أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى]
قَالَ بَعْضٌ: الْمُرَادُ مَنْ كَانَ ذَا ثَرْوَةٍ وَغِنًى، قَالَ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: وَهُوَ فَاسِدٌ هَهُنَا لِأَنَّ إِقْبَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ لِثَرْوَتِهِمْ وَمَالِهِمْ حَتَّى يُقَالَ لَهُ أَمَّا مَنْ أَثْرَى فَأَنْتَ تُقْبِلُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: الْمَعْنَى مَنِ اسْتَغْنَى عَنِ الإِيـمَانِ وَالْقُرْءَانِ بِمَا لَهُ مِنَ الْمَالِ، وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ قَرِيبٌ مِنْهُ، وَالْمُرَادُ الَّذِينَ كَانَ رَسُولُ اللـهِ صَلَّى اللـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَاجِيهِمْ فِي شَأْنِ الإِسْلامِ ثُمَّ قُتِلُوا وَالْعِيَاذُ بِاللـهِ عَلَى الْكُفْرِ، قُتِلَ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ وَأَبُو جَهْلٍ عَمْرُو بنُ هِشَامٍ وَأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ يَوْمَ بَدْرٍ، أَمَّا أُبَيُّ بنُ خَلَفٍ فَقَدْ رَمَاهُ رَسُولُ اللـهِ صَلَّى اللـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَرْبَةٍ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَتَلَهُ
[فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى]
أَيْ تَتَعَرَّضُ لَهُ بِالإِقْبَالِ عَلَيْهِ بِوَجْهِكَ
[وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى]
أَيِ الْكَافِرُ وَهَذَا تَحْقِيرٌ لِشَأْنِ الْكُفَّارِ، وَالْمَعْنَى: لَيْسَ عَلَيْكَ بَأْسٌ فِي أَنْ لا يَتَزَكَّى بِالإِسْلامِ مَنْ تَدْعُوهُ إِلَيْهِ، إِذِ الْهُدَى بِيَدِ اللـهِ وَلَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ؛ وَبَعْدَ ذَلِكَ نَزَلَ الأَمْرُ بِالْقِتَالِ
[وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى]
أَيْ يَأْتِيكَ مُسْرِعًا طَالِبًا لِلْخَيْرِ وَالْعِلْمِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالْمُرَادُ بِهِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَضِيَ اللـهُ عَنْهُ
[وَهُوَ يَخْشَى]
أَيْ يَخَافُ اللـهَ عَزَّ وَجَلَّ
[فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى]
أَيْ تَتَشَاغَلُ، وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو الْجَوْزَاءِ وَطَلْحَةُ: تَتَلَهَّى بِتَاءَيْنِ
[كَلَّا]
أَيْ لا تَفْعَلْ بَعْدَهَا مِثْلَهَا، عَلَى أَنَّ مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللـهِ لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً كَبِيرَةً وَلا صَغِيرَةً، وَمَنْ قَالَ هُوَ صَغِيرَةٌ فَقَدْ أَخْطَأَ
[إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ]
أَيْ أَنَّ ءَايَاتِ الْقُرْءَانِ مَوْعِظَةٌ وَتَبْصِرَةٌ لِلْخَلْقِ
[فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ]
أَيْ فَمَنْ شَاءَ حَفِظَ الْقُرْءَانَ وَاتَّعَظَ بِهِ
[فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ]
أَيْ أَنَّ تِلْكَ التَّذْكِرَةَ مُثْبَتَةٌ فِي هَذِهِ الصُّحُفِ الْمُكَرَّمَةِ، وَالصُّحُفُ: جَمْعُ صَحِيفَةٍ، قَالَ الرَّازِيُّ وَالنَّسَفِيُّ: إِنَّهَا صُحُفٌ مُنْتَسَخَةٌ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مُكَرَّمَةٌ عِنْدَ اللـهِ
[مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ]
أَيْ مَرْفُوعَةُ الْقَدْرِ مَحْفُوظَةٌ مِنَ الدَّنَسِ لا يَمَسُّهَا إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ وَهُمُ الْمَلائِكَةُ
[بِأَيْدِي سَفَرَةٍ]
أَيْ هَذِهِ الصُّحُفُ الْمُكَرَّمَةُ الْمَرْفُوعَةُ الْمُطَهَّرَةُ بِأَيْدِي الْكَتَبَةِ مِنَ الْمَلائِكَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ
[كِرَامٍ بَرَرَةٍ]
أَيْ هُمْ كِرَامٌ أَعِزَّاءُ عَلَى رَبِّهِمْ بَرَرَةٌ مُطِيعُونَ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ
[قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ]
أَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى
[قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ]
قَالَ: نَزَلَتْ فِي عُتْبَةَ بنِ أَبِي لَهَبٍ حِينَ قَالَ: كَفَرْتُ بِرَبِّ النَّجْمِ، وَمَعْنَى الآيَةِ لُعِنَ الْكَافِرُ مَا أَشَدَّ كُفْرَهُ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى
[قُتِلَ]
الدُّعَاءُ، وَالْمُرَادُ بِهِ الذَّمُّ الْبَلِيغُ لِأَنَّ اللـهَ لا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الدُّعَاءُ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى:
[مَا أَكْفَرَهُ]
ظَاهِرُهُ التَّعَجُّبُ وَهُوَ لا يَكُونُ مِنَ اللـهِ فَالْمَعْنَى الْمُرَادُ هُوَ تَعْجِيبُ كُلِّ سَامِعٍ لِأَنَّ مُبَالَغَةَ الْكُفَّارِ فِي الْكُفْرَانِ يَتَعَجَّبُ مِنْهَا كُلُّ وَاقِفٍ عَلَيْهَا، وَالْمَعْنَى أَنَّ هَذَا الْكَافِرَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُقَالَ عَنْهُ: لُعِنَ مَا أَشَدَّ كُفْرَهُ؛ وَاللَّعْنُ مَعْنَاهُ: الطَّرْدُ وَالإِبْعَادُ مِنَ الْخَيْرِ عَلَى سَبِيلِ السُّخْطِ، وَالْعَجَبُ وَالتَّعَجُّبُ حَالَةٌ تَعْرِضُ لِلإِنْسَانِ عِنْدَ الْجَهْلِ بِسَبَبِ الشَّىْءِ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءُ: الْعَجَبُ مَا لا يُعْرَفُ سَبَبُهُ وَلِهَذَا قِيلَ: لا يَصِحُّ عَلَى اللـهِ التَّعَجُّبُ إِذْ هُوَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ لا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، قَالَهُ الرَّاغِبُ الأَصْبَهَانِيُّ وَغَيْرُهُ
[مِنْ أَيِّ شَىْءٍ خَلَقَهُ]
أَيْ لِمَ يَتَكَبَّرُ هَذَا الْكَافِرُ؟
أَلَمْ يَرَ مِنْ أَيِّ شَىْءٍ خُلِقَ؟!
وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ عَلَى مَعْنَى التَّقْرِيرِ عَلَى حَقَارَةِ مَا خُلِقَ مِنْهُ
[مِنْ نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ]
قَالَ رَسُولُ اللـهِ صَلَّى اللـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللـهُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَعَملِهِ وَأَجَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ،
هَذَا طَرَفُ حَدِيثٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللـهُ عَنْهُ
وَالنُّطْفَةُ: الْمَنِيُّ الْمَخْلُوقُ مِنْهُ الْبَشَرُ، وَالْعَلَقَةُ: الْمَنِيُّ يَنْتَقِلُ بَعْدَ طَوْرِهِ فَيَصِيرُ دَمًا غَلِيظًا مُتَجَمِّدًا، ثُمَّ يَنْتَقِلُ طَوْرًا ءَاخَرَ فَيَصِيرُ لَحْمًا وَهُوَ الْمُضْغَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا مِقْدَارُ مَا يُمْضَغُ، قَالَهُ الْفَيُّومِيُّ
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ التَّكَبُّرَ وَالتَّجَبُّرَ لا يَلِيقَانِ بِمَنْ كَانَ أَصْلُهُ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً
وَمَعْنَى فَقَدَّرَهُ: أَيْ فَقَدَّرَهُ أَطْوَارًا إِلَى أَنْ أَتَمَّ خِلْقَتَهُ، قَدَّرَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَعَيْنَيْهِ وَسَائِرَ أَعْضَائِهِ، وَحَسَنًا أَوْ دَمِيمًا، وَقَصِيرًا أَوْ طَوِيلًا، وَشَقِيًّا أَوْ سَعِيدًا
[ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ]
الْمَعْنَى أَنَّ اللـهَ سَهَّلَ لَهُ الْخُرُوجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ بِأَنْ جَعَلَ فُوَّهَةً لِلرَّحِمِ، وَأَلْهَمَهُ إِذَا قَرُبَ وَقْتُ خُرُوجِهِ أَنْ يَتَنَكَّسَ فَيَصِيرَ رَأْسُهُ مِنْ جِهَةِ الأَسْفَلِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الأَعْلَى
فَسُبْحَانَ اللـهِ الْخَالِقِ الْبَارِئِ الْمُصَوِّرِ، وَقِيلَ: سَهَّلَ لَهُ الْعِلْمَ بِطَرِيقِ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، قَالَهُ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ
[ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ]
أَيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا يُوَارَى فِيهِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِمَّا يُلْقَى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ فَتَأْكُلَهُ الطَّيْرُ وَالسِّبَاعُ
[ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ]
أَيْ أَحْيَاهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لِلْبَعْثِ، وَوَقْتُ النُّشُورِ عِلْمُهُ عِنْدَ اللـهِ سُبْحَانَهُ
[كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ]
كَلِمَةُ كَلَّا هِيَ رَدْعٌ وَزَجْرٌ لِلْكَافِرِ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ فَالْكَافِرُ لَمْ يَفْعَلْ مَا أَمَرَهُ اللـهُ بِهِ مِنَ الطَّاعَةِ وَالإِيـمَانِ
[فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ]
أَيْ فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ خَلَقَ اللـهُ لَهُ طَعَامَهُ وَلْيَنْظُرْ إِلَى مَدْخَلِهِ وَمَخْرَجِهِ، وَالْمُرَادُ نَظَرُ اعْتِبَارٍ وَهُوَ نَظَرُ الْقَلْبِ مُتَدَبِّرًا مُتَفَكِّرًا فِي عَظِيمِ قُدْرَةِ اللـهِ سُبْحَانَهُ
[أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا]
أَيِ الْغَيْثَ وَالْمَطَرَ يَنْسَكِبُ مِنَ السَّحَابِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ: إِنَّا بِالْكَسْرِ، وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: أَنَّا صَبَبْنَا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فِي الْوَصْلِ وَفِي الِابْتِدَاءِ
[ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا]
أَيْ بِالنَّبَاتِ فَإِنَّهُ يَشُقُّ الأَرْضَ بِخُرُوجِهِ مِنْهَا
[فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا]
فِيهَا أَيْ فِي الأَرْضِ يُنْبِتُ اللـهُ جَمِيعَ الْحُبُوبِ الَّتِي يُتَغَذَّى بِهَا كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ
[وَعِنَبًا وَقَضْبًا]
الْعِنَبُ مَعْرُوفٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْقَضْبُ: هُوَ الرُّطَبُ لِأَنَّهُ يُقْضَبُ مِنَ النَّخْلِ أَيْ يُقْطَعُ
[وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا]
الزَّيْتُونُ وَالنَّخْلُ مَعْرُوفَانِ
[وَحَدَائِقَ غُلْبًا]
أَيْ بَسَاتِينُ كَثِيرَةُ الأَشْجَارِ، وَالْحَدِيقَةُ: الْبُسْتَانُ يَكُونُ عَلَيْهِ حَائِطٌ، وَالْغُلْبُ: الْغِلاظُ الأَعْنَاقِ، وَقَالَ الزَّجَاجُ: هِيَ الْمُتَكَاثِفَةُ الْعِظَامُ، وَالْمُرَادُ عِظَمُ أَشْجَارِهَا وَكَثْرَتُهَا
[وَفَاكِهَةً وَأَبًّا]
أَيْ أَلْوَانُ الْفَاكِهَةِ، وَالأَبُّ: هُوَ مَا تَرْعَاهُ الْبَهَائِمُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ
[مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ]
أَيْ أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنَ الْحَبِّ وَمَا بَعْدَهُ خُلِقَ لِمَنْفَعَةِ الإِنْسَانِ وَكَذَلِكَ الأَنْعَام وَهِيَ الإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ تَنْتَفِعُ بِهِ
[فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ]
وَهِيَ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ صَيْحَةُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ الْخَلِيلُ بنُ أَحْمَدَ: الصَّاخَّةُ صَيْحَةٌ تَصُخُّ الآذَانَ صَخًّا، أَيْ تُصِمُّهَا بِشِدَّةِ وَقْعَتِهَا وَجَوَابُ
[فَإِذَا]
مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: اشْتَغَلَ كُلُّ إِنْسَانٍ بِنَفْسِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ
[لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ]
قَالَهُ أَبُو حَيَّانَ وَغَيْرُهُ
[يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ]
أَيْ لا يَلْتَفِتُ الإِنْسَانُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ أَقَارِبِهِ لِعِظَمِ مَا هُوَ فِيهِ، وَالْمُرَادُ بِالصَّاحِبَةِ الزَّوْجَةُ
وَالْمُرَادُ بِالْفِرَارِ هُنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلاءِ يَفِرُّ مِنَ الآخَرِ إِنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ أَمَّا إِنْ كَانَ كُلٌّ مِنَ الْمُتَّقِينَ فَلا يَفِرُّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ مِنَ الآخَرِ
[لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ]
أَيْ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَالًا يَشْغَلُهُ عَنِ النَّظَرِ فِي حَالِ غَيْرِهِ
[وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ]
أَيْ أَنَّ وُجُوهَ الصَّالِحِينَ تَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُشْرِقَةً مُضِيئَةً قَدْ عَلِمَتْ مَا لَهَا مِنَ الْخَيْرِ وَالنَّعِيمِ
[ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ]
أَيْ مَسْرُورَةٌ فَرِحَةٌ بِمَا نَالَهَا مِنْ كَرَامَةِ اللـهِ عَزَّ وَجَلَّ
[وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ]
أَيْ غُبَارٌ وَكَمَدٌ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ شِدَّةِ الْحُزْنِ وَهِيَ وُجُوهُ الْكُفَّارِ كَمَا سَيَأْتِي
[تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ]
أَيْ تَغْشَاهَا ظُلْمَةٌ
[أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ]
وَالْكَفَرَةُ: جَمْعُ كَافِرٍ، وَالْفَجَرَةُ: جَمْعُ فَاجِرٍ
وَعَنْ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللـهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ:
[وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً] [سُورَةَ الْحَاقَّة/ 14]
قَالَ: يَصِيرَان ِغَبَرَةً عَلَى وُجُوهِ الْكُفَّارِ لا عَلَى وُجُوهِ الْمُؤْمِنِينَ وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ:
[وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ] [سُورَةَ عَبَسَ]
رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ